من دون أدني شك، أن الدولة التونسية قد حصلت على الإعلام التعددي بفضل سقوط الدكتاتوريات التي كانت تنتهج وتؤمن بوجود الإعلام الشمولي الذي كرس جل عمله خلال عقود سابقة لمهاجمة المعارضين للحاكم المستبد وحزبه.

ما الإعلام الشمولي؟ وهل وجوده مرتبط حصرًا بوجود حكم سياسي شمولي أم لا؟  وهل يمكن أن نتصور وجود هذا الإعلام رغم زوال الدكتاتوريات السياسية في بعض الدول العربية؟

بشكل مؤكد، لم يعد هناك إعلام أحادي أو ذو توجه واحد في الدول العربية التي قامت فيها أنظمة حكم انتخابية تعددية بعد سقوط الدكتاتوريات، فما هو قائم يعبر عن وجود أكثر من توجه إعلامي داخل البلد الواحد باتجاه الدفاع عن الأغلبية السياسية الحاكمة أو باتجاه انتقادها، وهذا أمر إيجابي حتمًا، وبالتالي يمكن لهذا المشهد الإعلامي في إطاره العام أن يعني أنّ الإعلام الشمولي قد زال وانتهى.
في التفاصيل، لا تبدو ممارسة العملية الإعلامية التعددية بهذه المثالية التي نسلم فيها  بـالقول إن الإعلام الموجود هو إعلام حر مائة في المائة في الدول التي نشأت فيها سلطة سياسية منتخبة؛ لأن أخلاقيات الإعلام الشمولي ما تزال تفرض نفسها على هذه العملية لسببين: الأول، أن جزءًا مهمًا من القيادات الإعلامية الراهنة كانت في السابق جزءًا من عهد الإعلام الشمولي، وبالتالي ستحتاج هذه القيادات إلى مرحلة انتقالية أسوة بالقيادات السياسية لكي تنتقل بشكل سلس وفعال إلى العملية الإعلامية الحرة النقية والكاملة، أما السبب الثاني، فيتعلق بعدم قناعة كثيرين من القائمين على العملية الإعلامية التعددية، إن الإعلام يجب أن يدار بمناهج علمية، ولذلك فان الاعتبارات الذاتية والسياسية والإيديولوجية وكل أنواع المواقف المتعصبة ما تزال حاضرة ولها نفوذ قوي.

من أبرز المخاوف والتحديات الراهنة في الدول التي انهارت فيها الدكتاتوريات، أن الإعلام الشمولي تنفس الصعداء بسبب المساحة الواسعة للحريات الفكرية والإعلامية وقد استثمر هذا الإعلام، المناخ السياسي الديمقراطي لكي يستمد منه المزيد من أسباب الحياة والاستمرارية دون أن يدرك أصحاب هذا الإعلام الشمولي أن المرحلة الجديدة تتطلب عملية إعلامية جديدة غير السابقة  لكنهم – أي أصحاب الإعلام الشمولي – واصلوا عملهم بالنفس ذاته والفكر الشمولي الذي يرتكز على مهاجمة الآخر والتشكيك بوطنيته وتخوينه والسخرية منه ورفض شراكته في إدارة الدولة وتجريده من المواطنة،  لذلك كان يجب لتفادي هذه الانتهازية من قبل صناع الإعلام الشمولي أن يتم سن قوانين إعلامية حرة واضحة وصارمة في التعامل مع نهج الإعلام الشمولي لدحره كما دحر النظام السياسي الشمولي.

من أهم نصيحة للدول المتعثرة في الانتقال السياسي السلس إلى دولة ديمقراطية فعالة لها مشروع تنمية ناجح واستراتيجي كما في تونس الذي لم يترجم بعد أسبقيته في الديمقراطية في العالم العربي إلى إبداعات في إدارة الحكم بصورة عبقرية، أن تبادر هذه الدول جميعًا إلى ترتيب الوضع القانوني بأسرع وقت ممكن لدعم الإعلام الحر وتقويض الإعلام الذي يدار بعقلية الإعلام الشمولي؛ لأن هذا الأخير هو احد الأسلحة الفتاكة وأحد الرهانات الحاسمة لتنفيذ الثورة المضادة ضد ثورات الحرية العربية، فهذا الإعلام هدفه المنهجي التشكيك بجدوى الانتقال إلى النظام الديمقراطي، ما يدفع الرأي العام لمساندة عودة الأنظمة الدكتاتورية القمعية، ولهذا الإعلام الشمولي مصلحة حيوية في كل ذلك، وهي القضاء على الإعلام الحر إذا ضمن هذه العودة للدكتاتوريات.

كما أن على الأغلبية السياسية في السلطة التي جاءت بالانتخابات أن تنأى بنفسها عن ممارسة الإعلام الشمولي للرد على الإعلام الشمولي من خارجها؛ لأن ذلك من شأنه أن يؤدي إلى تعزيز فرص التناحر الداخلي، وهذا ما يريده بقايا النظام السياسي الشمولي، وهذا ما يخطط له أصحاب الإعلام الشمولي لكي تفشل تجربة الدولة الديمقراطية، فهذا التناحر لن يدع أي مجال لإنجاز الحد الأدنى من مستويات التنمية للمواطنين، كما أن التناحر سيزيد من الأعباء الاقتصادية والاجتماعية والنفسية والأمنية إلى درجة يمكن معها أن تندلع ثورات شعبية ضد الديمقراطيات نفسها!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الإعلام
عرض التعليقات
تحميل المزيد