رن الهاتف رنتين خفيفتين، إنها رسالة جديدة، ظنت أنها من شركة الاتصالات التي ترسل كل يوم عشرات الرسائل لعروضها فأجلت قراءة الرسالة وتابعت عملها.

بعد يومين رن الهاتف رنتين خفيفتين مجددًا ينذر بوصول رسالة جديدة، ألقت نظرة على المرسل، إنه رقم مجهول، فتحت الرسالة لتقرأ: العين تدمع والقلب حزين لفراقك يا محمد… علت وجهها علامات الحزن، ثم فجأة سالت من عينيها دموع ألم فضيع، وكان قلبها ينزف دما مع كل دمعة.

عادت لتبحث في صندوق الرسائل  فتذكرت رسائلا وصلتها لم تجب عنها وأخرى لم تقرأها، الله يخليك اتصلي بي ضروري من فضلك.

هي تعلم أنها لم تكن ستحول دون موته، لكنها تبكي بحرقة لأنها تأخرت عن زيارته، لابد أنه انتظر طلتها، سؤالها عنه، ابتسامتها  كلمة أو تشجيعا منها، لطالما كانت تؤنسه بوجودها، لكنها كانت تؤجل ذلك كل يوم، حتى فات الأوان…

لا يهم في الحقيقة إن كان والدها، أو أخاها، أو طفلا، أو مريضا، لم تكن لها أية علاقة قرابة به، المهم أنه كان ينتظرها.

الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، وها هو الزمن يقطع قلبها الحزين مجددا.

نعم، مجددا؛ لأنها ليست أول مرة يغدرها الزمن، وهي تعلم أنها لن تكون الأخيرة.

تذكرت كم كلمة أجلت، تذكرت عدد الزيارات التي كانت تنوي القيام بها وعدد الاتصالات التي كانت تود أن تجريها، تذكرت عدد الرسائل التي كانت تريد أن ترسلها وعدد الرسائل التي كانت تريد أن تجيب عنها.

تذكرت كم حلما لا يزال واقفا عند جدار الانتظار! وكم فكرة لا تزال حبيسة خيال! وكم اعترافًا بات تحت أنقاض الزمن! كم شكر! وكم اعتذار! وتذكرت تلك الفرص التي ضاعت فقط لأنها تأخرت في اتخاذ قرار.

كم صلاة أجلت وكم دعاء! كم توبة وكم استغفار!

هي اليوم تعلم فظاعة ذلك الإحساس، إحساس بأن الأوان قد فات، وبأن الأقدار قد قالت كلمتها بعد أن أعطتها فرصا للاستدراك، فكانت تتجاهلها بحجة ضيق الوقت أو التعب حينا، وأحيانا أخرى بحجة الخجل أو الخوف من المجهول، وأحيانا كثيرة بسبب الكسل والتسويف غير المبرر.

الأيام تمضي سريعا، تطوي بعضها البعض طيا، وفجأة ننتبه أن كل ما كان بين أيدينا سحب، نستشعر حينها أنه حقا كان بين أيدينا وفي متناولنا، لكنه ما عاد كذلك.

ترى؟ كم مرة انتبهنا إلى أولئك الواقفين في الجهة المقابلة لتأخرنا؟ أولئك الذين ينتظروننا عند نهاية الطريق.

من كان يا ترى ينتظر تلك الكلمة الطيبة التي كنت تؤجلها كل يوم؟ أهي أمك؟ زوجتك؟ لربما كانت لتغير مصير شخص أو أسرة بأكملها، ترى من كان ينتظر اتصالك بفارغ الصبر ودفن حيا تحت غبار الوحدة القاتلة؟ أهو والدك؟ جدك؟ أم صديق؟

ترى من كان ينتظر عناقا حارا منك؟ أهو ابنك؟ أخوك؟ أم جارك الذي كان بحاجة لوقوفك بجانبه في أشد أزماته النفسية؟

من ذا الذي كان ينتظر اعتذارك بعد خلاف؟ أهو خالك؟ عمك؟ ربما كان يشتاق إليك ويريد عودة المياه لمجاريها من جديد؟

لماذا لا ننتبه حتى نذوق ألم الفراق؟ لماذا نحب أن يذكرنا الموت بواجباتنا اتجاه بعضنا البعض؟ أربما لأنه يقطع علينا كل حبال أمل اللقاء؟ أم لأنه يعفينا من المواجهة؟ فنرسل كل الاعتذارات والدعوات بعيدا عبر القبور.

هل سألت نفسك يوما كم مرة أجلت توبة من معصية اقترفتها في حق نفسك؟ في حق الله؟ في حق خلق الله؟ كم مرة أجلت إقلاعك عن عادة سيئة؟ كم مرة واعدت نفسك أنك ستتغير يوما، فمرت السنين تتلو السنين ولاتزال عند خط البداية؟

ترى كم فكرة  ندمت عن عدم طرحها في وقتها، حتى فات الأوان… ربما كانت لتنقذ مريضا، أو لتنقذ شركة على وشك الإفلاس، أو تجد حلا لقريب؟

هل سألت نفسك؟ كم حلما أجهضت بسبب الخوف والتسويف؟ فاتخذت له مكانا بين موتى القبور، كم فرصة عمل؟سفر، زواج؟ أو مشروعات ضاعت بين تفكير طويل ومعقد؟

كم مرة وصلت المسجد متأخرا، فوجدت أن المصلين قد خرجوا، فأحسست بأنه لو كانت الحسنات والرحمات أو الجنات  تقسم حينها لكنت خارج نطاق الفائزين؟ كم مرة أردت مساعدة أحدهم وأجلت ذلك فسبقك إلى الخير غيرك؟

هي أشياء كثيرة وكثيرة تحدث معنا كل يوم وليلة، لكن حينما يسبقنا الزمن، وترفع الأقلام وتجف الصحف، حينها فقط ننتبه، ننتبه أن الكسل والتعب وضيق الوقت ليست سوى سلاسل تكبلنا لتجعل من حياتنا ندما على كل تأخير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد