قال صلى الله عليه وسلم (‏إنّ الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير) حديث صحيح.

لم يكن التعليم يومًا إلا أمانة يؤتمن عليها المعلم دون يمين أمام الناس ولكنه بقسم بينه وبين ربه، حيثما يذهب يوجّه له الخير كأنه تناغم موسيقي مع أوتار الحياة ففي كل طريق حلم يناله ومهارة يصقلها.

تلك المعلومات التي يودّ أن يرسلها بعقول طلابه ليست إلا إشعاعات من الحبّ المزخرف المنمق بألوان زاهية ترسل إليهم كإشارات أمان وحب. كلّما نظر إلى عيونهم زادته دهشة وإصرارًا فلا يقتصر التعليم على القلم والورقة بل على الحب والاطمئنان.

وما ذاك المعلم إلا كنسمة هواء عليلة ترد الحياة ترفرف بها الطيور وتملأ كونها حبًّا وتغاريد؛ ما أشبه الطالب بالبذرة التي تُسقى خيرًا وما المعلم إلا كشجرة ثابتة أصلها ثابت وفرعها في السماء تعطي ثمارها كل لحظة وكل يوم وكل عام بإبداع عملية البناء الضوئي التي تتقنها تلك الشجرة تخرج ثمارًا ناضجة.

كلما نظرت حولي وجدت ما يشحن همتي ويقوي عزيمتي تراتيل الطلاب في الصباح كزقزقة عصافير ونشيدهم في الطابور كسمفونية عذبة تبعث الأمل وخشوع عيون قلوبهم لحظة ترتيل القرآن ما يثبّت المرء وتنشيطهم لعضلات عقولهم في رياضة الصباح وكل ذاك يضفي على القلب بسمة مريحة.

وعيون المعلم تلحق بهم خشيةً عليهم وهمساتهم بالحصة حتى لو كانت مزعجة ترسل لك موجات حبٍّ وتدعو الله أن تدوم رابطة قلبهم على الخير، وعن شخصياتهم التي كلوحة فنية تمتزج بها جميع الألوان لو عُرضت في معرض لبُهت من تأملها ولكنها حتمًا ستسرّه فبين ثناياها قصص لا محدودة من عالم الدراسة والامتحانات وتوزيع الأوراق والواجبات والأقلام والدفاتر وأكياس (الشيبس) والرسائل الخفية وعالم افتراضي لكل واحد منهم وحركات بهلوانية تعبّر عن شخصيته، وضحكات تتردد هنا وهناك وهدوء مفعم في الزاوية مختلس.

لو تأمل المعلم هذه اللوحة كل يوم فسيخرج برواية عن كل طالب حتى يصل كيف يقضي يومه؟ وكيف يفكّر؟ وليس غريبًا لو عرف بِمَ يفكّر؟ وبمن يشعر؟ ومن يحبّ ولمَ؟ وماذا يكره؟ نعم، فما المعلم منهاجًا يتنقل وإنما قلب حانٍ وعقل حنك ينتشل تلاميذه من الظلمات إلى النور.

أما عيونهم وهي تنظر لك وأيديهم وهي تشير إليك بسلام وتحية بكل وقت يرونك فيه فهو المفتاح الذي تأخذه لترجو من الله أن تدخل بهم الجنة وتعلو وترنو بهم حتّى الفردوس وتلقي السلام على رسولك محمد – صلى الله عليه وسلم – وأنت فخور بأنّك صنت الأمانة فأديتها.

وعن صلاة الملائكة عليك فعلّم فلذات علمك الخير فبهم علمك يزهر وقلبك يعمر ودنياك تثمر وهم وشاح على صدرك فانسج وشاحك بما يحلو لك من ماس وياقوت وفضة وذهب ولآلئ وحرير وثبّت النسج ولا تدعه يتراخَ فيسقط الوشاح عنك ولا يعود لك.

انسج بحبّ وترنّم فغدًا تراهم يلوحون لك بشهاداتهم بفضل الله ثمّ أنت وأحدهم يشفي جرحًا وآخر يضفي علمًا وواحد يشيّد بناءً وأنت تصفّق بحرارة وعيناك تدمعان من ذاك المشهد مشيرًا إلى كل نفس فيهم ومباهيًا أمام الناس فيهم قائلًا: هؤلاء من بعد فضل الله هم صنعي فأنا صنعتهم بلطف من الله على عيني وأنشأتهم حتى صرنا هنا.

فيا معلم الخير صبّ خيرًا من كوب علمك فما الساقي والشارب إلا أنت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد