لابد من الاعتراف بأن المسلمين اليوم يتعرضون في سائر العالم لأحداث مأساوية تجرح القلوب وتملؤها يأسًا وتحسرًا، كأن الانتماء إلى الإسلام جريمة شديدة لا تغتفر! فلا يجد المسلمون أي مناص من اقتلاع جذورها بأي طريق ممكن. وإذا كان أعداؤنا المتعرون عن نعمة العقل الحضاري والمتجردون من كل معاني الإنسانية يحاولون التصفية العرقية من غير رؤية عقلانية، وبدون تفكير فيما يؤول إليه من نتائج سلبية على المستوى العالمي لجميع المجتمعات البشرية التي تعم فيها كراهية جنس الإنسان من غير استثناء، فلا ريب أن ذلك يؤدي إلى خسائر إنسانية فادحة لا ترتق فتقها بسهولة، وقد شهد هذا التاريخ نماذج من هذا النوع في أمسه القريب والبعيد، ولقد تحدث الله سبحانه خالق الأكوان والإنسان عن هذا النموذج العجيب فقال: (لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ).

وكان خلق الله سبحانه وتعالى لهذه الكائنات بمثابة رابطة قوية لإيجاد الصلة بين الخلق والخالق، وإثارة العقل البشري للتفكير في تلك القوة الغالبة الباهرة الهائلة التي تدير هذا الكون وما فيه من آثار ذات إعجاب تحير العقول وتدهش النفوس، وقد جعل الله تعالى الإنسان أشرف خلقه في هذه الكائنات، وزودهم بالعقل الذي لم يُعط أحدًا من خلقه لينالوا به طريقة عيشهم على رضا الله سبحانه وتعالى، وتحقيقًا لهذا الغرض الأصيل العميق بعث الله سبحانه جماعات من الأنبياء والمرسلين من آدم إلى نوح عليهما الصلاة والسلام، كل في محيطه وقومه، ولكن أقوامهم تمردوا على دعوتهم ورفضوا تلك النصائح الغالية التي وُجّهت إليها لمعرفة الصلة الدائمة بين الخلق والخالق، وكمثال فقط (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ. إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ. إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ. فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ. قَالُوۤاْ: أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ. قَالَ: وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ. إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ. وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلْمُؤْمِنِينَ. إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ. قَالُواْ: لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمَرْجُومِينَ. قَالَ: رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ. فَٱفْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ. فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ. ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ ٱلْبَاقِينَ).

وإن هذه الفئة الكبيرة من الناس لم يستطيعوا أن يستخدموا هذا العقل الذي خلقه الله سبحانه وتعالى لمعرفته خالقًا لهذا الكون الهائل بجميع ما يحويه من ذخائر وثروات أرضية وسماوية وكنوز من الطاقات الظاهرة والباطنة استخدامًا صحيحًا؛ بل كانوا يحومون حول الظواهر المادية ولم يسبق إليها علم بالغاية الأصيلة المتوخاة من خلق الإنسان والكون والحياة، فلم يخطر ببال أحد منهم أن يفكروا في الحقائق الكونية وظواهر الآيات المتجلية في الأرض والسماء، والبحور والجبال وما فيها من طاقات أودعها الله سبحانه لكي يستغلها الناس في صالح أغراض الحياة، وتأخذ منها الموجودات الكونية كلها حظها مما يغذيها ويمهد لها الطريق نحو بناء مستقبلها.

هكذا شأن كل نبي وقومه، عدد قليل ممن اهتدوا إلى فطرتهم ولكن الأعم الأكثر لم يدركوا ما أريد لهم من خير كبير، فلم يرضوا بالخضوع أمام دعوة أنبيائهم، حتى انتهى أجل أولئك المتكابرين وغادروا إلى آخرتهم بأسوأ حال، كما كان مع قوم لوط عليه السلام، لما دعاهم إلى التقى والطاعة (قَالُواْ: لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يٰلُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُخْرَجِينَ)، فدمرهم الله تعالى وأهلكهم شر هلاك.

أما خاتم الرسل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقد اختاره الله تعالى شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ولم يبال بما واجهه من قومه من محن شديدة وبلايا عظيمة بلغت من فوق طاقة البشر إلى النهاية، ولكن الله سبحانه وتعالى أكرمه بالصبر على الأذى مهما بلغ إلى آخر المدى، وأحاطه برعاية السماء وصيانة كلمة التوحيد، فرافقه التوفيق الرباني وقوة الإيمان بالله، فأعلن مدويًا مجلجلًا وقال ما أمره به ربه (قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ. لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ. وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ. وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ. وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ. لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ).

ومنذ ذلك الإعلان الواضح الصريح، قد وجه أعضاء الكفر كل نوع من تخويفات وتهديدات، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم ظل يدعو الناس بكل شجاعة ومن غير خوف ولا روعة، وظل نطاق دين الله تعالى يتسع، وعدد المعتنقين بالإسلام والداخلين في كنف الله يتكاثرون يومًا فيومًا، حتى آذن الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى يثرب المدينة، وما هي إلا مدة قليلة إذ فتح الله سبحانه الطريق إلى نصره والفتح لدينه.

وبدأ الناس يدخلون في دين الله أفواجًا حتى انتشر المسلمون في أنحاء العالم، وفتحت مدارس العلم والحكمة في عواصم الخلافة الإسلامية، تخرج منها أجيال للدعوة إلى الله تعالى، وتعلم في تلك المدارس والمراكز العلمية رجال أتقنوا أنواعًا كثيرة من العلوم والمعارف في ضوء كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقدموا نماذج عالية من علماء الإسلام وحكماء العلم وقادة حكمة الدعوة، وهؤلاء الشخصيات الذين بهم يفتخر التاريخ الإسلامي يقدمهم نموذجًا أعلى في الحياة الإنسانية، وهؤلاء الشخصيات الذين سماهم الله تعالى بـ«أولي الألباب» (إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لَـاۤيَاتٍ لِّـأُوْلِى ٱلأَلْبَابِ. ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).

وهذا الجيل المثالي من أولي الألباب ممن أخرجهم الله تعالى إلى النور والإيمان وهم كانوا يعيشون في الظلمات، بعد ما مرت عليهم قرون من الوحشية ومن ظلام الجهل والبهيمية، في الحقيقة بدأت الإنسانية في عالم النور بعد طلوع شمس الإسلام الساطعة، فلولا الإسلام وتعاليمه وعلومه وآدابه وتعاليمه الخلقية والإنسانية لما كان في العالم البشري النائم علم وحضارة ولما عرف الإنسان معنى الترابط الاجتماعي والتواصل الحضاري، وذلك هو الإسلام الذي صنع الإنسان الكامل من دينه الكامل وأتم نعمته عليه.

لكن سرعان ما تناسى أولئك الذين أدانهم الإسلام من نعمته، ونهضوا بالدعوة إلى الحضارة وقاموا بالادعاء بأنهم أثاروا دفائن العلم والمعرفة، وتناسوا ما أسدى إليهم المسلمون العلماء والحكماء بتراث الإنسانية والمعارف المدنية، وزعموا أنفسهم من المبتكرين لكل ما وجد في العالم البشري من تطورات حضارية وعلمية، وبذلك حاولوا إسدال الستار على الحقائق التاريخية الصارخة، واتهام المسلمين بأنهم ليسوا إلا عالة على الغرب في جميع العلوم والصناعات والتقنيات، وأن الإسلام لم يعد صالحًا في عصر الحضارات والتطورات الإنسانية، الواقع الذي خلف تأثيرًا معاديًا على الحضارة الإسلامية، وصرف حتى أنظار المسلمين من جامعة الحضارة والمدنية التي ليست إلا جائزة ممن خلق العالم البشري وزينه بكل ما يساعده على القيادة العالمية رغم تغيرات الأوضاع وحداثة الآليات والمدنيات.

ولكن مجتمعات المسلمين تأثرت بهذه الدعايات الكاذبة التي انتشرت فيها أيامًا طويلة، وبدأ الانحطاط بكل مواصفاته ووسائله يطرأ على عقول أفراد المجتمع المسلم، وتوصل إلى ما دفعهم نحو مركب نقص نحو الإسلام وحضارته، وساد الظن في كثير من الأحيان على الأفكار الحية النشيطة بأن العالم المعاصر يملك من الوسائل والآلات ما يمنح المرء الجدارة بالعيش في كرامة وسعادة في كل زمان ومكان، وهكذا استطاعت روح التباعد عن الدين التدخل في حياة المسلمين ومجتمعاتهم وبلغوا من الضعف والتبعية بل العبودية والرق إلى آخر المدى، حيث بدأ يتحكم عليهم عبيد الأهواء والشهوات الذين يرون شريعة الإسلام عائقًا كبيرًا في طريق أنشطة غير شرعية وحريات غير إنسانية مما لا يمت إلى كرامة الإنسان بأي صلة.

وقد يدخل نوع من اليأس والجمود في صف هذه الأمة الواحدة وأفرادها الذين افترستهم الفرقة والانشقاق، الأمر الذي جعل صلتهم بدينهم ونظام شريعتهم ضعيفة، وحلت محل القيم الإيمانية والخلقية استهتارات وتفككات، وقلة المبالاة بالعمل بأوامر الدين وأحكام الشريعة، مما جعلهم مهانين أذلاء وضعفاء أشقياء على جميع المستويات، وما جرى ويجري في عدد من البلدان الإسلامية العريقة في تاريخ الإسلام من أوضاع شاذة وجرائم وحشية من خلال القائمين عليها وإتاحة الفرص منهم لذوي الأغراض الرخيصة لتدمير أهلها المسلمين وطرد أبنائها من ديارهم وأوطانهم، ومطاردة أهل العلم والتقى، كل ذلك مرّ ويمرّ بشيء كثير من الوقاحة والحيوانية الشرسة التي قلما يوجد لها نظير في تاريخ الإنسان المعاصر، وهي جريمة لا يغتفرها التاريخ البشري المستقبلي، وإنما يحتضنها للأجيال القادمة بصفحاته السوداء، عبرة للعالم أجمع، وحسرة على الأمة جمعاء.

هذه الأحداث التي لم تنته مسلسلاتها ضد الأمة المسلمة نذير خطر كبير على بقائها في مسيرتها الدعوية، وهي تنبيه لحملة الدعوة إلى الله ومعلمي الدين ومتعلميه أن يأخذوا بأساليب الحكمة والتوجيه، وفق هذه الظروف الخطيرة التي قامت فيها الأحزاب المناوئة كلها ضد هذا الدين المختار الدائم من عند الله تعالى لصالح الكون والإنسان والحياة، فيُعدون للعمل الإسلامي بطريق أفضل، ينسجم مع الطبائع المختلفة وذلك في ضوء قول الله سبحانه: (ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ).

ولا ريب فيما إذا كان الدعاة إلى الله ملتزمين بتمثيل النموذج العملي الإيجابي، وإثبات أن الإسلام هو الملجأ الأول والأخير للناس في كل زمان وللإنسانية بكاملها في كل مكان، لكانت هذه الحقائق الثابتة معروفة لدى الجماعات المعادية ومناوئي المسلمين، ولكن هولاء وأولئك رغمًا من ذلك، يبذلون جميع ما عندهم من الإمكانيات والطاقات للقضاء البات على دين الإسلام وتشويه تاريخه كيفما أمكن، ولولا أن استكانة المسلمين اليوم كانت معروفة لديهم لما تجرؤوا أن يتوصلوا إلى حد ما حدث ويحدث في بلد دون بلد وفي مدن وعواصم كبريات دول الإسلام العريقة، ومن بين هؤلاء من يتزيا بزي الإسلام ويشد عضد أعدائه مقابل دراهم معدودة أو مناصب مشئومة، إلا أن الواقع الذي لا يكاد ينكره من له أدنى إلمام بالمشاريع الخبيثة التي يمارسها الغرب والموالون له ضد حضارة الإسلام وأمة الإسلام المنبثة في جميع أنحاء العالم، والمحتلة المكانة الثانية في الإحصاء العالمي لسكان الكرة الأرضية، إنما يتزايد عدد المهتدين إلى الإسلام في الغرب بوجه خاص.

إنها حقائق تفرض علينا جميعًا أن ننتبه إلى هذه المخاطر المتحلقة على رؤوسنا، ونأخذ بالدفاع عنها ونعتمد على الدعوة إلى الله في كل حال وبحكمة مطلوبة وموعظة بليغة وبأسلوب الإقناع عمليًا وبالتفاعل مع الخصوم حتى ننجح في المعركة الدائرة بيننا وبينهم بمشيئة الله تعالى.

وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ، وعن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع، فأوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد حبشي، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة. (رواه أبو داود والترمذي).

وصلى الله تعالى على خير خلقه محمد وعلى آله وصحبه وبارك وسلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد