دائما ما حاول الاحتلال الإسرائيلي وضع الحواجز  بين الفلسطينين في جميع أماكن تواجدهم، حيث يقوم الاحتلال بقطع الروابط الاجتماعية كما السياسية والاقتصادية بين أبناء الشعب الفلسطيني، وهو ما جعل الفلسطينيين يشعرون غالبًا بالضياع نحو فهم ظروف كل منطقة قد تم استئصالها عن الجسد الفلسطيني، وهو ما عزز لديهم قناعة أن أي فرصة لتعزيز هذه الروابط النفسية، يجب أن يأخذوها بنوع من الجدّية؛ للعمل الدؤوب نحو استرجاع ما حاول الاحتلال تمزيقه. 

ظهرت فكرة مشروع شباب من أجل التغيير، والذي يُنظمه مركز دراسات التنمية في جامعة بيرزيت ليحقق نجاحات واسعة وملموسة، في مجال تعزيز العامل الوحدوي لمجموعة من الشباب الفلسطيني، الذين شاركوا في بناء جسر تواصل حقيقي بين الفلسطينيين في أماكن تواجدهم؛ ليخرجوا بفعاليات غير تقليدية، هدفها مقارعة الاحتلال وكسر الشرذمة ووضع بوادر لجسور بين المناطق الفلسطينية.

 بدأ المشروع بمشاركة ما يقارب من 50 فتاةً وشابًا فلسطينيًا في مناطق فلسطين التاريخية، ليبدؤوا نشاطاتهم الثقافية بالتركيز على مفهوم الهوية؛ من خلال استحضار الذاكرة الفلسطينية الجمعية، فالمشاركون رأوا أن أهم ما يميز صلتهم ببعضهم هو ذاكرتهم الجمعية، فبالرجوع للوراء واستحضار الذاكرة؛ وجد المشاركين أنهم يتشاركون نفس المعاناة، لكن كل شخص على حسب التقسيم الجغرافي الذي فرضه واقع الاحتلال. الحاجز النفسي لطالما كان حاضرًا بين صفوف المشاركين بالمشروع بالبداية؛ لكن سرعان ما تلاشى ذلك، وسرعان ما أصبحت المجموعة التي تتواصل بين بعضها البعض على تقنية (الفيديو كونفرانس) تجد الروابط المشتركة بينها، حتى كانت الهوية الجامعة بينهم هي فلسطينيتهم المشتركة.

قام المشاركون بالمشروع بعدة نشاطات لتعزيز الذاكرة الجمعية، وأول ما قاموا به هو نشاط يعرف ببسطة القهوة، وهو نشاط يهدف إلى توزيع القهوة مجانًا في عدد من الجامعات الفلسطينية، في كل من غزة والضفة؛ إلى جانب توزيعها في شوارع المدن الفلسطينية العريقة بالداخل المحتل، ومن خلال التعريف عن المشروع وإعطاء الوافدين لبروشورات تبين لهم المدن والبلدات الفلسطينية التاريخية، كما تُبين لهم آلية عمل المشروع، وكيف يعمل في الثلاث مناطق بشكل متزامن، وهو ما أضفى نوعًا من الحميمية بين أوساط المشاركين، إلى جانب ذلك قام المشاركون بتنظيم لمات شبابية تهدف للحديث بين الشباب بشكل ودي عن الذاكرة الفلسطينية ومفهوم الهوية، بالإضافة لتنظيم أيام دراسية في لقاءات مشتركة وإحضار الضيوف من كل المناطق الثلاث، بالإضافة لمتحدثين من الشتات الفلسطيني، كما شاركوا المزارعين في القرى البعيدة والنائية، في يوم الأرض، وخصوصًا الذين يقعون تحت المنطقة C الذين يعانون من الاحتكاك المباشر مع الاحتلال؛ فكثيرًا ما تتعرض أراضيهم للتجريف، واستمر المشاركون بدعم العمال المزارعين في يوم العمال، حيث قاموا بتنظيم فعالية مشتركة متزامنة في قرية طمون بالضفة الغربية وفي منطقة المواصي بمدينة خانيونس بقطاع غزة، وهذا العمل برمزيته يؤكد الارتباط الوثيق لدى الفلسطيني بأرضه، ويعزز فكرة أن الذاكرة والهوية الفلسطينية تستمد علاقتها أولًا وأخيرًا من الأرض.

ما يقوم به المشاركون بالمشروع، إلى جانب تواصل الشباب الفلسطيني بعضه مع بعض، في جميع أماكن تواجده، ومحاولة الفلسطينيين دائمًا خلق البدائل، واستقطاب أية فرصة تحاول أن تجمعهم بعضهم ببعض، هو الضامن الأساسي، على أن الفلسطينيين سيبقون شعبًا واحدًا أصيلًا، ومهما حاول الاحتلال من فرض وقائع من فصل اجتماعي ونفسي، بسياسة الابرتهايد، لن يستطيع شطب الجذور الوثيقة لدى الفلسطينيين بذاكرتهم الجمعية، والتي تتعلق تعلقًا جذريًا ومصيريًا بجذورهم التاريخية ككل واحد بعيدًا عن محاولات شرذمة هويتهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد