التسامح في كل بلاد وثقافات العالم هو إحدى الفضائل التي يقوم عليها المجتمع، التسامح وقبول الغير هما وجهان لعملة واحدة، وهما مرتبطان ببعضهما ارتباطـًا شرطيًّا، فإذا اختفى الآخر فلن يكون هناك حاجة للتسامح.

 

لقد قام الإسلام منذ نشأته على مبدأ التسامح مع المتسامح والشدة مع غير المتسامح، وهذا يجيب على أسئلة كثيرة منها كيف يدعو دين للتسامح ويقتل أو ينتشر بالسيف، وأنا لست ضد مقولة أن الإسلام انتشر بالسيف، ولكن ليس السيف وحده، فقد كانت الدعوة الإسلامية في أوج مجدها في عهد الخلفاء الراشدين والعصر الأموي، وأنا لست بصدد التحدث عن هذا وربما نفرد له مقالة في الفترة المقبلة، الخلاصة مما سبق أن التسامح محدد بقبول الطرف الأخر بالتسامح كخيار مزدوج بين الطرفين، عقدٌ لم يوقعه الطرفان على قبول بعضهما بما يحوونه من عيوب.

 

الفلاسفة الأوربيون لم يشرعوا في وضع تعريف للتسامح إلا بعد سقوط النظام الثيوقراطي وصعود النظام العلماني، وقد ربطوا بينه وبين الغير بصورة مباشرة، لقد وضع الفيلسوف الإنجليزي شافتسبري تعريفـًا للتسامح بأنه هو ضمان حرية العقيدة بحيث إنه بإمكان أي شخص الانضمام لأي دين أو ملة دون تبعية للكنيسة.

 

التسامح ليس فقط في المعتقد ولكن أيضًا في حرية الرأي والتعبير، وفيما يلي استعراض بسيط لخاصية التسامح المصري :

 

1- أنت حر ما لم تتعارض مبادئك مع مبادئي.

 

2- مقياس الصواب والخطأ مرتبط بقوتك، أنت الأقوى فانت الأصح.

 

3- مقياس الصواب والخطأ مرتبط بمن يتبعونك، لديك الأتباع الأكثر إذا فأنت الأقوى وأنت والصواب.

 

وعلى نفس المنوال يسير تقبل الغير، بالنظر لحدث جديد على المجتمع مثل وجود مُلحدين به مثلاً، فبدلاً من التعامل معهم بذكاء حتى لا نفتح الباب أمام غيرهم للدخول فيه، نواجههم بقوة المجتمع، وقوة المجتمع تتمثل في العزل والتخويف، فلا تُذكر كلمة إلحاد إلا ومقرونة بحدّه في الإسلام، وكذلك مع الإخوان.

 

إن المجتمع المصري منغلق بحيث إنه لا يسمح بحدوث تغيير، ولا يقبل الأنماط المجتمعية الجديدة التي تريد الانضمام إليه بفعل التغييرات المجتمعية في الثقافات والمجتمعات الأخرى، المجتمع المصري ينبغي أن يعلم أن التنوع هو جزء من أي مجتمع وينبغي عليه أن يقبل ذلك حتى ولو خالف ذلك مجموعة من عاداته وتقاليده.

 

يضع المجتمع المصري من خلال منظومة الإعلام قواعد بناء المجتمع التي إن أردت الخروج عنها فأنت لست منهم، وما حدث خلال 25 يناير من طلب قتل وإعدام من شاركوا ويشاركون في هذه “المؤامرة” وما حدث بعد 30 يونيو من طلب بقتل وإعدام الإخوان، لمثالان كافيان.

 

والتسامح الديني في مصر هو أضحوكة بشتى المقاييس، دعونا نتفق مبدئيًّا على أن الإسلام والمسيحية لا يتفقان كثيرًا في العقيدة، فاختلاف الوجود الترنسندنتالي للإله في كلتا العقيدتين لهو كافٍ لإثبات صحة ذلك.

 

أما عن التشريع فهما متفقان شأنهما شأن كثير من الديانات السماوية الأخرى والوضعية أيضًا، بل وأيضًا مع القواعد الإنسانية، فلا يوجد شخص أو دين يستبيح القتل والسرقة مثلاً، إلا أنه مع كل حادثة بين مسلمين ومسيحين في مصر تظهر علينا شاشات الإعلام لتأكد لنا على أن الإسلام والمسيحية شيء واحد.

 

وكأنه لو كانا مختلفين لكان ما حدث منطقيًّا وطبيعيًّا، فيرى الشخص في الإعلام أن الدينين مختلفان ويرى في المسجد أو الكنيسة أنهما مختلفان وكليًّا، ولأن منظومة العدالة الاجتماعية غائبة فصار رأي المجتمع قانون وعاداته تشريع.

 

من ضمن ما ينقص المجتمع المصري ” ثقافة الاختلاف وتقبل الغير ” يمكننا أن نعيش معًا ونحن على ديانتين مختلفتين، ونحمل أفكارًا مختلفة واتجاهات مختلفة، ولا داعي ليُثبت كل منا وجهة نظره للآخر، ولا داعي لتكون الفئة الأصح هي المسيطرة، لا داعي لحالة الشحن ضد نموذج معين أو ضد توجه أو دين معين.

 

الحروب المجتمعية هي حروب فكر وقلم، كل ما عليك فعله هو أن تعرض حجتك بالبراهين، ليس عليك أن ترفض الطرف الأخر أو تنبذه، فهذا لن يزيد وجهة نظرك قوة، وليس عليك أن تصير إلهًا لتحكم بأن الجنة في صف من سيتبع وجهة نظرك، والنار هي عقوبة رافضيك.

 

كونوا مختلفين ولكن عيشوا سويًّا في مجتمع واحد بلا مشاكل، وهذه إحدى سمات المجتمعات المعقدة التي تسعى دائمًا للتغيير، وغالبًا ما يكون هذا التغير للأفضل.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد