من الصعب عند كتابة مقال نقدي أن تجد عنوانًا مناسبًا يجذب القارئ، ولكن في هذا المقال لم أجد تلك الصعوبة لأن أي عنوان يحمل كلمة فقط كفيل بتوصيل العنوان المناسب للقارئ.

ربما لأن المقال يعتمد على تلك الكلمة التي ندرجها في لغتنا العامية بالرغم من أنها لغة عربية فصحى.

فتلك الكلمة لها سحر جذاب وسحر استفزازي ولذلك نجد كل المحلات التجارية والمعارض والدعاية والإعلانات التلفزيونية يحملون تلك الكلمة إيمانًا منهم أن كل المجتمع يدرك معناها، ولذلك يقولون “فقط” بكل ثقة ولا يستخدمون الكلمة العامية “بس”.

ويظل السؤال يتردد في ذهني منذ فترة ليست ببعيدة، إلى من يتحدثون؟ عندما ترى المحل الفلاني أو العلامة التجارية الفلانية أو الإعلان الفلاني يحمل كلمة “فقط” فأنت يجب أن تتساءل، هل يتحدثون إليّ؟ هل يعتبرون هذا المبلغ قليلًا بالنسبة إليّ؟ هل يرون أن تلك الصفقة رابحة لمواطن مثلي يكاد أن يرى هذا الإعلان في التلفاز لأنه ربما لم يدفع فاتورة الكهرباء!

عزيزي القارئ، في الحقيقة إذا رأيت تلك الكلمة من منظوري ربما تجدها مستفزة، بل طبقية، بل إنها تحرض المواطن على الحسد والجشع، فدعوني أستخدم ذلك الموقف لأبين وجهة نظري.

كنت أتسوق أنا وصديق لي في إحدى المولات التجارية ثم رأيت ذلك المحل الفخم صاحب الماركة الشهيرة يحمل يافطة مكتوبًا عليها “فقط” وطبعًا بسبب معلوماتي السابقة عن تلك الماركة باهظة الثمن أثارني فضولي لأرى أين تلك الكلمة بالتحديد!

فاقتربت قليلًا بداخل المحل لأرى أن تلك اللافتة على “بنطلون جينز” ثمنة 950 جنيهًا مصريًّا، وكلمة فقط معلقة فوقه، ثم نظرت حولي لأرى أن معظم الملابس متقاربة لذلك السعر وتعمل تلك الكلمة المستفزة “فقط”.فنظرت إلى صديقي وقلت “هل يتحدثون إليّ”؟

في الحقيقة هم لا يتحدثون إليّ ولا إليك، ربما يتحدثون إلى طبقة أعلى منا مستعدة أن تشتري قطعة ملابس بـ 950 جنيهًا.

وعلى الصعيد الآخر ترى المشاريع الحكومية السكنية للشباب تقول بكل ثقة “الحق فرصتك وبادر بالحجز في إسكان الشباب ثمن الوحدة 300 ألف جنيه فقط”.

ثم ترى الشركات التجارية التي تبيع منتجاتها عبر التلفاز يستخدمون ذلك المبدأ أيضًا، ربما تجد “افرش بيتك بـ 30 ألف”، أو “اشترِ شاليهك بمقدم 50 ألف فقط”.

فأدركت حينها أنهم يريدون شيئين، أول شيء: أن يجعلوا الناس تُدرك أن هناك فئة في المجتمع قادرة على تلك المبالغ التي لا تناسب المواطن متوسط الدخل.

ثاني شيء: أن يتحدثوا لطبقة معينة ليقنعوهم أن تلك الأسعار تكاد تكون مناسبة لهم وفي المقابل نجد الحسد والغل في نفوس الطبقة الأقل منهم.

فإلى من يتحدثون؟ هل يدركون ما هو الحد الأدنى للمواطن المصري؟ هل يدركون أن هناك طبقة فقيرة تعيش بما يساوي 20 جنيهًا يوميًّا أو ربما أقل؟

هل كل علامة تجارية أو محل تجاري أو إعلان تجاري يدرى أن هذا الشعب فاض به الكيل ليرى هذه الأسعار الباهظة ويتم استفزازه بكلمة “فقط”، فقط لمن؟ فقط لي! فأنا كمواطن أعتبر نفسي من الطبقة المتوسطة لا أجد هذه الأسعار أو ما يشبهها تتناسب مع كلمة فقط.

هل يدركون في إعلاناتهم أن تلك الأسعار ربما تفقد الدولة ميزانها عندما يتم وضع بجانبها كلمة فقط؟ نعم هذه الكلمة ربما تفقد الدولة ميزانها.

فإن المواطن الذي يرى تلك الأسعار ويعلم أنها رخيصة بالنسبة لأشخاص كثر وهو لا حول له ولا قوة، يتجه إلى الطبقية الحتمية التي تجعله يظن أن الدولة تواجه طبقته هو فقط، تجعله يظن أن الدولة تريد أن تستفز المواطن ليطفح الكيل حتى يحصل على “بنطلون جينز” ثمنه 950 جنيهًا.

أنا أعلم جيدًا أن الله سبحانه وتعالى خلقنا طبقات ولا عيب في ذلك فكل مخلوق خلق لما قُدر له، ولكن ألا يعلم رواد الإعلانات أن تلك الكلمة “فقط” لا تتماشى مع ذلك المجتمع!

فإن الشباب ليس بقادر على تحمل مصاريف دراسته حتى تضع له إعلانًا يقول “شقة بـ 300 ألف فقط”، فإن الشاب لا يتحمل مصاريف ملابسه حتى تضع له لافتة تقول “950 جنية فقط”.

كذلك في كل شيء، فنحن لا نتحمل العيش في بلدنا حتى تأتي علينا برحلات خارجية بجانبها كلمة “فقط”.

هل مقاييسكم لكلمة فقط مقياس عالمي؟ بمعنى آخر؛ هل تجدون تلك الأشياء بأسعار أغلى من أسعاركم لذلك تستخدمون كلمة “فقط” للمنافسة؟ هل تعلمون أن المقياس حتى لو كان عالميًّا أو محليًّا لا يجب أن يكون على حسب مقاييسكم أنتم بل على حسب مقياس المجتمع!هل تعلم عزيزي التاجر أن الشاب والشائب لا يتحملون نفقتهم الخاصة ويجدون أسعارك ما زالت باهظة!

تلك الكلمة لا تغير الواقع، تلك الكلمة مجرد سحر إلهائي للمواطن حتى يعتقد أن هناك أشياء أغلى فهم يقدمون لك الخدمة المثالية، وأن يعتقد أيضًا أن هناك كثير من الناس يتعاملون مع ذلك التاجر أو ذلك الإعلان فأنت ربما الخاسر إذا ضيعت فرصتك بكلمة “فقط”.

عزيزي القارئ، لا تجرِ وراء كلمة “فقط” فإنه إلهاء نفسي لعينك حتى ترى الصورة بغير حقيقتها، تلك الحقيقة الكامنة في واقعنا أننا مهما رأينا تلك الكلمة لا نجد المال تحت الوسادة.

بل ربما نزداد دموعًا وحزنًا ونذهب إلى أولياء أمورنا نقول لهم، أنا أريد ذلك البنطلون الجينز، فإنه يساوي 950 جنيهًا فقط.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد