لم نكبر بعد، إذ كنا لا نعرف من الحياة إلا اللعب! عندما كانت أمي تضع على إحدى القنوات الفضائية التي تعرض لنا قراءة القرآن الكريم بصوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، وكنت أنا وشقيقتي الصغرى وشقيقي الأكبر نتمازح ونضحك، إلى أن أمرتنا بالصمت مستشهدة بقوله تعالى «وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ».

كنا نصمت فورًا وننصت وكأن على رؤوسنا الطير، ومن حينها ونحن لا نتحدث في حضرة تلاوة كتاب الله – عز وجل -.

 

وصلت إلى المرحلة المتوسطة وصار يتردد على مسامعي كثيرًا مقولة «الصمت حكمة» عندها أصبحت كلما رأيت إحدى صديقاتي أو أي إنسان يتحدث كثيرًا أسائل نفسي هل هذا الشخص بعيد عن الحكمة كونه يثرثر!

 

في المدرسة لم يكن ثمة تشجيع على النقاش، إذ كان الحوار وإفحام المعلمة بالأسئلة يعد خطأ كبيرًا! في الجامعة كان بعض أساتذتنا الأفاضل يحثوننا نحن طلاب الجامعة أن نسأل ونناقش ونتبادل الآراء! كانت صدمة للطالب العربي الذي تعود على التلقين أن يُتاح له أن يفتح فمه ويدلي برأيه بعد أن كان دلوه فارغًا.

 

ولكني صدقت تلك المقولة أحيانًا بالذات عندما تعثرت بتلك العاشقة التي لاذت بالصمت بعدما عبرّت بكل ما لديها من كلمات الهيام واستعانت بشعراء العشق والهوى علها تعبر لذلك المحبوب عما يختلج في نفسها، قالت: لم أكن لأصمت لولا استبداد هواه بي وشوقه الذي يعبث بقلبي ويجعلني أتصرف معه بتصرفات لا أحبذها. رغم أني فهمت غيرتي تلك واكتفيت بتفسيرها لنفسي، ولكنه لم يكن يفهم سبب غيرتي تلك ولم يكن قادرًا على احتواء حبي الكبير له، قلت أصمت ربما في الصمت شفاء لي مما ابتلاني به خالق الحب – سبحانه وتعالى. سمعتها وعذرتها.

 

ورأيت امرأة مات شقيقها ولم تنبس ببنت شفة!  ولم تدمع عينها، واكتفت بالصمت! ولكن هول الصدمة يبدو عليها والفاجعة كأنها كانت أكبر مما تحتمل فأخرستها في الوقت الذي كان يجب أن يحل به النواح والبكاء.

علمت أن الصمت أحيانًا قد يكون تعبيرًا على عدم الرضا عن أمرٍ ما، وقد يكون مساحة للبوح أكثر من أي كلام يقال، وهذا عادة يفهمه العاشق والحزين حزنًا جمًّا.

وأنا شخصيًا بت أفضل الصمت عندما أكون في مجلس بدأت فيه الغيبة وأكل لحوم الناس.

 

اليوم تمنيت أن تعود الأيام إلى الوراء بضعة أشهر لكي أقول لتلك التي تدعي أنها صديقتي وأفعالها تدل على أنها عدو لي أن أقول لها ما بنفسي أنتِ لستِ صديقتي! ولكني أعلم أن هذه الأمنية لن تعود، وأن الندم قد يفيد لأن هذا الموقف قد يتكرر عندها لن أترك ما بنفسي.

 

اليوم شمس الفساد والظلم ساطعة على العديد من الدول، بحيث إنه ما عاد يجدي نفعًا أن تكون صامتًا عن حقك أو عن النطق بالحق وقول الحقيقة.

اليوم جميعنا نمارس حقنا في الكلام، ولكن الكلام مختلف منه الذي لا يفيد ولا يأتي بخير، ومنه الذي لا يقل ضرورة عن أحاديثنا اليومية كتعبيرنا عن رغبتنا في الأكل والنوم وما شابه.

اليوم قد يكون صمتك أداة لاستبداد حاكمك أكثر، تذكرت هنا أحلام مستغانمي عندما قالت «يقضي الإنسان سنواته الأولى في تعلم النطق، وتقضي الأنظمة العربية بقية عمره في تعليمه الصمت!».

اليوم لا عذر لك والإنترنت بين يديك تصور طعامك وتعرضه على متابعيك وقد يكون منهم من لا يجد عشاء ليلة، لا عذر لك والإنترنت بين يديك تكتب عن الحب والأشواق وتعجز أن تكتب كلمة تشعر أهلنا في سوريا أو في فلسطين وغيرها مثلًا أنك معهم.

اليوم عليك أن تتحرر من صمتك لتقول للظالم أنت ظالم، وارفع صوتك عاليًا دون أن تخشى في الله لومة لائم.

اليوم كبرت وعلمت أن ليس كل صمتٍ حكمة!

فالصمت منه المهين ومنه ما هو عار.

– لا صمت في حضرة الظلم.

– لا صمت في حضرة الحرب.

– لا صمت في عصر الاستبداد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الحياة, العلم
عرض التعليقات
تحميل المزيد