إن أي أمة، أو أي شعب، أو أي ثورة، أو أي حركة، إذا لم يكن لها قيادة رشيدة، حكيمة صادقة، مخلصة، نابعة من القاعدة الشعبية، ومدعومة، ومُؤْيَدة منها، وراضية عنها، ومتفاعلة معها، وكل منها تحترم الأخرى، ويتشاوران، ويتناصحان، ويتشاركان معًا في وضع الخطط المناسبة لصالح الأمة، أو الثورة، ويتفانيان في خدمتها، والتضحية بكل غالٍ ونفيس، لتحقيق الأهداف المنشودة التي قامت عليها الثورة.

فإن مصيرها الفناء، والهلاك، والزوال، كما يؤكد هذا الأمر الشاعر الجاهلي صاحب الحكمة اليمانية، (الأفوه الأودي) في شعره الرائع، ونظرته الصائبة الدقيقة، لوضع المجتمع، فيقول: بكلمات بديعة تستحق أن تكتب بماء الذهب، وأن تنقش في قلب كل حر، يعشق الحرية، والعزة، والكرامة.

لا يَصلح الناسُ فوضىَ لا سراةَ لهم ** ولا سراةَ إذا جُهّالهم سادُوا

 والبيت لا يُبتنَى إلا له عَمَد  **   ولا عِمادَ إذا لم تُرْس أوتاد

تَبْقَى الأُمُورُ بِأَهْلِ الرَّأْيِ مَا صَلَحَتْ  **  فإن تولّت فبالأشرار تنقادُ

إِذَا تَوَلَّى سَرَاةُ الْقَوْمِ أَمْرَهُمُ  **  نَمَا عَلَى ذَاكَ أَمْرُ القَوْمِ فَازْدَادُوا

 

فإذا نظرنا نظرة موضوعية، تجردية، حيادية، علمية إلى حال هذا الجسم الأجنبي (الائتلاف)، الذي قام بتشكيله السفير الأمريكي السابق في سوريا المدعو روبرت فورد، بالتعاون مع جهات خارجية أخرى، في أوائل نوفمبر (تشرين الثاني) 2012، رغم أنف السوريين، بدون أي استشارة لهم، ولا انتخاب من القاعدة الشعبية، أو من النخب العلمية، والفكرية، والسياسية التي اجتمعت مرات عديدة في أنطاليا واسطنبول والقاهرة قبل تشكيله، وقد حضر الكاتب كل الاجتماعات بدءًا من أول اجتماع في أنطاليا في 31 مايو (أيار) 2011 إلى يوم تشكيل جسم الائتلاف القميء؛ فكل هؤلاء لم يُستشاروا أبدًا، وإنما كانت ثمة أسماء محضرة، ومعدة سلفًا، وكان عراب ولادة هذا المولود غير الشرعي، الدخيل على الثورة (رياض سيف).

فاختار من السوريين كل ساقط وساقطة، وكل متردية، ونطيحة، ومنخنقة، وموقوذة، وبَحيرة، وسائبة، ووصيلة، وكل شخص مريض القلب، لا خلاق له، وعديم الضمير والإيمان، خاوٍ من القيم، والمُثُل العليا، ومتجردٍ من العلم والمعرفة، والفقه السياسي والفكري، ويبحث عن منفعة مادية ومعنوية، ليكون بارزًا في المجتمع الدولي، وتتحدث عنه وسائل الإعلام، ويتمتع بالضيافة في أفخر الفنادق الأوربية والعربية والأمريكية.

كان معظم المختارين – إلا قليلًا منهم – من الطبقة المتدنية في المجتمع السوري ومن أراذله وسفهائه الذين ركبوا موجة الثورة، لنهب الأموال التي كانت تتدفق على هذا الجسم الأجنبي، من كل حدب وصوب، ووضعها في حساباتهم المصرفية بأسمائهم الخاصة، وعدم المبالاة بالشعب المسكين، النازح، واللاجئ الذي يعاني الأمرين، ويكافح ويصارع الموت للحصول على كسرة خبز، كما أنه كانت لبعضهم اتصالات سرية مع نظام الأسد، وإطلاعه أولًا بأول على كل ما يجري في جلسات الائتلاف؛ فقد كانوا بحق هم صنائع نظام الأسد، وجواسيسه، وأزلامه، وكانت تصرفاتهم وسلوكياتهم – سواء كان مع بعضهم بعضًا أم الثوار – أشد منه طغيانًا واستبدادًا، وأشر منه، وأسوأ في النهب والسلب.

ولا نقول هذا الكلام جزافًا، بقصد التشهير، أو الإساءة إلى أي شخص من أبناء بلدنا، ولكننا نريد أن نضع النقاط على الحروف، ونبين الحقيقة الساطعة الواضحة، دون لبس، أو غموض، وننقل بالحرف، ما قالته المراجع والمصادر المطلعة على حقيقته، وما قاله إعلاميون أحرار، وما قاله رجل الشارع السوري المسكين البئيس التعيس، في حق الائتلاف، وسنذكر أسماء بعض الأشخاص ذوي الفضائح النتنة، التي زكمت أنوف كل السوريين، والذين مارسوا السوء والفساد، والإفساد أكثر من معلمهم بشار، الذي علمهم الإفساد، بالوثائق وشهادات الناس عليهم، مع ذكر المصدر. وسنضع الكلام المنقول بين قوسين، للأمانة العلمية.

مطبخ مخابراتي عالمي يدير الائتلاف

«حتى الائتلاف رهينة لقوى إقليمية ودولية؟ المعارضة السورية لن تُترك حرة؛ تصور أن النظام الداخلي للائتلاف جاء جاهزًا وما علينا إلا التوقيع عليه فقط، فهو ممنوع من أي تعديل، حتى تعديلهم يتطلب أكثر من ثلث الأعضاء، وهذا لا يعني أن كل من هم في الائتلاف بهذه الدرجة من السوء، فهناك شخصيات جيدة، لكن هناك مطبخ مخابراتي عالمي يدير الائتلاف.. فهو غير قادر على التغيير»{1}.

وهذه شهادة لبواني على زيارته للكيان اليهودي، واتهامه لأنس العبدة الذي استلم رئاسة الائتلاف، بأنه سبقه إلى الزيارة.

أبرز وجوه المعارضة السورية كمال اللبواني في تسريب صوتي: (أمريكا مولت المعارضة منذ العام 2005، ولكن الأموال سرقها قادة المعارضة، وأنس عبدة رئيس الائتلاف السوري السابق سبقني بالعلاقة مع إسرائيل منذ العام 2006، وتربط اللبواني علاقة علنية مع إسرائيل، وزار إسرائيل أكثر من مرة بشكل علني.){2}.

(كمال اللبواني.. أول سوري يتمرغ بوحل التطبيع علنًا. ظهر الهوس بالتطبيع عند اللبواني منذ عام 2014، وهو تاريخ زيارته الأولى لدولة الاحتلال، التي أحدثت فارقًا في شخصية الرجل، وجعلت منه سفيرًا لإسرائيل في المنطقة، وحصل اللبواني على هوية اجتماعية جديدة في بلاده، إذ أصبح أول سياسي سوري يزور إسرائيل بشكل معلن، في وقت لم تتخل فيه دمشق عن تعريف إسرائيل بالعدو، لا سيما أنها ما زالت تحتل جزءًا من أراضيها منذ عام 1967.){3}.

وهكذا قطيع الائتلاف يتبادلون بينهم المناصب ويحرصون عليها أشد الحرص فقط؛ ليشار لهم بالبنان «وأعلن أنس العبدة يوم أمس عن انتهاء تكليفه كرئيس للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، وتسلمه منصبه الجديد رئيسًًا للهيئة العليا للمفاوضات السورية»{4}.

أنس العبدة لا يحمل فكرًا إسلاميًّا، ولا وطنيًّا، ولا قوميًّا، ولا حتى حيوانيًّا، إذ إن همه الأكبر هو اقتناص المناصب؛ فتمكن من الحصول على مقعد الرئاسة مرتين لأجل التأطير الإعلامي، والظهور أمام كاميرات التصوير، بأنه الرجل الهمام، ورجل الموقف، وهو في الحقيقة ليس إلا صعلوك، براغماتي، يريد تسويق نفسه، للاستهلاك المحلي والدولي، على حساب عذابات وآلام السوريين، ومعاناتهم، وشقائهم، وبؤسهم، وفي عهده تم تسليم حلب لنظام الأسد وروسيا، في مثل هذه الأيام قبل أربع سنوات، وبأوامر خارجية، وتبين أنه لا يحمل أيًّا من مقومات القيادة، فخرج من فشل إلى فشل؛ إضافة إلى ملفات فساد مالي كبير، متهم بها، واختلاسه للأموال التي كانت تتدفق على الائتلاف.

ويشاركه في هذه الاختلاسات أحمد رمضان، ومن مآخذه المخزية، التغطية على سرقات وحدة الدعم والتنسيق، وتبييض صفحات متورطين بالفساد، وتقاسم حصص، وإقصاء كل من يعارضه، وانتقامه من فصائل حمص، ومنع الدعم المالي عنهم، حتى أدى إلى سقوط حمص بيد قوات الأسد.{5}.

تبادل «الطرابيش» يثير سخرية السوريين:

إذ شهدت انتخابات الائتلاف الوطني تبادل لطرابيش السلطة، بين شخصيتين حولها عشرات علامات الاستفهام، من فساد إلى تحالفات مشبوهة، وتمسك بالسلطة دون إنجازات تذكر، وكان الانتخاب على المرشح الوحيد نصر الحريري لرئاسة الائتلاف، خلفًا للعبدة، الذي تولى منصب رئاسة «هيئة التفاوض»؛ التي كان يرأسها الحريري مثيرًا لسخرية السوريين، حتى أن البعض وصفهم بـ«أعضاء القيادة القطرية لحزب البعث» في طريقة تبادل الأدوار، وكتب أحدهم:«بتوجهات السيد الرئيس بشار الأسد، تعيين نصر الحريري رئيسًا للائتلاف الوطني المعارض، وأنس العبدة، رئيسًا لهيئة التفاوض المعارضة. تقبل التبريكات في مقرات المعارضة السورية.»{6}.

(شخص موالٍ للنظام تبوأ منصب الأمين العام للائتلاف. من هو مصطفى الصبّاغ الذي قاد المعارضة

مصطفى الصبّاغ مهندس مدني من محافظة اللاذقية، ولد عام 1965، عمل في قطر. كان دخول الصبّاغ إلى صفوف المعارضة حدثًا غريبًا، خاصةً وأنه في بداية انطلاقة الثورة السورية وتحديدًا في الشهر السادس من العام 2011، أرسل رسالة «مبايعة» لرئيس النظام السوري بشار الأسد، وقد جاء في نصها «في ظل الظروف الراهنة التي يمر بها الشعب العربي السوري والمحاولات البائسة للنيل من وحدة الوطن واستقراره تؤكد رابطة المغتربين السوريين نيابة عن الجالية السورية الوفية للوطن والقائد حرصنا الكامل على وحدة تراب الوطن من أقصاه إلى أقصاه. وقد كان ينفذ بدقة تعليمات الخارجية القطرية، التي تعتبره موظفًا لديها، ليس أكثر.»{7}.

فكما يصف مطانيوس حبيب، أنس العبدة:

«ليس لديه مبدأ، المهم مصالحه الخاصة التي تتطلب استمرار تواجده في مكانه؛ فأي شيء وكل شيء ممكن بطريقة براغماتية، بطريقة تجعله يشبه المتحول الزحاري. تلك الصفة التي طغت على من تبقى في الائتلاف، الذي استقال منه تباعًا، كل من لديه حد أدنى من الثوابت؛ فلم يتبق إلا المتحولون المتطفلون الذين لا مبدأ ولا قيم ولا فكر، إنهم طفليات الثورة، وعلقها، وطحالبها، وضفادعها الذين يشكلون اليوم قادتها، ومؤسساتها ويكتبون دستورها».

وكما تصفه الخنساء العربية؛ إذ تقول:«قليل الفهم، قليل الثقافة، يغطي بلحيته، شخصية عدوانية، لا يقل عنفها الباطن عن ماهر الأسد، متعمق الفهم في الكذب، والنصب والتمويل، والتدويل»{8}.

أما أحمد الجربا، الذي تولى رئاسة الائتلاف منذ الأيام الأولى لصناعته، وبأوامر أمريكية، بعد استقالة معاذ الخطيب، لفترتين متتاليتين، يصفه البعض بأنه: «ثعلب مراوغ، ولص محترف، فقد سرق 85 مليون دولار من مبلغ مائة مليون يورو قدمته السعودية، ويصفه آخرون بأنه: رجل بشار المخلص، وقد أثبتت الأيام صحة ذلك، بعد ما ذاق السوريون الويلات، وانسحب من الائتلاف، ليرجع إلى زريبة الأسد، ويتعاون مع قسد»{9}.

مقربون من الحريري يصفونه بالموظف الصغير، الذي يقبل بكل شيء، وهو بعثي، وليس له أي نشاط معارض للنظام، وكان مؤيدًا لروسيا، في كل توجهاتها، بما فيها الموافقة على مسودة الدستور، الذي قدمته روسيا هدية للشعب السوري، لكي تقوده كما تريد.

ويقول عن نفسه صراحة أنه صنعته دول، ولا يمكن لأحد إقصاؤه، أو طرده، الدقيقة 18:41 ويقول كل العالم يعلم أنه من دون روسيا، لن يكون هناك حل في سوريا، الدقيقة 23:51، ولا مشكلة لديه مع الاحتلال العسكري الروسي لسوريا.

وبالرغم من الانتقادات اللاذعة له، وطرده من مدينة الباب، ووصفه بالخائن، والضفدع، إلا أنه بقي مصرًّا على الالتصاق بكرسيه، الذي يحمله معه أينما ذهب، لأنه عديم الكرامة والضمير، والوجدان، ولا يهمه إلا حب الظهور في وسائل الإعلام، والحصول على الأموال{10}.

القشة التي قصمت ظهر البعير

«كان إصدار القرار (24) بمثابة كبسة زر على صاعق تفجير الساحة الوطنية، وإعلان انتفاضة عارمة ضد الائتلاف، وقيادته الحالية، ممثلة بالسيد نصر الحريري. أكثر من سبعين جماعة من الفصائل، والجماعات العسكرية، والسياسية، والمدنية، والشخصيات البارزة، تداعت بمبادرة من (اتحاد تنسيقيات الثورة في العالم) للعمل معًا على إسقاط شرعية الائتلاف، ممثلًا للثورة والمعارضة الوطنية، وبدأت فورّا ورشة عمل ضخمة، لا تهدأ، تمتد من المناطق المحررة في الداخل السوري، إلى كل المواقع التي يتواجد فيها سوريون مهجرون ومغتربون، من تركيا إلى الولايات المتحدة، مرورًا بأوروبا والدول العربية.

في الرابع والعشرين من الشهر الجاري(ت2) أصدرت مكونات هذا الحراك الجديد بيانًا، حدد موقفها السياسي من سياسة الائتلاف، جاء فيه:«لعل قرار الائتلاف بالمشاركة في تمرير تأهيل الأسد، ونظامه عبر مسرحية الانتخابات، كان الصفعة الوحيدة ذات المنعكس الإيجابي؛ إذ تلقاها شعبنا بما يقتضيه الرد، بكسر اليد التي وجهتها له».

أضاف البيان «بناءً عليه، فإننا في الاجتماع الأول لقطاع واسع من القوى الثورية، والثوار المستقلين نؤكد على:

أولا: نعلن بوضوح أن الائتلاف بجميع تفرعاته والمؤسسات المنبثقة عنه، لا يمثل السوريين، وغير مخول بالتحدث والتفاوض عنهم، أمام أية جهة دولية، أو رسمية، وهو فاقد للشرعية والمشروعية معاً».{11}.

الخلاصة الحاسمة

يجب اقتلاع الائتلاف بكل مكوناته من جذوره، كما يتم قلع السن الموبوء، المتعفن، الملتهب، المتورم، من جذوره، قبل التفكير باقتلاع نظام بشار، والتعويض عنه بجسم صالح، أمين، مخلص، مشابه على الأقل للقيادة الفيتنامية، التي كانت هيأتها المفاوضة لأميركا في أوروبا، ترفض العرض الأمريكي لاستضافتها في الفنادق الفخمة، وتذهب إلى فنادق بسيطة متواضعة؛ لكيلا تكون هذه الإغراءات مدعاة لتقديم تنازلات أثناء التفاوض.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد