قد يبدو هذا العنوان صادمًا ومستفزًا للوهلة الأولى، لكنّه في الحقيقة يلخّص بشكل كبير أحد أوجه الأزمة المفاهيمية التي يعاني منها الفكر البشري، والأزمة القيمية التي اختلّ نتيجة لها الفعل البشري، حتى تغبشت الرؤية واختلط الحابل بالنابل، الغاية بالوسيلة، والسلوك المرحلي بالسلوك الغائي.

تعود أصول مفهوم التسامح إلى الفلسفة الغربية وترسخ استخدامه أكثر بعد فلاسفة من أبرزهم فولتير صاحب «رسالة في التّسامح» التي ذكّر فيها بتاريخ العنف المسيحي وبضرورة التسامح كقيمة تتجاوز بها أوروبا الوبيئة بتعبيره تبعات التعصّب والانغلاق الديني، وتمت ترجمته في عصر النّهضة العربية بالتّساهل بدايةً ثم استقرّ الاختيار على مصطلح التّسامح، ومن الواضح وجود تقارب دلالي بين المصطلحين فالتّساهل وجه من أوجه التّسامح لا شكّ. واصطلاحًا يعني العفو عند المقدرة والتحمّل عند الكره. أو بطريقة أخرى «وهذا بتعبيري»، التفضّل بعدم إقصاء وإلغاء كل ما هو مخالف أو مختلف جودًا وكرمًا.

في الغرب، أدرك كثير من المفكرين والفلاسفة أن التسامح بهذا المعنى لا يمكن أن تقوم عليه المجتمعات المتحضّرة والمتمدّنة التي تحترم التعدديّة والمساواة وتحارب الإقصاء والتعصّب. ففي كتاب للفيلسوف التفكيكي الكبير «جاك دريدا» تحت عنوان «المصالحة والتسامح، وسياسات الذاكرة»، يخلص فيه إلى أن التسامح مفهوم ذو طابع ديني في أصوله الأولى، وتناوله من خلال تحذيرات منهجية من قبيل أنّ المفهوم زاد غموضًا في الخطاب السّياسي، ونحن نعرف جيدًا اليوم مقصدية هذا التحذير، وأشار إلى أنّ غموضه يأتي كذلك من مفاهيم مجاورة له تتخذ نفس الدّلالة. كالعفو والتّساهل والصّفح… مستخلصًا أنه لا يزال مفهومًا تشوبه شائبة المنّة والإحسان.

أيضا، قول «ميرابو» أحد أشهر خطباء الثورة الفرنسية: «أنّ الحرية الدينية التّي لا سقف لها أبدًا هي في الواقع حق مقدّس إلى حدّ أن التّعبير عنه بكلمة «تسامح» يبدو في ذاته ضربًا من ضروب الاستبداد. فالسّلطة التي تتسامح قد لا تتسامح أيضًا». وهو ما ردّده «توماس بين» بقوله: «ليس التسامح مضادًا للّاتسامح بل هو تزييف وتقنيع له، فكلاهما ضرب من الاستبداد. فأوّلهما يعطى نفسه حق منح حريّة الضمير، والثّاني يُخوّل لنفسه حقّ حجبها».

أما «برات» فقد طور مقولة إسبينوزا الشهيرة: «ما لا يمكن منعه يجب السّماح به» بالقول: «أن كلمة التّسامح لا تعبّر أبدًا عن الاحترام الذي يجب أن يشمل الآراء التي لا تتفق معه، ذلك لأنّنا نتسامح مع ما لا نقدر على منعه. والّذي يتسامح ما دام ضعيفًا يُحتمل جدًّا أن ينقلب إلى لا متسامح عندما يزداد قوة».

فالتسامح هكذا يعنى الاستعداد لاتخاذ الموقف المتسامح. وهو لا يمكن أن يعد فضيلة أو قيمة إلا عندما يمكن للمرء ألا يكون متسامحًا، فهو قريب من مفهوم العفو والصفح كما ذكرنا آنفا. فليس في استطاعتنا أن نتحدث عن موقف متسامح في حال شخص يضطر، وهو مضطهد وفي موقف الضعيف أن يتحمّل الآخرين. لذلك فالمتسامح هو من في موقف القوّة والغلبة، سواء كان في السلطة أو ممثلًّا للأغلبية (السياسية أو الدينية أو العرقية)، وهكذا يرتبط التسامح بالسلطة والقوة والبأس أساسًا، وكل حـديث عن التّسامح بمعنى قبول الآخرين في اختلافهم سواء في الدّين، العرق أو السياسة. أو عدم منع الآخرين من أن يكونوا آخرين أو إكراههم على التّخلي عن آخريتهم Otherness إنّما يعنى به في المقام الأول «التسامح» بمعنى التساهل.

فالتسامح بهذا المعنى المتقدّم، والذي يتلازم النّقاش حوله مع فترات الأزمة وسيادة التعصب والعنف وثقافة الإكراه والإقصاء… لا يمكن إلا أن يكون جسرًا للعبور فقط، ومرحلة قصيرة نتجاوز بها حالة التناحر والاقتتال إلى فضاء أكثر رحابة واستيعابًا للجميع ويتّسم بسيادة العيش المشترك والاعتراف بالآخر بكل ما يتميز به وتقديره «بتعبير غوثيه» وإلّا فإنّنا سنستمر في مسار لا يحترم الآخر بل يهينه باسم التّسامح الذي لا يتعدّى أن يكون في نهاية الأمر سوى تقنيع وتزيين للواجهة الوحشية للانغلاقية والتعصب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد