شهد افتتاح موسم «أم كلثوم» الغنائي لعام 1966/1967 غناءها لأغنيتها الشهيرة «فكروني» من كلمات الشاعر «عبد الوهاب محمد» وألحان موسيقار الأجيال «محمد عبد الوهاب»، لتكون تلك الأغنية هي الخطوة الخامسة في سجل التعاون اللحني الأهم في المرحلة الغنائية الأخيرة في حياة أم كلثوم، ورغم أن حجم الانتصارات الغنائية التي خرجت بها أم كلثوم من عام 1966 كان كبيرًا إلا أن أغنية افتتاح الموسم الجديد فتحت باب الانتقادات مرة أخرى على ذلك التعاون بين أم كلثوم وعبد الوهاب، فالنجاح الشعبي الساحق لأغاني أم كلثوم الوهابية والأرقام الخالية التي حققتها مبيعاتها في مصر والعالم العربي لم يشفع عند آراء النقاد التي ظلت في عزلة خارج حدود ذلك الإعجاب وتلك الإشادة، فأسلوب «عبد الوهاب» التجميعي لصور غنائية متعددة داخل النص الموسيقي الواحد ظل مفتاح كل نقد وهو ما وصفه الناقد «كمال النجمي» قائلًا: «إن كل بيت في أغاني عبد الوهاب قد يكون درة أسلوبية، فإن الأغنيات كتراكيب كلية تفتقر إلى الوحدة»، وعلى ذلك الأساس جاء الرأي النقدي العام لأغنية فكروني هو أنها لا تصلح لأن يغنيها «صوت القصائد بل تصلح لأي مطربة عادية»، وسواء ثقلت قيمة فكروني في آراء النقاد أو خفت، ظلت تلك الأغنية علامة فارقة تؤكد أن موازين الغناء العربي تسير نحو التغير السريع خصوصًا بعدما كُسرت العقبة الأهم في تطور الأغنية العربية وتفرنجت الأغنية الكلثومية وصار يسمع في مسرح قصر النيل كل شهر آلات غربية وإيقاعات عالمية، هذا الذي دفع بعض ملحني الحلبة الكلثومية لتغيير خططهم لمواكبة خط الحداثة الذي أقره عبد الوهاب كتيمة رئيسة لغناء أم كلثوم، ورغم أن مرحلة الخمسينيات قد أثمرت عن دخول «محمد الموجي» و«كمال الطويل» فلك أم كلثوم الغنائي إلا أن كليهما ظل محتفظًا بالطبيعة اللحنية التي اعتاد أن يسمعها من أم كلثوم، ولم يُعلن التمرد علي تلك القواعد إلا بدخول «بليغ حمدي» دائرة محلني أم كلثوم بعد أن قدم لها أغنية «حب إيه» شتاء 1960 وصار هو المنافس الحقيقي والأهم لمحمد عبد الوهاب في نقطة التطوير الغنائي الحديث عن طريق تغير طبيعة ألحان أم كلثوم وتجديد أسلوبها الغنائي، وكان من الطبيعي أن يجبر الأداء المتطور في تركيبة لحن «فكروني» بليغ حمدي على إيجاد مخرج لنفسه والالتفاف حول ذكاء عبد الوهاب الموسيقي أو التنازل والخروج من الساحة الكلثومية بعدما صار الجمهور هو الحكم النهائي وليس النقاد ولا أم كلثوم ذاتها!

ساحات موسيقية لكلمات ثائرة!

من بين أهم الخطوات التي اتخذها بليغ لتكوين رصيد من النجاح في موسم أم كلثوم الجديد كان اختيار الكلمة التي ستغنيها أم كلثوم هذه المرة، فقد ظلت العناصر المشتركة بين معظم كلمات أغاني أم كلثوم متمثلة في الهجر والفراق وانتظار الحبيب حتى ضمت مجموعة من الشعراء الجدد إلى عالمها، فساعد تعاملها مع هؤلاء الشعراء على تحويل المفرادت والتراكيب الغنائية تدريجيًا إلى العامية وإبعادها عن الجمل الطويلة ذات الصور البلاغية القوية، وبذلك اختفى تشخيص «رامي» المفرط والمائل إلى الفصحى وكلمات «بيرم» الوصفية التي تخلق مشاهد متراكبة في وعي المستمع، وصارت النصوص الجديدة أكثر حيوية ومجاراة للعصر، ولعلها المصادفة وحدها التي جعلت من «مرسي جميل عزيز» آخر الشعراء الجدد انضمامًا لأم كلثوم، فموهبة الشاعر الكبيرة جعلت أم كلثوم تطلب من بليغ حمدي أن يعرض على صديقه «مرسي جميل عزيز» أن يكتب لها، فكتب لها في البدء «سيرة الحب» ولحنها بليغ حمدي في ديسمبر 1965، وبعد النجاح المبهر لتلك الأغنية أمد الشاعر الجديد أم كلثوم بأغنيتين «فات الميعاد» و«ألف ليلة وليلة» لكن أم كلثوم قررت أن تضعهما في خزانتها لحين الحاجة إليهما، ورغم أن العمل كان جاريًا على قدم وساق في منتصف عام 1966 في أغنية فكروني مع عبد الوهاب باعتبارها أغنية الموسم الجديد، قررت أم كلثوم أن تسند لبليغ مرة أخرى تلحين كلمات صديقه مرسي جميل عزيز مُستغلة بذلك التنافس الخفي بين محمد عبد الوهاب وبليغ حمدي، ومع نجاح «فكروني» وجد بليغ نفسه أمام ثلاثة تحديات كبرى؛ أولهم أن يجد صيغة لحنية يستطيع من خلالها التفوق على موسيقار جيله عبد الوهاب حتى تجد «فات الميعاد» مكانًا لها في موسم أم كلثوم الجديد، ثانيًا هو كيفية تلحين كلمات حزينة بعدما اعتاد الجمهور على أن يسمع منه ألحانًا خفيفة ذات إيقاعات راقصة خصوصًا بعد نجاح سيرة الحب، ثالثًا أن يستطيع تكوين مقدمة موسيقية مركبة تظهر فيها نكهة الحداثة بعدما اتضح للجميع أن صناعة مقدمة موسيقية جيدة صار عاملًا رئيسيًا في نجاح أي لحن لأم كلثوم، وبذلك التقط الموسيقار الشاب الخيط وبدأ في صناعة مقدمة مختلفة تشع من جملها البساطة والرقة دون أن يلجأ لإيقاع راقص أو سريع، حتى إن جملة الإيقاع التي ظهرت داخل المقدمة قدم فيها بليغ حوارية للساكسفون والأوركسترا بشكل جديد تمامًا من على مقام «الكرد»، فى أداء متطور وخاضع بالكلية للحس الشرقي في العزف، وبالنظرة العامة على خط سير المقدمة ككل نجد أن بليغ جازف واستعمل أربعة مقامات على التوالي داخل بنيان المقدمة فاستعمل «الحجاز»، «الفرحفزا» (مقام نهاوند من درجة الصول)، «الكرد»، «راحة الأرواح» وهو مقام الغناء ورغم أن القطعة الموسيقية بدأت بمقام وانتهت في مقام آخر على عكس الشائع في التأليف، إلا أنها جاءت متماسكة تعكس روح الكلمات كنهاية قصة فضلًا على أنها تبرز الترصيع والحٌليات الموسيقية التي أراد بها بليغ إبراز قدراته في التلحين، وتستقر المقدمة في النهاية بشكل مفاجئ على مقام راحة الأرواح وهو المقام ذاته الذي سبق ولحن منه أغنية سيرة الحب ولكن شتان ما بين اللحنين، ثم يأتي غناء المذهب مستغلًا معظم نغمات مقام راحة الأرواح حتى توصل أم كلثوم لذروة المقطع الأول «تفيد بإيه يا ندم» فتغير طريقها إلى مقام «البياتي» وتستنطق المرارة في صوتها حتى تلامس في مقطع «طالت ليالي» من مقام «الراست» لكنها لا تطيل الوقوف داخله فتعود للبياتي ومن ثم إلى مقام راحة الأرواح ليستقر اللحن في النهاية على درجة ركوز المقام نغمة «السي نص بيمول» أو ما يعرف بنغمة «العراق»، وتبدأ لازمة الكوبليه الأول بحوارية تشترك فيها الفرقة ككل مع آلات الساكسفون والجيتار والكمان والقانون والأكورديون على التوالي حيث تقدم كل آلة جملة سريعة يرد عليها بجملة من آلة أخرى ويفصل بين الردين جملة طويلة من الفرقة ككل، لتختم الفرقة اللازمة بجملة موحدة تقودنا إلى الغناء. لتبدأ أم كلثوم «يا ما كنت أتمنى» من مقام «العجم» لكنها تحيد باللحن إلى الكرد الذي يستغل بليغ قربه إلى البياتي فيعرج إليه في مقطع «بس أنا نسيت الابتسام» ويمكث اللحن داخل البياتي ليفعل بليغ ما فعله في المذهب هو ملامسة الراست في جملة شرقية سريعة تُظهر تجليات صوت أم كلثوم وقدراته أو ربما أراد ترك مساحة لها تستطيع من خلالها أن تنفذ إلى آفاقها المديدة في عالم الارتجال فتقول «ستاير النسيان نزلت بقالها زمان» من الراست. ثم تكرر أم كلثوم «وإن كان على الحب القديم وأساه» من البياتي حتى تمهد لتكرار كلام المذهب مرة أخرى «تفيد بإيه يا ندم»، وتظل لازمة الكوبليه الثاني من أخطر الأجزاء التي صاغها بليغ في تركيبة فات الميعاد؛ فقد سمح لبعض الوتريات بأن تزن بينما يعزف الباقي اللحن لتصبح مقدمة الكوبليه الثاني أشبه بالدوامة الموسيقية وهو ما فعله تمهيدًا للغناء وخدمة للنص الشعري الذي جاء على شكل أقرب للموال الحزين قائلًا «الليل ودقت الساعات تصحي الليل» ثم يتحول اللحن إلى مقام «الصبا» الذي كثيرًا ما صادقه بليغ حمدي داخل ألحانه فتغني أم كلثوم «وقسوة التنهيد والوحدة والتسهيد» وهنا يفتح النص الشعري أمام بليغ بابًا للانتقال المقامي فجملة «وعايزنا نرجع زي زمان قول للزمان ارجع يا زمان» بكل ما فيها من تطور شعري وسابقة في تثوير الكلمة المغناة عند أم كلثوم، لا يمكن أن تغني من مقام الصبا المنكسر فانتقل بليغ إلى مقام العجم بصورة مفاجئة وربما كان ذلك الانتقال سيثير اندهاش المستمع لولا أن صوت أم كلثوم جاء قويًا معبرًا ليجبر الجماهير العربية في كل مرة أن تتلقف هذا الانتقال العجيب بتصفيق حاد، ثم تعود أم كلثوم إلى البياتي «وهات لي قلب لا داب ولا حب» لتمهد لتكرار المذهب، أما لازمة الكوبليه الثالث فقد جاءت من مقام الراست وكأنها توحي للمستمع بأننا على أعتاب خاتمة غنائية ذات أبعاد شرقية خالصة، وهو ما قد كان؛ فقد استدعى بليغ مقام «الشوري» المهجور في الموسيقى الشرقية وهو أحد أفرع مقام البياتي ليلحن منه مقطع «من ناري من طول ناري» لكنه دون سابق إنذار انتقل مرة إلى المقام البياتي بسلالمه الرئيسية من أجل أن يربط بين الأبيات الأخيرة وبين الجملة المكررة في نهاية كل كوبليه، وفي تأدية أم كلثوم للأغنية نجد أن جملة «بيني وبينك بحر دموع راح تغرق لو عديته» قد استأصلتها من النص الشعري بعدما لحنها بليغ وسجلها بصوته على العود وربما رأت أم كلثوم في تلك الجملة أنها إطالة غير مبررة لنص يجب حمايته من الثرثرة الغنائية!

فات الميعاد وموجات من التأويل!

إذا كانت نوعية النصوص الشعرية الجديدة التي اقتحمت عالم أم كلثوم منذ بدء الستينيات عملت على تجاوز الخطوط الشعرية المتجذرة في صلب الأغنية الكلثومية، فإنها فتحت أبوابًا واسعة لمنطق التفسيرات والتأويلات لإنتاجها الأخير، فعلى الرغم من بساطة الكلمة وسهولة تفسيرها على أنها مواقف غرامية عابرة ظلت تلك النصوص تنطوي على قدر من التفسيرات الاجتماعية والصوفية والسياسية وهو ما ظهر جليًا في أغنية فات الميعاد التي غنتها أم كلثوم لأول مرة ليلة الخميس 2 فبراير 1967. فقد جاءت تلك الأغنية في ظل ظروف سياسية تنذر بفوات المواعيد واقتراب الكوارث ومن تلك الزاوية جاء التفسير الشعبي لها على أنها قراءة استشرافية لبعض ومضات المستقبل المظلم الذي أهل يوم 5 يونيو أي بعد غناء تلك الأغنية بأربعة أشهر فقط، فتصورت العامة أن تلك الأغنية لم تكن مجرد كلمات جميلة تتحدث عن نهاية قصة حب بل إنها وقفة طويلة أمام العهد الناصري وقيوده وحريته الضائعة، سواء كان مرسي جميل عزيز يقصد بتلك الأغنية التعبير عن موقف سياسي أم لا، فإن النجاح الذي حققته «فات الميعاد» جعلها تمثل تجربة جادة في تطور الأغنية العربية، بل إنه جعلها تتويجًا حقيقيًا للتعاون الكلثومي–البليغي الذي برغم استمراره حتى وفاة أم كلثوم لم يحقق ما حققته فات الميعاد بتوافقها مع المزاج الشعبي الموجود آنذاك، وبتوازنها بين البساطة والتجديد المدروس وهو ما جعل النقاد يستقبلونها بقدر من الترحيب بل وتكريسها كمثال للتشكيل الحداثي والتكوين الموسيقي الجديد لتصبح بدون شك ميعادًا لتفوق بليغ حمدي على ملحني المرحلة بمن فيهم محمد عبد الوهاب ذاته!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد