مع بالغ الأسف أن الفلسفة عند بعض المسلمين أصبحت كالتيار الكهربائي الذي يصعق، فمجرد سماع كلمة الفلسفة تراه يموت رعبا فيبتعد ويهرب ويخاف منها، بالرغم أن كثيرا من العلماء المسلمين خاصة في العصور الوسطى قد اهتموا بالفلسفة وبحثوا وكتبوا فيها وقد أدرك أين تيمية هذا الخطأ وقال: (وأما نفي الفلسفة مطلقا أو إثباتها فلا يمكن) وقد اشتغل بالفلسفة من صغر سنه، فكان عنده رغبة شديدة في طلب هذا العلم حتى كان يرى في منامه ابن سينا وهو يناظره، والغزالي حجة الإسلام أيضًا.

الفلسفة ليست الجحيم أيها السادة، بل للفلسفة مباحث عديدة ومن أهمها نظرية المعرفة (الإبستمولوجيا) كما يرى ديكارت (أن أساس الفلسفة هي نظرية المعرفة) التي تبحث في مفهوم المعرفة وإمكانها ومصادرها وطبيعتها، وأما الفلسفة في معاجم اللغة العربية فتعني إدراك الشيء على ما هو عليه.

كانت الفلسفة في بداياتها طبيعية تبحث في عالم الطبيعة وفي أصل الكون والجوهر الذي تتكون منه الأشياء إلى القرن الخامس قبل الميلاد، انتقلت الفلسفة على يد السوفسطائيين من عالم الطبيعة والعالم الخارجي إلى عالم الإنسان، فظهرت معهم أول نظرية معرفية حين أنكروا وجود الحقائق المطلقة.

في عام 399 ق.م جاء سقراط وفي عام 347ق.م جاء أفلاطون وأبطلوا حجج السوفسطائيين وناقشوها وأكدوا على قيمة العقل باعتباره مصدرًا للمعرفة.

أما في العصور الوسطى فقد تأثر فلاسفتها بالفلسفة اليونانية من جهة والديانة المسيحية من جهة أخرى، وأبرز الفلاسفة المسيحين الذين بحثوا في هذه المشكلة القسيس أوغسطين عام 430م حيث أكد على أن العقل وحده غير قادر للوصول للمعرفة الحقيقة، وإنما النص المقدس وحده القادر على ذلك، فالإيمان أولا ثم يأتي العقل ليبرر الإيمان. وقال مقولته (آمن كي تعقل).

الفلاسفة الإسلاميون كغيرهم من الفلاسفة اهتموا بالفلسفة كيعقوب بن إسحاق الكندي 260 هجريا، وابن سينا 427 هجريا، وأبو نصر الفارابي 339 هجريا، الذي كتب كتاب (الجمع بين رأي الحكمين) ويقصد بالحكمين أفلاطون وأرسطو.

وعلماء الإسلام على مختلف طوائفهم فقد تناولوا مسائل نظرية المعرفة في كتبهم وأكدوا على قيمة الوحي كمصدر للمعرفة إلى جانب العقل والحس، وناقشوا مسائل العلاقة بين العقل والنقل في كتب مستقلة ككتاب درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ومجلدات المغني للقاضي.

تعريف المعرفة

أفلاطون  أول من بحث في تعريف المعرفة عام 347 ق.م وذلك في محاورة ثياتيتوس عندما سأله ما هي المعرفة؟

قدم ثياتيتوس ثلاثة تعاريف قد أنكرها أفلاطون بالأدلة والحجج، التعريف الأول كان الحس، وبعدها يقول ثياتيتوس أن المعرفة هي الحكم الصادق وبعدها يقول أن المعرفة هي الحكم الصادق المؤيد ببراهين.

اتفق أغلب الإبستمولوجيين على تعريف المعرفة بأنها (الاعتقاد الصادق المسوغ أو المبرر) وحددوا للمعرفة ثلاثة أركان هي: الاعتقاد والصدق والتسويغ أو التبرير.

ولكن هذا التعريف خضع لفحص عميق وبالرغم أنه محوره الصدق فقد اختلفوا بتعريف الصدق وطبيعته ومتى تكون القصايا صادقة؟

إلى زمن الفيلسوف إدموند جيتير، حيث قدم اعتراضًا في مقالة بعنوان: هل المعرفة اعتقاد صادق مسوغ؟

خلاصة ما جاء به أن التسويغ ليس كافيًا لتحقيق المعرفة، ربما يكون الاعتقاد مسوغًا ولكنه اعتقاد زائف وطرح على هذه أمثلة حتى سمي بمعضلة جيتير.

إمكان المعرفة

هل هناك حقائق مطلقة؟

هل يستطيع الإنسان إدراك هذه الحقائق مع الاطمئنان بصدق هذا الإدراك؟

السوفسطائيون عندما أنكروا الحقائق المطلقة لم يكن هدفهم الوصول إلى الحقيقة وظهر وقتها مبدأ الشك وتطور وصار أنماطا عدة وأصبحت مسألة إمكان المعرفة أول مسألة تبحث في نظرية المعرفة من جهة التصنيف.

و في مسالة إمكان المعرفة انقسم الناس إلى اتجاهين رئيسين:

1): اتجاه شكي ينفي القدرة على الوصول إلى معرفة يقينية.

ظهرت نزعة الشك كما زكرنا على يد السوفسطائيين بسبب عوامل مختلفة تحيط بالوسط الذي كانوا يعيشون به، حيث جعلهم يتساءلون من الذي يمتلك الصواب ومن هو صاحب الحق؟ وكانت النتيجة أن نفوا الوصول إلى الحقيقة، فانتشر بذلك الشك واتخذ أنماطًا وصورًا متعددة منها:

الشك المطلق

يتضمن استحالة المعرفة وانعدام الثقة بالأدوات الموصلة إليها، فهو شك شامل لجميع المعارف فيبدأ صاحبه شاكا وينتهي شاكا.

في الفكر الإسلامي قسموا أصحاب الشك المطلق إلى ثلاثة أقسام:

1.العندية: هم القائلون بنسبية الحقيقة وان حقائق الأشياء تابعة للاعتقادات، يعني المعرفة لا تتعلق بالموضوع المعروف بل بالذات العارفة، فالحقيقة عندك هي ما تتراءى عندك والحقيقة عندي هي ما تتراءى عندي.

2.العنادية: هم الذين يعاندون في إنكار الحقائق ويرون أن (لا يوجد شيء وإذا كان هناك شيء فالإنسان قاصر على إدراكه وإذا فرضنا أن إنسانًا أدركه، فإنه قاصر على أن يبلغه لغيره).

3.اللاأدرية: هم الذين يتوقفون في الحكم فلا يثبتون ولا ينفون.

الشك الجزئي

يعني الإقرار ببعض إمكانات المعرفة مع إنكار بعضها الآخر مثل من أنكر الغيبيات / إنكار الواقع الخارجي للأشياء: فقط الإيمان بالواقع الذهني يعني الإيمان بالأشياء لموجودة في العقل أو النفس / إنكار السببية: إنكار قاعدة لكل حادث مسبب.

الشك المنهجي

هذا النوع يفرضه الباحث بإرادته لاختبار ما لديه من معلومات ومعارف محاولا بذلك تطهير عقله من كل ما يحويه من مغالطات ويرون أصحاب هذا المنهج أن الشك هو الوسيلة الوحيدة للوصول إلى المعرفة اليقينية.

وهذا كان منهج القديس أوغسطيس وديكارت والإمام الغزالي، ولكن الفرق بين ديكارت والإمام الغزالي أن الغزالي اعتبر هذا الشك حالة مرضية، ولذلك لم يكن يدعو إليه على خلاف ديكارت الذي كان يدعو للشك من أجل الوصول للمعرفة اليقينية.

2): اتجاه اعتقادي يثبت الحقيقة ويقول بإمكان الوصول إليها ويعتبر مناقضا للاتجاه الشكي.

قد كان سقراط أول من تصدى للسوفسطائيين وحاول إثبات حقائق مطلقة ثم جاء أفلاطون بنظرية المثل (المعرفة اليقينية عند أفلاطون ليست هي المعرفة الحاصلة عن طريق الحواس لأن الحواس تخدع بل المعرفة اليقينية عنده هي المعرفة اليقينية المتعلقة بعالم المثل) ومثل أفلاطون نظريته بمثال الكهف.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد