عندما تشتبك أحداث هي في الأصل دورية واعتيادية بشكل ما، ثم تتقاطع مع ظروف مكانية وزمانية معينة قد يتمخض الأمر عن مشهد على درجة عالية من السخرية يفوق أي مشهد كوميدي مرتب له فيما يعرف في عالم الكوميديا بـ”النكتة المثالية”.

مزحة بسيطة استعصت على فهم أحدهم، فلم يدعها تمر وأضاف إليها القليل من الحبكة حتى تكون مفهومة له، ثم أعاد نشرها لتعطي معنىً مغايرًا لما بدأت به؛ فتكتسب صفة شخصية، ثم يعاد نشرها لتكتسب صفة فئوية، ثم أعيد نشرها لتعطي دلالات أيديولوجية، ثم قومية وهكذا.

هذا ما حدث تمامًا عندما أطلقت مزحة على موقع فيسبوك نشرت فيها رابط صفحة مارك زوكربرج (مؤسس فيسبوك) ودعوت فيها الجميع لعمل “ريبورتات” لغلق الصفحة إثر تصريحات مارك الشهيرة بخصوص عدم ممانعته لوجود أي محتوى ينطلي على إهانة للنبي (صلى الله عليه وسلم).

والهدف كان التهكم على تلك الدعوات عمومًا وهذا الأسلوب الساذج في التعاطي مع أي فكرة معارضة، سواء من طرف مسلمين متشديين أو غيرهم فهذا النمط من الدعوات موجود في كل الأيديولوجيات.

فبغض النظر عن سذاجة فكرة “غلق صفحات فيسبوك” لأنني ممن يعتقدون أن الفكر لا يقمع إلا بالفكر، وبغض النظر عن أنه يندر وجود من لا يعلم أن مارك هو مؤسس فيسبوك إلا تلك المزحة استطالت في السخرية بشكل دائري إلى حد تصور البعض أنها دعوة حقيقية.

فنشرها أحدهم في إحدى المجموعات الساخرة على سبيل التهكم على شخصي الضعيف وضحالة فكري وجهلي المدقع، ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد من التهكم بشكل شخصي، حيث نشرتها بعض المجموعات الخاصة بالملحدين لينتقل التهكم من مستوى شخصي إلى مستوى عقدي؛ فتم ربط “غباء الفكرة” بكوني من المؤمنين الجهلاء، وأن الإيمان ذاته هو مصدر هذا الغباء.

ثم نشرتها بعض المواقع “الأخرى” لتصف مدى بشاعة وسطحية فكر “الإخوان المسلمين!” في التعاطي مع تلك الأمور وتأليب الرأي العام العالمي على مصر والمصريين، وأن تلك الآراء لا يمكن أن تمثل شعب مصر العظيم المتفتح المستنير، وإنما تمثل الفكر الإرهابي لجماعة الإخوان الإرهابية!

ثم تناولتها بعض المواقع العلمانية لتعكس مدى التأثير السلبي للمسلمين المتشددين المتعطشين لكبح الحريات وقمع الفكر، ثم إلى مواقع ساخرة خليجية ولبنانية لتعكس تخلف المصريين وتواضع ثقافتهم.
وأخيرًا عرضتها إحدى المجموعات الساخرة الأجنبية كمادة للسخرية على التخلف العربي عمومًا والمسلمين خصوصًا!

جسدت تلك التجربة دورة حياة كاملة للشائعة التي نبتت كفكرة، ثم مزحة، ثم سخرية، ثم شائعة، ثم سلاح في معركة فكرية، ثم مادة إعلامية لتشويه القومية العربية والإسلامية كلها!

 

لن تتوقف مثل تلك النكات المثالية الساخرة، ولن يضطر الجميع للتوضيح للجميع أنها كانت مجرد مزحة لا شأن لها بالحقيقة، ولن يخلو العالم من العاجزين عن التمييز بين الهزل والجد، ولن يعدم الكون من يأدلجون كل الأمور لأغراضهم الشخصية.

فبرغم كل الرسائل التي انهالت عليّ من مجهولين، فذلك يسبني، وذلك يسخر مني، وذلك يسألني عن قصدي، وآخر يسألني عن الجماعة الإرهابية التي أنتمي إليها، وذاك يشفق عليّ من جهلي فيخبريني بحنان الأخ الناصح أن مارك هو صاحب فيسبوك، ولا يمكن إغلاق صفحته، وأخير ينصحني لوجه الله أن هذه ليست هي الطريقة المثلى لإسكات الكفر بل الجهاد والقتال في سبيل الله.

 

أغمض عينيّ قليلاً وأتفكر في أحد الممثلين الذين نعتوا بالمثلية الجنسية وأخرى زوجت وطلقت وآخر سرق كذا وفعل كذا وكذا، ثم أتفكر يا الله، أيكون كل ذلك كذب؟ ثم أفتح عينيّ وأتنفس الصعداء وأحمد الله تعالى واستكمل قراءتي لتعليقات القراء على منشوري في المجموعات وسخريتهم وأنا أتناول قدرًا كبيرًا من الفشار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد