لا يكفي أن تحب .....

عندما بدأت الكتابة الحقيقية في مؤسسة النبأ تعلمت أن ما يشعرني بالمتعة ليس ضروريًا أن يسعد غيري؛ فقد عرفت أن هناك حقائق واقعيةً وحقائق مثاليةً؛ فالصحافة ليست يسيرة كما أظن، ومن يريد أن يحترف الصحافة عملًا لابد أن يعرف المزاج السائد بين الناس في البلد التي يكتب بها ولأهلها، إن مسألة العشق هنا ليست كافيةً؛ لأنه من الممكن أن تكون محبًا لبعض الموضوعات السياسية أو الأدبية، التي تبتعد عن الأذواق الشعبية، أو ربما يكون اختيارك لتحليل كتاب للأطفال جيدًا، لكنك فشلت في وضع العنوان؛ فإن العنوان لقب المحتوى واسمه وزينته، فإذا لم نحسن انتقاءه؛ فإننا نكون قد خسرنا خمسين بالمائة من الجمهور المتوقع.

لقد تغيرت تمامًا في أسلوب تفكيري من خلال عملي في جريدة النبأ؛ فقد اكتشفت بعد حوالي ثلاثة شهور من عملي هناك؛ أنني أكتب لنفسي فقط بعيدًا عن اهتمامات الناس، وقد اكتسبت من خلال حواراتي وتحقيقاتي الصحفية مع الناس بعض الخبرة في كيفية التقاط العنوان، وتوصلت إلى الإجابة عن سؤال كان يراودني دائمًا، وهو: ماذا يحب الناس أن أكتب؟

وكانت المفاجأة أن معظم الأشخاص يميلون إلى فرع وحيد كنت أميل له، ولا أشعر بشغف الناس به، وهو الموضوعات الغيبية وعلاقتها بالدين والفلسفة، وقد لاحظت أن كثيرًا من الأفراد في مصر، وعلى مستوى العالم مشدوهون بالحديث عن أسرار الروح والغيب؛ فالإنسان بطبيعته يميل للغموض والغرابة، فيسحره العالم الآخر خلف الأستار؛ وذلك لكونه لا يعرف كنهه فهل هو جميل أم قبيح، ولكنه يؤمن داخليًا؛ سواءً أكان حسنًا أم سيئًا؛ بأنه مختلف تمامًا عن الدنيا المادية التي يعيش فيها ويراها بوضوحٍ.

أحسست باطمئنان كبير؛ لأنني اهتديت أخيرًا إلى ما أميل إليه وما يجذب الناس، وكانت هذه بداية الطريق الصحفي الذي أدمنته؛ فإنه بمجرد أن أرى المانشيت الخاص بموضوعي على الغلاف كان قلبي يطير فرحًا؛ فلم أكن لأصدق يومًا أن يُكتب اسمي في إحدى الجرائد، فما بالي بكتابة مانشيت لأحد تقاريري أو تحقيقاتي، لقد كان فضلًا كبيرًا من الله عز وجل.

تلك هي الصحافة التحقيقية والتقريرية، فكيف يمكن أن تكون مقالات الرأي؟ إن كتّاب المقالات في مصر كانوا متميزين في الماضي، ولكن الكتّاب المصريين في الوقت الحالي أصبحوا أقل مهارةً وحرفيةً؛ إلا فيما ندر منهم، وربما يعود ذلك إلى أنهم في غمرة عملهم الصحفي؛ نسوا أو تناسوا أن يختبروا إرادة العامة ورغباتهم.

إذن فإن الولع بالإمساك بالقلم لسرد القصص والروايات لا يكفي، ولكن كيف نرضي غالبية الأذواق، ونحن متيمين بالشعر والأدب، فهل يمكن أن نكتب عن يوربيديس ( الكاتب اليوناني الواقعي )، أو يمكن أن نسطر بعض الأخبار والنبذات عن دكتور طه حسين رحمه الله، أم الأفضل من كل هذا أن نقوم بإجراء حوار مع كاتب جديد صاعد من أمثال ( أحمد مراد)، بالتأكيد سوف يلفت هذا المؤلف انتباه المتلقين؛ فهو صاحب رواية الفيل الأزرق؛ التي كانت مثار جدل الجماهير.

كل تلك الصراعات التي يمكن أن تكون داخل بعض الصحافيين الجدد المفتونين بمجال الفن والأدب؛ ليست بالشيء العجيب، لكن الصدمة التي يمكن أن تؤلمهم؛ أنهم سيتفاجئون بأن تلك الموضوعات لا تشغل سوى فئة المثقفين ومحبي القراءة، فلن يهتم القاريء المصري بشراء جريدة تحتوي على تحليلات عن كاتب يوناني؛ لأنه بكل بساطة لا يحمل الجنسية اليونانية، ولن يعكف أيضًا للاطلاع على أخبار الأديب طه حسين؛ لأنه بالتأكيد يفضل أن يشتري كتابًا كاملًا له، ولن يكون الجورنال هو المكان المناسب لتتبع قصصه، أما الحوار مع كاتب صاعد؛ فربما يستهويه ذلك إذا كان مباشرًا من خلال ندوة؛ حتى يتمكن من محاورة الكاتب وتوجيه الأسئلة إليه بشكل تفاعلي.

الامتحان الصعب للصحفيين هو الذوق الجمعي للجمهور، فما الذي يريدون سماعه؟ وما الذي يفضلون الحديث عنه؟

لا أعتقد أن هناك شخصية واحدة تكره الضحك والفرحة، ولهذا فإن كتابة النكت ورسم الأشكال الكاريكاتيرية بالتأكيد سيسعد الجميع، وكذلك أخبار الرياضة خاصةً لعبة كرة القدم؛ فإن غالبية الناس تنتظرها كل يوم، ولكن المشكلة جد لم تنتهي عند هذا الحد؛ لأن الناس تفضل أيضاً متابعة المصائب والحوادث اليومية، إنهم يتفاعلون ويندمجون مع الذين ينظرون إليهم، ويتابعون آلامهم ويتضامنون معهم بشكل مستمر، لا يحب الناس مَن يتحدث معهم من مكانٍ عالٍ، أو يتخاطب معهم بلغةٍ معقدةٍ، ورغم الصعوبات التي من الممكن أن تكتنف العمل الاستقصائي من مخاطر، ونزول الصحفي إلى منطقة الخطوط الحمراء إلا أن اختلاطه بالأحداث، وانغماسه في المشكلات يجعله قريبًا من الناس مما يجعله مُلمًّا بما يشغلهم، وبالتالي فإنه يستطيع أن يكتب عنهم وإليهم.

كان الدكتور مصطفى محمود يعيش وسط الناس، ويتواضع لهم، ويجالسهم في بيته، وفي المسجد الملحق ببيته، بل إنه لم يتردد يومًا في خدمة المساكين، والمحتاجين ماديًّا ومعنويًّا، ولقد ظل هذا العمل الخيري مستمرًا إلى وقتنا الحالي؛ حيث ما زال يتردد الأيتام والأرامل على جمعية مسجد مصطفى محمود؛ لتلقي الخدمات المالية والعلاجية.

كذلك كان الأديب نجيب محفوظ -رحمه الله- يسير كثيرًا على قدميه، ولا يملُّ أو يكلُّ، وكان يداوم على مقابلة البسطاء من العوام في القهوة بمنطقة الحسين ليستمع إليهم، ويناقشهم في كل شيء، ولم يتكبر يومًا في توجيه الأسئلة للسائقين، وأصحاب المحال التجارية عن أحوالهم المعيشية، وأفكارهم عن السياسة والفن؛ ولهذا اكتسب محفوظ قلوب الناس، واستطاع أن يكتب أروع القصص الواقعية التي كان يعيش داخلها بالفعل.

لقد كانت الجرائد والكتب المصرية ذاخرةً بالأسماء العظيمة؛ التي لا يتسع المجال لسردها بشكلٍ كاملٍ، لكن الحقيقة التي لا شك فيها؛ أن الحكمة في عشق الكتابة هي ما استحق الحياة مَن عاش لنفسه فقط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد