يوم ذكرى رمز من الرموز التي سيسطرها التاريخ، عندما يُكتب بصدق، ويعطي كل ذي حق حقه، ذكرى أحد رواد الثورة، وضمير من ضمائرها.

ذلك الضمير الذي نحن في أشد الحاجة إليه اليوم بعد مرور خمس سنوات على الثورة المصرية، وثلاث سنوات على رحيله جسدًا، وليس روحًا وعلمًا وفكرًا.

في يوم 24 مارس 2013 أذن الله أن تفارق روح الدكتور محمد يسري سلامة دنيانا، مرتفعةً إلى السماء، مخلفةً وراءها سيرةً عطرةً، ومحبةً في قلوب مريديه، وبعض الكلمات التي هي بمثابة ضوء خافت في طريق الثورة.

محمد يسري سلامة، هكذا كان يحب أن يُنطَق اسمه كاملا بغير انتقاص. الشاب التيمي الثائر السلفي، عاشق المخطوطات، متتبع العلماء، الباحث عن الحكمة والحق وسط هذا الركام من الفساد.

مولدهُ ونشأته

ولد الدكتور محمد يسري سلامة في الثلاثاء 14 من شهر رمضان 1394 هجريا – الموافق 1 أكتوبر1974 ميلادياً –  في مدينة الأسكندرية .

نشأ في حي كفر عبده وسط أسرة مكونةً من أبيه الدكتور الفاضل، يسري سلامة ـ رحمه الله – الأستاذ بكلية الأداب جامعة الأسكندرية. وأمه الشاعرة السكندرية، عزيزة كاطو، وأخته الدكتورة رحاب يسري سلامة.

وكان متميزًا في نشأته, ذكيًا, تظهر فيه علامات النبوغ والتفوق، التحق بمدارس (EGC)

وأتم بها المرحلة الابتدائية والإعدادية، ثم انتقل إلى كلية النصر للبنين؛ ليتم فيها المرحلة الثانوية,  ثم التحق بكلية طب الأسنان؛ تلبية لرغبة والده رحمه الله.

نشأ في بيئة مُحبة ومقدرة للغة العربية والتراث العربي والإسلامي, بيئة لها ميول سياسية وثقافية جعلت منه مهتمًا باللغة والسياسة.

وكما كان ـ رحمه الله ـ يجمع أدوات العلم، كان أيضًا جامعًا لصفات الرجال، وشيمهم، فكان متواضعًا, شجاعًا, حييًا, وطنيًا, طالبًا للحق, وفيًّا, مرحًا, ناصحًا لإخوانه, صاحب فكر واستقلالية.

حياته العلمية

كان ـ رحمه الله ـ رجلًا أثريًا، يعشق كتب العلم والحديث والمخطوطات والأسانيد, فنال شهادة الدبلوم من معهد المخطوطات في القاهرة، وعمل في مكتبة الأسكندرية باحثًا ومترجمًا. وأنفق طائل ماله في السعي وراء تحقيق المخطوطات، حتى لُقب بعاشق المخطوطات.

وكان أيضا مجلًا للعربية وعلمائها، وعلى رأسهم الأستاذ محمود محمد شاكر رحمه الله.

وكان من القليل الذين عشقوا تراث ابن تيمية ـ رحمه الله ـ وفقهوه، بل تميزوا فيه، ودافعوا عنه.

وسافر لكثير من الدول؛ طلبًا للعلم والبحث عن المخطوطات، منها: الهند وباكستان وأسبانيا وأمريكا والمغرب وسوريا.

والتقى بكثير من علماء وشيوخ الأمة العربية والإسلامية، منهم شيخ العربية محمود محمد شاكر, والدكتور بشار عواد معروف «أستاذ ورئيس قسم التاريخ بكلية الآداب بجامعة بغداد», والعلامة المحدث أبو الحسن عبيد الله بن محمد بن عبد السلام المباركفوري.

وكان من تلامذة الشيخ الدكتور محمد إسماعيل المقدم، الذي استنهج سبيله، وركب طريقه، واقتدى به.

وأثنى عليه الشيخ شعيب الأرناؤوط, والعلامة عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله, والشيخ عبد المحسن العباد.

كتبه وتحقيقاته العلمية

حقق الدكتور محمد ـ رحمه الله ـ كتاب: «ثبوت النبوات عقلًا ونقلًا, والمعجزات والكرمات» لشيخ الإسلام ابن تيمية, «مجموع في أدب الجرح والتعديل وشروط كتابة التاريخ والتراجم», «مصادر في السيرة النبوية» و«مقدمة في تدوين السيرة», «رياض الأزهار في معاني الألفاظ الشرعية والأدعية والأذكار», «معجم ما طبع من مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية», «والقول النصيح لمن رد حديث الصحيح», وأخيرًا، تحقيق كتاب: «شاناق في السموم والترياق» للطبيب الهندي شاناق.

كما كان له أعمال أخرى ومشروعات علمية، لم تسعفه المنية من الانتهاء منها.

وكُتب عنه بعد مماته ـ رحمه الله ـ كتاب: «يوميات إجهاد الثورة» حيث يجمع أهم مقالاته وكتاباته المتناثرة. وكتاب: «ذكرى لن تغيب» للدكتور بهاء الفولي.

الثوار أنا منهم وهم مني

كان محمد يسري سلامة ـ رحمه الله ـ ثائرًا حقا في زمن قل فيه الثوار، وكانت فكرة الثورة قيمةً عليا،  ومرتكزًا من أهم مرتكزاته الفكرية والسياسية، بل يري أنها من أهم المرتكزات الدينية التي لابد أن تكون لدى كل مسلم غيور على الحق كارهً للظلم. حيث كان أيقونةً من أيقونات ثورة يناير والداعين لها، وأول من شارك فيها، وكان ناشطًا على المواقع والمنتديات من قبل ثورة يناير، حيث كان ممن وقعوا على المبادئ السبعة للتغيير، والتي دعا لها الدكتور البرادعي، ثم أصبح بعد الثورة  متحدثا رسميًا لحزب النور السلفي؛ «كونه أحد السلفيين القلائل الذين دعوا إلى النزول في ثورة 25 يناير»، ثم انفصل عنهم؛ للاختلاف حول طريقة التعامل مع الثورة، واختلاف مواقفهم، وكونه شخصيةً قياديةً، فأبى أن ينقاد  تحت أية رؤية مختلفة عن رؤيته للثورة والواقع.

ومن بعدها أسس حزب الدستور مع الدكتور البرادعي, انطلاقًا من أن فكرة الحزب في ذلك الوقت ضرورة وطنية، وليست اختيارًا، وذلك لتحقيق أهداف الثورة، وجمع الأطياف المتشرذمة من القوى الوطنية، وقوى الثورة، وجمع الشباب باختلاف توجاهتهم تحت راية واحدة، أهدافها معروفة، ولها برنامج واضح تحاول تحقيقه.

وكان من أهم ما يميزه سياسيًا أنه عصي على التمييز، فلا تستطيع تصنيفه على أساس حزبي، فكان ينتمي لكل ما هو ثوري، ويرفع راية الحق ورد المظالم.

وكان أسيرًا لسؤال واحد فقط: ماذا يريد الله مني الآن؟

فإذا استطاع تحديد الإجابة انطلق إليها حيثما كانت دون التقييد بآراء من حوله. ومن أشهر مواقفه السياسية التي جعلته يصطدم مع قطاع كبير من القوى السياسية في حكم المجلس العسكري: رفض الاستفتاء على التعديلات الدستورية في 19 مارس 2011، ومطالبته بإبعاد المجلس العسكري عن الحياة السياسية، وانتقادة للإسلاميين عموما؛ بسبب مواقفهم السياسية التي كان يراها ضد الثورة، بل وتساعد على إجهاضها.

وبسبب مواقفه الموالية للثورة المترفعة عن المصالح الشخصية تعرض لهجوم شرس في نفسه، وطعن في ديانته، وشنع عليه من مختلف الأطياف، ولكن دوما كان يرد على المنتقصين منه بجملة واحدة: «ألقاك بها يوم العرض، ألقاك بها بين يدي الله».

وفي اعتقادي أن الدكتور ـ رحمه الله ـ استطاع أن يكون علامةً فارقةً، ومميزةً داخل الحقل الإسلامي؛ حيث استطاع تقديم نموذج قل وجوده في العمل الإسلامي: نموذج الشاب الأصولي الملم بفقه السياسة الشرعية، مسقطًا إياه على واقعه الذي يحياه، ويواكبه لحظة بلحظة.

فأجتهد وحاول جمع الثوار بمختلف توجهاتهم حول مشروع موافق لمعطيات الواقع «مرتكزه الأعلى إنجاح الثورة وإنهاء الفساد». بحيث يكون ذلك المشروع غير مختلف مع الشريعة الإسلامية كما كان يشنع عليه البعض، فهو ـ رحمه الله ـ كان ذا نظرة ثاقبة تنظر لمآلات الأمور والمصالح والمفاسد التي ستترتب على ترك الثورة ليلتهمها المنتفعون، ومن ثم الثورة المضادة، فلم يكن أبدًا صاحب نظرة قاصرة، كما هو الحال في أغلب شخصيات التيار الإسلامي، والتي أضرت ممارستها القاصرة والسطحية بالثورة.

 

كما أن الدكتور ـ رحمه الله ـ قدم دليلًا عمليًا على أن إشكال الشباب الذين يطلقون على أنفسهم: علمانيين أوىليبرليين، ليس مع الدين نفسه، بل مع من يحتكرون الحق لأنفسهم، ودليل ذلك: التفاف الشباب حوله، وهو صاحب السمت السلفي والتدين الأصولي.

فحاطهم برعايته، واحتواهم، وتفهمهم، وحاول جاهدًا أن يصنع بهم مستقبلًا لهذه الأمة، وكان يقدر منهم من يراه نابغًا في أمر ما، ويناقشه ويساعده حتى يصل لمبتغاه.

هكذا قدم الدكتور محمد يسري سلامة ـ رحمه الله ـ نموذجًا لشخصية استطاعت الجمع  بين الدين والثورة، وبين الأصالة والمعاصرة.

واختتم حياته بتدوينتين على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» تدل على مدي الظلم الذي وقع على الرجل،  وصبره على الأذى وهما:

لن تسجوا جسدي على فراش الموت بالمجان، سآخذ بعض ما أشتهيه، وسآخذه الآن!

إن كان حظي في الحياة قليلها، فالصبر يا مولاي فيه رضاكَ.

هكذا رحل الدكتور محمد يسري سلامة عن واقعنا في ظرف غامض، مخلفًا وراءه تراثه العلمي والفكري؛ ليكون سراجًا يهتدي به الثوار، وطلبة العلم في طريقهم.

مخلفاً لنا سؤالًا لابد أن لا نمل من تذكير أنفسنا به: ماذا يريد الله مني الآن؟

فرحم الله الدكتور رحمة واسعة، وألهمنا الله الصبر على فراقه، وأعاننا على إكمال ما كان يتمناه للثورة المصرية.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد