بعد أن أنكر أصحاب الاتجاه الاعتقادي بالحجج والأدلة ما يحمله الاتجاه الشكي من مغالطات للفطرة الإنسانية وبعد ما أثبتوا وجود حقائق مطلقة يمكن الوصول إليها، باتت مباحثهم الفلسفية تدور حول ما هي الوسيلة للوصول إلى تلك الحقائق؟

فجاءت دوامات فلسفية كل منها أخذ إجابة تخالف الأخرى، فمنهم من قال العقل هو الوسيلة لتحصيل المعارف، ومنهم من قال الحس هو الوسيلة، ومنهم من جمع بين العقل والحس، ومنهم من اعتمد على الحدس والتأمل الباطني.

المذهب العقلي

هو المذهب الذي يرى أن العقل هو مصدر المعرفة اليقيني ويتم إدراك الحقائق بالعقل دون التجربة الحسية وركنهم في ذلك إثبات وجود معارف قبلية غير مشتقة من التجربة، توجد مع الطفل حين ولادته، وكان الهدف من إثبات القبليات هي الوسيلة التي تضمن ثبات الحقيقة في ظل عالم المحسسوسات المتغيرة، وترجع جذور القول بالقبليات إلى إفلاطون للرد على تشكيك السوفسطائيين بوجود حقائق ثابتة.

إلى أن جاء ديكارت عام 1650 الذي يعتبر أبرز من يمثل هذا المذهب في العصر الحديث حيث وصل أن السبيل الوحيد والصحيح للعثور على المعرفة هو المنهج الشكي.

بدأ ديكارت بحثه في المعرفة وبين أصل الأفكار:

أفكار غامضة: هي الأفكار التي يستمدها الإنسان من الموجودات الخارجية عن طريق الحس كاللون والصوت الحرارة والبرودة، وهذا النوع من الأفكار ليس له قيمة عند ديكارت لأنه مستمد من الحس.

أفكار مختلفة: هذه الأفكار تصنعها المخيلة من الأفكار السابقة كصورة حصان ذي أجنحة، وهذه الأفكار أيضًا لا قيمة لها لأنه لا وجود لها في الخارج.

أفكار فطرية: وهي أفكار بديهية سابقة على التجربة نولد مزودين بها في العقل دون كسب أو تحصيل، وتتميز هذه الأفكار بأنها أفكار واضحة لأنها من صنع الله وهذه الأفكار التي تكون أساس المعرفة بنظرة ديكارت.

ومع هذا لا ينكر العقليون الحس إنكارًا تامًا، بل الإدراك للأشياء عن طريف العقل يكون أكثر وضوحًا.

المذهب الحسي

بعد أن رأى أفلاطون ومن بعده ديكارت أن المعرفة الحسية معرفة ظنية، جاء الفلاسفة الحسيون ورأوا أن التجربة الحسية هي المصدر الوحيد لكل الحقائق، وتنه لا يمكن أن تنشأ فكرة دون الحس.

ترجع جذور هذا المذهب إلى أرسطو الذي ذهب إلى أننا إن فقدنا حسًا ما يجب ضرورة أن نفقد علمًا ما.

بعد أرسطو تبلور هذا المذهب على يد عدد من الفلاسفة منهم جون لوك 1704م وديفيد هيوم 1776، حيث يرى لوك أن أنواع المعارف ثلاثة:

المعرفة الحدسية: ويقصد بها المعرفة البديهية الواضحة المستمدة دون الحاجة إلى دليل أو برهان.

المعرفة بالبرهان: هي المعرفة التي تستمد بواسطة دليل أو برهان.

المعرفة الحسية: وهي المعرفة المعتمدة على الإدراك الحسي.

يمثل لوك لهذه المعارف فيقول: معرفتنا بوجودنا الخاص بنا هي معرفة حدسية، ومعرفتنا بوجود الله هي معرفة برهانية، ومعرفتنا بالأشياء المائلة للإحساس هي معرفة حسية.

بعد ذلك شهد القرن العشرين ظهور الوضعية المنطقية التي تعتبر أن أي عبارة لا نستطيع إثباتها عن طريق التجربة فهي مجرد لغو، فما يكون له معنى هو ما يمكن إثباته تجريبًا.

المذهب النقدي

بعد أن طغى المذهبان الحسي التجريبي والعقلي على الساحة جاء الفيلسوف الألماني كانط 1804 ليجد حلًا للصدام بينهما حيث قرر إن المعرفة تنم على الحس والعقل معًا.

الخبر (الشهادة) والذاكرة

كثير من المعارف تتسم بطابعها الاجتماعي بمعنى إننا نكسبها أو نتوصل إليها عن طريق الخبر أو شهدة الناس.

ولكن هل المعتقدات التي بنيناها على الشهادة مضمونة؟

أبرز من ناقش هذا السؤال الاختزالية واللااختزالية

الاختزالية

تقول إن المعرفة المبنية على الشهادة لا بد أن يكون لها داعم من مصدر معرفي مستقل آخر، كالإدراك الحسي أو التذكر، وبهذا قيدوا الأستحقاق الخبري حيث جعل الاختزاليين يعارضون المحتوى المعرفي الآتي من الشهادة ويؤمنون بضرورة وجود مطالب معينة داخلية وخارجية تضمن حصولنا على معرفة خبرية جديدة.

اللااختزالية

يقول إن الله حين خلقنا على هيئة كائنات اجتماعية غرس ذلك النزوع إلى قول الحقيقة المتشكل من مبدأ الصدق، كما غرس ميلًا إلى الوثوق بصدق الآخرين والتسليم بما يخبروننا به (مبدأ السذاجة).

أي يعتبر أصحاب هذا الموقف أن تبرير المعرفة الخبرية موقف فطري بديهي لا يحتاج إلى أدلة داعمة له ما لم يوجد سبب للتشكيك.

المذهب الحدسي

المذهب الحدسي أو الصوفي هو المذهب الذي يرى أن الحدس أو الغريزة مصدر يقيني من مصادر المعرفة.

ترجع جذور هذا المذهب إلى الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون 1941 الذي جاء في فترة جاء فيها الاتجاه المادي وتقدمت فيه العلووم الطبيعية بمنهجها التجريبي فأعلى من شأن الحدس وصار زعيمًا للاتجاه الروحي.

يرى برجسون الوسيلة للوصول للمعرفة بطريقتين:

أولًا: عن طريق العقل، وهذا الطريق ينظر إلى الشيء من الخارج. فالمادة هي الميدان التي لا يستطيع العقل تجاوزه.

ثانيًا: طريق تسير على الميتافيزيقا اعتمادًا على الحدس فقط، وهذا الطريق ينفذ إلى باطن الشيء وحقيقته بخلاف الطريق الأول.

المذهب البراجماتي

تعتمد على أن صحة الفكرة تعتمد على نتائجها الإيجابية، وترجع جذور هذا المذهب إلى الفيلسوف الأمريكي تشارلز ساندرز بيرس 1913 وذلك في مقالة بعنوان: كيف نجعل أفكارنا واضحة؟

واتفق البراجماتيون على أن المعيار الوحيد للحقيقة هو ما يترتب عليها من ثمرات وآثار، وصحة الأفكار تقاس بما يترتب عليها من منفعة.

الموقف الصحيح من مصادر المعرفة

لقد رأينا أصحاب المذاهب السابقة كيف ضيقوا طرق المعرفة ومصادرها حيث اعتمدوا مصدرًا واحدًا رئيسًا، وجعلوا للمصادر الأخرى دورًا ثانويًا.

الإسلام لم يحصر المعرفة في باب واحد، بل جعلها معرفة شاملة ووسائل تحصيلها متنوعة، وهي على تنوعها إلا أنها منسجمة مع بعضها الآخر متآلفة لا تعارض فيما بينها، وهذه الطرق هي الحس والخبر والعقل.

يقول ابن تيمية فطرق العلم ثلاث: إحداهما الحس الباطن والظاهر، وهو الذي تعلم به الأمور الموجودة بأعيانها. والثانية الاعتبار بالنظر والقياس، وإنما يحصل العلم بعد العلم بالحس فما أفاده الحس معين يفيده العقل والقياس كليًا مطلقًا فإن الكليات تعلم بالعقل والمعينات تعلم بالحسة، والثالثة الخبر والخبر يتناول الكليات والمعنيات والشاهد والغائب فهو أعم وأشمل، لكن الحس والعقل أتم أكمل.

العقل يولد خاليًا من المعرفة، ثم تبدأ الحواس في تحصيلها شيئًا فشيئًا، نحس بالمشاعر بجزئيات الأشياء وندركها بالعقل وننتبه لما بينها من المشاركات والمباينات بتكرر الإحساس فيحصل لدينا علوم بديهية نتمكن بالنظر فيها من تحصيل العلوم الكسبية، والقول بخلو العقل من المعارف العقلية لا يعني أنه صفحة بيضاء يقبل الكفر والإيمان على السواء كما ذهب إلى ذلك ابن عبد البر، بل معناه التهيؤ والاستعداد والقدرة على التمييز والقابلية للحق، وهذا معنى الفطرة، والفطرة هي سلامة القلب وقبوله وإرادته للحق. والحواس في إدراكها إنما تدرك الجزئيات فقط، أما معرفة الكليات فخاص بالعقل وحده. وأما الخبر فقط تكلم به علماء الإسلام قبل فلاسفة الغرب بقرون طويلة وقسموه إلى (متواتر وآحاد)، وعلى هذا الخبر المتواتر يعلم صدقه بمجرد الخبر دون الحاجة إلى أدلة أخرى، بخلاف الآحاد الذي يحتاج إلى قرائن قوية.

طبيعة المعرفة

تنقسم الموجودات إلى نوعين: موجودات مادية موجودة موضوعيًا خارج وعي الإنسان كالأشجار والمنازل وغير ذلك وموجودات فكرية موجودة داخل وعي الإنسان كالأفكار والإرادة والرغبة وغير ذلك.

ما هي الصلة بين النوعين؟ وما هو المعطى الأول؟ وهل هناك موجود موضوعي خارج الذهن وما هي العلاقة بين الفكر والوجود؟

حقيقة انقسم الفلاسفة إلى معسكرين أولهما المعسكر المادي الذي يقول إن هناك واقعًا خارجيًا موضوعيًا مستقلًا عن إدراكنا، وهو المعطى الأول، والمعسكر الثاني هو المثالي الذي يقول إن الفكر أو الوعي هو المعطى الأول، وفي المعسكر المثالي مذاهب متعددة منها المثالية الواقعية عند إفلاطون والمثالية الذاتية عند باركلي والمثالية المتعالية عند كانط، وبالرغم من هذه الاختلافات نستطيع القول إن جميع المثاليين يتفقون على أن وجود الأشياء لا يستقل عن وجود الكائن العاقل الواعي بذاته، أو أن الأشياء على علاقة دائمًا بعقل ما.

المذهب الواقعي

هو المذهب الذي يرى أن المادة موجودة في الخارج وهي ليست بحاجة للذهن حتى توجد ويتم إدراك هذه المادة دون وسيلة (بالفطرة)، ولهذه الأشياء عمومية الإدراك بمعنى أنه حين يدرك عدة أفراد منضدة ما فإنهم يدركون شيئًا واحدًا، مظهر الشيء هو حقيقته، وحقيقته هي ما يبدو لنا منه، فلو كان أمامنا برتقالة مثلًا سندرك لونها عن طريق البصر ورائحتها عن طريق الأنف، وهكذا، وإدراكنا لها لن يغير فيها؛ فهي موجودة، سواء أدركناها أو لم ندركها.

من مؤيدي هذه النظرية الماديون أتباع الفلسفة الماركسية فإنهم يرون الأشياء موجودة وجودًا موضوعيًا خارج الذهن وما في الذهن مجرد انعكاس ونتاج للمادة والطبيعة، أو المادة هي المعطى الأول، والوعي المعطى الثاني.

نظرية المعطيات الحسية

تبنى هذه النظرية الكثير من الفلاسفة منهم ديكارت، وجون لوك، وباركلي، وهيوم، وكانط، ولكن اختلفوا كثيرًا في الجزيئات الصغيرة، وكان الجامع بينهم هو نزوعهم إلى المثالية التي تنطلق من الوعي والفكر. وأنهم يشككون في وجود العالم الخارجي ويطلبون الأدلة على وجوده.

الفينومينولوجيا: (الظاهراتية)

هو منهج يجمع بين المنهجين السابقين من حيث المبدأ، ترجع جذور هذا المذهب إلى الفيلسوف الألماني إدموند هوسرل 1938، حيث كان يعترف بوجود العالم الخارجي، لكنه أراد تفسير كيفية الوعي بهذا العالم فأقام منهجه على عدة خطوات:

1:الإبوخية: وضع العالم الخارجي بين قوسين وتعليق الحكم عليه مؤقتًا، وبوضع العالم الخارج بين قوسين يبقى الوعي هو المتبقي من هذه العملية.

2:الرد الصوري الماهوي وإدراك الماهيات: بعد الإبوخية يقوم هرسل بعملية رد العالم الخارجي في صورته الطبيعية إلى عالم الشعور.

وبعد هذه العمليات نجد أن الوعي متجه نحو العالم الخارجي لإدراكه.

الموقف الصحيح من طبيعة المعرفة

الموقف الصحيح هو إثبات الوجود الخارجي واعتباره مستقلًا عن الذهن، بل هو موجود، سواء أدركناه أم لم ندركه.

لا يمكن لوجود موجود خارج الذهن لا يمكن الإحساس به. وهذا الواقع الخارجي يقبل الإحساس ومنه تبدأ المعرفة.

الإنسان مضطر أن يتعامل مع العالم الخارجي في الجوع والعطش والبرودة والخوف.

وفي الختام أقول: ما زالت نظرية المعرفة بحاجة إلى مزيد من الدراسات والبحوث التي تبين جوانبها وتفصل مسائلها وتعالج قضاياها وتظهر آراء الفرق الإسلامية في مباحثها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد