لا شك أنَّ المسؤولية المجتمعية ليست حكرًا على أحد، ولكنها منوطة بنا جميعًا، فعلينا جميعًا أن نربي أبناءنا التربية السليمة، وأن نعزز في نفوسهم منذ الصغر مبادئ المجتمع القويمة وقيمه الأصيلة، وأن نغرس فيهم قيم الانتماء والولاء وحب المجتمع واحترام جميع أبنائه وبذل الجهود لخدمته بما يساهم في النهاية في تخريج جيل فاهم واع ومسؤول، جيل قادر على تطوير المجتمع ودعمه وتنميته والمحافظة على رخائه واستقراره. ولاشك أنَّ ذوي الاحتياجات الخاصة، والذين يسميهم البعض بأصحاب الإعاقة هم جزء أصيل لا يتجزأ من المجتمع، وهم شريحة مهمة جدًا من جميع المجتمعات، وعلينا جميعًا واجب ومسؤولية عظيمة تجاههم.

وهنا نشير لأهمية تكاتف جميع مؤسسات المجتمع المدني وضرورة تضافر جهودهم المختلفة في رعاية ودعم هذه الفئة المهمة في المجتمع؛ لأنهم بكل بساطة يحتاجون إلى كل رعاية واهتمام وتقدير منا جميعًا. ومن الخطأ بمكان عزل هذه الفئة أو النظر إليها على أنها فئة درجة ثانية أو ما شابه ذلك، فهذا خطأ كبير يجب ألا نقع فيه، ويحتاج ذوو الاحتياجات الخاصة لدمجهم في المجتمع والحياة العامة عدم التمييز بينهم وبين غيرهم من الأفراد العاديين، وهذا بلاشك سيفجر داخلهم الطاقات المختلفة والقدرات المكبوتة، ويجعلهم فئة منتجة وفعالة تسهم في بناء وتنمية المجتمع وتطويره وتعزز من إمكاناته في شتى نواحي الحياة.

وهذا كله سيدفع مسيرة التقدم الإنساني والحضاري. وانطلاقًا من هذه الحقيقة فقد عززت العديد من المؤسسات والهيئات المجتمعية جهودها من أجل التعامل مع هذه الفئة والشريحة المهمة بالمجتمع وقامت بتقديم الخدمات والإرشادات اللازمة لهم ليكونوا قادرين على الاعتماد على أنفسهم، وخوض معترك الحياة بدافعية وحماس أكبر، وكذلك توفير الفرص الكفيلة لتحسين مستوى حياتهم ومستقبلهم، وتحقيق الاستقلالية لأنفسهم والاعتماد على ذواتهم دون الاستعانة بأحد، وكذلك إزالة العراقيل والصعاب التي تعترض طريقهم للوصول إلى مستوى حياة أفضل.

هذا وتولي الدول المتقدمة في مختلف أنحاء العالم اهتمامًا كبيرًا بذوي الاحتياجات الخاصة، وذلك لإيمانهم الراسخ بأن الفرد المعاق قادر على تحدي الإعاقة وتحقيق الإنجازات والإبداعات كغيره تمامًا من الأفراد العاديين بالمجتمع، بل إنه قادر في بعض الأحيان على تحقيق ما لم يستطع أن يحققه الأفراد العاديون في المجتمع من إنجازات وبطولات في شتى مجالات الحياة، وهناك من الأمثلة الدالة والمؤكدة لذلك الكثير والكثير.

ونشير هنا على سبيل الذكر فقط لا الحصر إلى بعض الإنجازات الفريدة التي حققها أشخاص معاقون ولديهم تحديات متباينة، فهذا لويس برايل الذي فقد بصره؛ فاخترع لغة لفاقدي البصر، وكذلك هيلين كلير التي فقدت سمعها وبصرها، ومع ذلك حازت على شهادة الدكتوراه في العلوم والفلسفة وذاع صيتها في كل مكان، وكذلك ستيفن هوكينج عانى من الشلل وعدم القدرة على النطق، لكنه عالم في علم الفيزياء، وهذا عبد العزيز بن باز الذي فقد بصره، ومع ذلك أنار بصيرة أمة، وغيرهم الكثير والكثير.

ولذلك فلم يعد المجتمع ينظر إلى هذه الفئة من منظور إنساني وتربوي واجتماعي فقط؛ ولكن أصبح ينظر لهذه الفئة من منظور أن المعاق إنسان قادر ولديه إمكانات بمستوى السليم، وإتاحة الفرصة له يمكن أن تجعل منه إنسانًا ناجحًا وقادرًا على منافسة الأصحاء في كافة المجالات. وصدق من قال: ليس المعاق الذي شلت جوارحه ولا الذي قدرا أهدته أسقام، بل المعاق الذي شانت فعائله، فلن يضير إذا في الجسم إيلام. وأخيرًا علينا جميعًا أن نعرف أنه بقدر مسؤوليتنا المجتمعية تكون بصمتنا الحقيقة في الحياة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد