لقد حملت أرض مصر الكريمة  قممًا شامخة في مختلف المجالات، وستظل تلك القمم في وجدان مصر وفي تارخها، تطل على حاضرها ومستقبلها، كما تطل جبالها على سهولها.

وفي مجال الفكر الإسلامي بصفة خاصة كانت هناك قمم عظيمة، بعضها كان ظاهرًا جليًا للناس؛ فأحتفوا بهم الاحتفاء اللائق، مثل العقاد ومحمد حسين هيكل والعلامة أحمد شاكر والشيخ محمد الغزالي وغيرهم، وهناك قمم أخرى حجبها غمام كثيف عن أعين الناس؛ فلم تنل حظها من التكريم اللائق حتى الآن، ومن ذلك الغمام غمام سياسي وآخر إعلامي، وسيأتي اليوم الذي ينقشع فيه الغمام ليبصر الناس جميعًا أي قمم شاهقة كانت وراءه، وأي سمو وشموخ كانت عليه.

في مثل هذه الأيام منذ خمسين عامًا، وبالتحديد في يوم التاسع والعشرين من أغسطس عام 1966، ارتفعت الرايات السوداء لترفرف فوق سجن الاستئناف ليزداد ظلمة فوق ظلمة، والتف حبل الجلاد ليعتصر العنق الذي لم ينحن إلا لله، فسقطت هامة من أعظم هامات الفكر الإسلامي عبر تاريخه، ورجعت النفس المطمئنة إلى ربها راضية مرضية، ترى أي شفافية ونورانية كانت في قلب الأستاذ سيد قطب عندما قال:   «إن كلماتنا ستبقى عرائس من الشمع حتى إذا متنا من أجلها انتفضت حية وعاشت بين الأحياء»، وقد كان، فلم يكن استشهاده -نحسبه شهيدًا والله حسيبه– إلا علامة انطلاق لكلماته وأفكاره، فكتابه العبقري «في ظلال القرآن» طبع قبل استشهاده طبعة واحدة، ثم بعدها وحتى يومنا هذا نفدت منه أكثر من أربعين طبعة شرعية، بخلاف الطبعات غير الشرعية، وكذلك كل كتبه طبعت منها عشرات الطبعات، فهل حقق الطغاة ما يشتهون؟!‍‍‍‍ وإلى الآن ما ذزالت كتب سيد قطب تطبع وتنفد.

ثم تمعن الأقدار في السخرية من الطغاة؛ فتجعل بقدر الله للقمة الشاهقة قمة أخرى موازية، إنه المفكر الكبير محمد قطب رحمه الله والذي توفي من قريب، وأحسب أن في مثله ومثل أخيه. قال الحق سبحانه: «مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا»، كانت كتابات محمد قطب إضافة هامة للفكر الإسلامي، فهو صاحب «واقعنا المعاصر» و«مذاهب فكرية معاصرة»، و«جاهلية القرن العشرين»، تقرأ له فكأن سيد قطب ما زال حيًّا، يكتب بقلمه من خلال يد أخيه، وكأنه عاش ليكتب عن محن المسلمين التالية، ومنها محنة البوسنة والهرسك التي بدأت بعد موته بعشرات السنين، كتب عنها من خلال أخيه.

ارتكزت عبقرية سيد قطب، ومحمد قطب على مرتكزات مهمة تميزا بها عن غيرهما من المفكرين الإسلاميين المعاصرين، حيث جمعا بين عذوبة العبارة الأدبية، وبين جلاء الفكر وشفافيته ووضوحه، والقدرة على البعد عن مؤثرات الحضارة المادية الغربية، والتخلص من رواسبها، فجاءت كتاباتهم تجسيدًا للمنهج الإسلامي وتميزه عن سائر المناهج البشرية، وعندما تقرأ كتاب الأستاذ عباس العقاد «الديمقراطية في الإسلام»، ثم تقرأ بعده «في ظلال القرآن» أو «المستقبل لهذا الدين» أو «معالم في الطريق»، وتجد كيف يوضح سيد قطب بكل ما أوتي من بلاغة وصفاء فكر أن النظام الإسلامي في مجالات الحياة المختلفة، ومنها المجال السياسي نظام مستقل تمامًا، ومتميز تمامًا عن سائر المناهج البشرية الوضعية، ولو تشابه معها في بعض الجزئيات، عندها تدرك كيف أن فكر سيد قطب الإسلامي المتكامل تجاوز في جلائه ووضوحه ودقة منهجه غيره من المفكرين، ومنهم العقاد العظيم، فكان قمة علت على كل القمم، ربما لذا حجبها الغمام حتى الآن.

وينظر البعض إلى فكر سيد قطب على أنه المعين الذي استقت منه الجماعات المتطرفة فيما بعد أفكارها، وأن ذلك يعيب فكره، وهي تهمة باطلة، فإن التطرف وفكر الخوارج تصنعه عوامل كثيرة، والخوارج في كل زمان ومكان يعمدون إلى النصوص فيحملونها ما لم تحمل ويؤولونها على غير وجهتها، فيخرجون بها عن معناها، وهكذا فعلوا مع كتابات سيد قطب الذي لم يقل أبدًا بتكفير المجتمع، وقد كان يشهد الجمع والجماعات مع الناس فكيف كان يكفرهم إذًا؟! وإنما كان يتحدث عن جاهلية المجتمع إذا ابتعد عن تحكيم شرع الله في سائر مناحى الحياة، ولم يستخدم مصطلح الكفر أبدًا لتكفير الأفراد والمجتمعات، كما فعل هؤلاء المتطرفون الذين فعلوا كما فعل أسلافهم الخوارج الأولون الذين كانت كل استدلالاتهم من خلال آيات القرآن يؤولونها على ما يريدون، فهل كان العيب في القرآن أم في تأويلاتهم؟! وكذلك لم يكن العيب في كتابات سيد قطب، وإنما كان العيب في تأويلاتهم، لكنها في النهاية نسبت ظلمًا إلى سيد قطب فحرمت الرجل وفكره من التكريم الرسمي حتى الآن، فلم يأخذ من التكريم والإشادة الرسمية ما يأخذه من هم دونه بكثير، وما زال الكثيرون لم يقرأوا لسيد قطب ولم يتعرفوا على فكره بعد بسبب ذلك الغمام الذي يلفه، ومحروم والله من لم يقرأ للرجل، لقد حرم خيرًا كثيرًا، تقرأ لسيد قطب فتجد عجبًا، وتقلب كفيك دهشة، كأنها سلاسل الذهب تنقلك قطعة ذهبية إلى أخرى، وتحس أن كل فقرة تستحق أن توضع في إطار وتعلق على الجدران احتفاءً بها، أفكار جلية واضحة يصر على أن ينقلها للقارئ ويقنعه بها، فيسوقها له بعدة صيغ كل واحدة منها أحلى وأدق مما قبلها، حتى يصبح القارئ والكاتب وحدة واحدة في النهاية، لا عن سحر أو مخادعة، بل عن اقتناع وفهم، ووسط كل كتب التفسير القديمة والحديثة يبقى «في ظلال القرآن» عملًا لم يسبق في تاريخ الفكر الإسلامي في دقة تدبر القرآن، وربطه بالواقع، ولا تجد كلامًا بعد كتاب الله وأحاديث رسوله يؤثر في النفس، وينطلق إلى أعماق الوجدان مثل كتابات ذلك الرجل، «يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا».

ولا أكتب عن سيد قطب اليوم لمجرد أن أستعيد ذكرى مفكر إسلامي كبير جاد بنفسه في سبيل الله، بل لأننا اليوم أحوج ما نكون إلى قراءة ما كتب سيد قطب، وأن نمكث معه طويلًا في ظلال القرآن، نخلص نفوسنا خلالها من وطأة الهزيمة النفسية التي يشعر بها معظم المسلمين، أمام المد الأمريكي بشقيه الثقافي والعسكري، لقد نجح سيد قطب نجاحًا عظيمًا في إخراج تلك الهزيمة النفسية من قلوب قرائه، وإبدالها بالثقة في الله، وإدراك تهافت تلك الحضارة المزعومة وخوائها، شريطة أن يدرك المسلمون حقيقة لا إله إلا الله ومقتضياتها من تمام العبودية لله، وهو ما نحتاج إلى إدراكه اليوم بأشد مما كانت إليه الحاجة يوم كتبه، رحمه الله لقد كان ثغرًا من ثغور الإسلام، و ما أحسب أن يأتي مفكر إسلامي أو باحث أو داعية من لدن عصر سيد قطب وحتى قيام الساعة إلا وهو متأثر به في الكثير أو القليل، أقر بذلك من أقر وجحد من جحد، يقول رسول الله: «إذا سألتم الله فسلوه الفردوس من الجنة» صححه الألباني في صحيح ابن ماجة وصحيح الجامع، اللهم إني أسألك بوجهك الكريم أن تدخل سيد قطب وأخاه محمد الفردوس الأعلى من الجنة، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأن تجعلنا معهم يا أرحم الراحمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد