يومًا بعد يوم يزدادُ عدد المواليدِ عن عدد الوفيات بمقدارٍ يعادلُ ثلاثة أضعافٍ تقريبًا، وفقًا لموقع worldometers.info، والذي يعطي إحصائياتٍ يومية لمعدلات المواليد والوفيات في العالم.

هذا وإن دل على شيء فإنه يدل على أن مصادرَ الكوكب الغير متجددة تتعرضُ للاستهلاكِ يوميًا بمعدلٍ يقاربُ ثلاثَ أضعافِ مقداره في اليومِ السابق. وهنا تتجلى بوضوحٍ مشكلة كوكبِ الأرض، ألا وهي عددُ السكانُ المتزايدِ باستمرار مقابل المصادر الثابتة نسبيًا، وبما أن معظمَ السكانِ هم من فئةِ المستهلكين لا من فئة المنتجين فإن المصادرَ المتجددةَ أيضًا تتعرضُ لاستنزافٍ بمعدلٍ أكبر من إنتاجها.

ما هو السبب وراء كون معظم سكان الكوكب من فئة المستهلكين لا من فئة المنتجين؟

السبب هو كثرةُ عددهم في حد ذاته، يتناسبُ عددُ السكان تناسبًا عكسيًا مع جودتهم وإنتاجيتهم؛ فكلما قل عددُ البشر في دولةٍ ما زادت جودتُهم وإنتاجيتهم؛ حيث تستطيعُ الدولةَ المقيمين فيها الاهتمام بهم من خلالِ استغلالِ المصادر الموجودة لتوفيرِ منظومةٍ صحيةٍ وتعليميةٍ قوية تمكنهم من تنميةِ مهاراتهم وتطويرها وبالتالي كانوا أقدر على الإنتاج، وكلما ازداد عددُ البشر في دولةٍ ما قلت قدرةُ الدولة على دعمهم صحيا ًوتعليميًا؛ لأن المصادرَ المتاحة تُستغَل في سد احتياجاتهم الأساسية، لا في بناءِ وتطويرِ قدراتهم، وبالتالي يصبحون مستهلكين لا منتجين.

لتفهم الصورةَ الكبيرة انظر للصورةِ المصغرةِ منها أولًا، ألا وهي الأسرة، حجرُ الأساسُ لبناءِ المجتمع، هذه الأسرة لديها مصادرٌ تعتمد عليها في حياتها تتمثل في الدخل مثلًا، هذا الدخلُ إن تم توزيعَه على عددٍ أقلٍ من الأفراد يصبح نصيبُ الفرد أكبر، وبالتالي يستطيعُ الفردُ باستخدام نصيبه ليس فقط عن طريق الاهتمامِ باحتياجاته الأساسية، وإنما يستطيعُ تحصيلَ العلم وتنمية مهاراته وقدراته وتطويرها أيضًا فيصبح لدينا أفرادٌ مؤهلون ومجهزون بكامل العدة والعتاد اللازم لتطوير حياتهم والمجتمع من حولهم، وبالتالي أصبحوا أفرادًا منتجين يشاركون في إيجاد وسائل وحلول بديلة عن المصادر غير المتجددة.

أما إن تم توزيع الدخل على عددٍ أكبر من الأفراد بات نصيبُ كلَ فردٍ منهم أقل، وبالتالي فإن فرصةَ الفردِ الواحد باستخدام نصيبه في تطويرِ مهاراته تكون أضعف حيث يكاد لا يكفيه نصيبَه إلا بسد احتياجاته الأساسية التي تدعمُ بقاءه على قيد الحياة، من ماءٍ وغذاءٍ وعنايةٍ بالصحة مثلًا، وبهذا أصبح فردًا مستهلكًا غير منتج.

الآن كبر الصورةَ قليلًا وانظر لمجتمعٍ يحوي مجموعةً من الأسرِ ذاتَ عدد أفراد قليل (منتجين) ومجتمع آخر يحوي مجموعة من الأسر ذات عدد أفراد كبير (مستهلكين)، يتضح لديك أن المجتمع الذي لديه فرصة أكبر بالنمو والازدهار هو المجتمع الأول لأن معدل الأفراد المنتجين فيه أكبر.

وعلى أرض الواقع تتمثلُ الصورةُ الكبيرة، فتجد أن الدولَ المتقدمة هي الدولُ التي تُبنى من مجتمعاتٍ تحوي أسرًا ذات عدد أفرادٍ قليل أما الدولُ النامية والدولُ الفقيرة تجدها تتكون من مجتمعاتٍ تحوي أسرًا ذات عدد أفرادٍ كبير وبما أن الدولَ النامية والدولَ الفقيرة عددُها أكبر من عدد الدول المتقدمة كان معظمُ سكان الكوكب من المستهلكين لا من المنتجين.

السؤال الآن لماذا تستمر الدول الفقيرة والدول النامية بإنتاج المزيد من المستهلكين ولا يحدث ذلك في الدول القوية؟

إن السببَ الأول لاستمرارِ إنتاج مزيدًا من المستهلكين في الدولِ الفقيرة والدولِ النامية هو الجهل، يطغى الجهلُ على الأغلبيةِ العظمى من الناس هناك، فبعدم كفايةِ المصادرِ للنهوض بهذه الأعداد انتشرَ الجهلُ بينهم وأصبح لا قيمةَ للإنسان ولأن الإنسان بطبعِه دائمًا ما يبحث عن هدفٍ وقيمةٍ لوجودِه في الحياة، لا يجد أمامه إنجازًا أو هدفا يستطع تحقيقه الا الإنجاب.

وفيما يلي بعضُ النقاط التي وجبَ التنويهُ لها فيما يخص أسباب ازدياد أعداد البشر في الدول الفقيرة والدول النامية:

– الأسبابُ الدينية فالعديد من الديانات تضعُ حدودًا لموضوعِ تحديد النسل ما أدى بالناس إلى التخوف من تنظيم الأسرة بالتوقف عن الإنجاب.

– الِأسبابُ الاجتماعية وأهمها الزواجُ المبكر الذي يعطي فرصةً أكبر لزيادة عدد الأطفال للأسرة الواحدة بسبب طول مدة الزواج. كما أن هذه المجتمعات تدفع بالشباب دفعًا إلى الزواج والإنجاب وتعيبُ على الأفراد بقاءهم فترة طويلة بلا زواج وبلا أطفال.

– أسبابٌ مادية فمعظم هذه المجتمعات فقيرة لا تتوفر لأفرادها وسائل تنظيم الأسرة بسهولة.

– هجرةُ العقول وذوي المؤهلات والقدرات الى العالم الأول بدوافع مختلفة تتراوح بين الرغبة بطلب المزيد من العلم وصقل المهارات أو بسبب عدم تقدير الحكومات لهذه النخبة أو بسبب الاختلاف الفكري عن العامة والذي يدفع بهم للهروب الى من يحتويهم أو بدافع حب الاستكشاف والمغامرة بشكل عام مما يزيد من انتشار الجهل في موطنهم الأصلي.

– وأيضًا تحسنُ الصحةِ العامة للبشر، فلا مجاعات شديدة ولا أوبئة تؤثر تأثيرًا قويًا على عدد السكان.

أما على صعيدِ الدول القوية فهناك قيمةُ الفرد نفسه أعلى (ويرجع ذلك إلى قلة عدد السكان كما أشرت سابقًا)، وبالتالي لديه العديد من المجالات التي يستطيع الخوضَ فيها وإيجاد الأهداف والمعاني لحياته والانشغال بتحقيقها ولديه فرصةً أكبر في عيش الحياة والتمتع بها فيصبح الزواج وإنجاب مزيدًا من الأطفال عائقًا أمامَ استمرار هذا النوع من الحياة وما يساعد أيضًا على ذلك هو غيابُ الأسبابِ الدينية والمجتمعية التي وجدت في الدول الفقيرة والدول النامية، بالإضافة إلى سهولة حصول الأفراد على وسائلِ تنظيمِ الأسرة فلا عائق مادي أمامهم.

الآن بعد أن عرفت الأسبابَ التي تؤدي بالأفراد في الدول الفقيرة والدول النامية إلى إنجاب مزيدًا من المواليد تستطيع القول بأنها حلقة مفرغة حيث إن ازديادَ عدد السكان يؤدي إلى انتشار الجهل، والجهل ينتج عنه ازديادٌ في عدد السكان فكل منهما سبب للآخر، (زيادة السكان، فالجهل، فزيادة السكان، فالجهل، فزيادة السكان.. وهكذا).

كفانا الآن حديثًا عن المشكلة، ولنبدأ بالحديث عن الحل:

الحل هو بكسرِ هذه الحلقة المفرغة بالتوقف الآن عن عملياتِ التفريخ والإنجاب بلا وعي، والبدء بالعمل على استخدامِ المصادرِ بالنهوضِ بالأفراد وتمكينهم صحيًا وعلميًا واكسابهم المهاراتِ اللازمةِ من أجل القضاء على الجهل وتكوين مجتمعٍ منتج ودولة قوية. انظر إلى الصين قبل وبعد تحديدِ النسل إلى طفلٍ واحد فقط للعائلة الواحدة، إنها أكبرُ مثالٍ على أن الحل يكمن في تقنين الإنجاب.

إما هذا أو نرضخ لقانون الغاب الذي يحكم الكرة الأرضية والذي يعطي الدولَ القوية الحق بأن تقوم بحل المشكلة من خلال شن حروب على الدول الفقيرة والدول النامية فتسيطر على مصادرها وتقلل من عدد سكانها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات