تكلم وأنت غاضب؛ لتخسر كل شيء! هذه ليست دعوة للتهلكة، وإنما تحذير شديد اللهجة. ربما يجد المرء راحته في تفريغ ما يثقل صدره من غضبٍ، إلا أنه لو ألجم لسانه لكان أولى؛ فقد يجرُّ عليه لسانه من الويلات ما الله به عليم. وفي ذلك يقول حكيم العرب الحليم الأحنف بن قيس: (من لم يصبر على كلمةٍ سمع كلمات)، وهو القائل: (ربَّ غيظٍ تجرعته مخافة ما هو أشد منه). ما أحوجنا لمثل هذه الومضات التي نغفل عنها بين الحين والآخر؛ فنرى على الشاشات وفي مواقع التواصل الإجتماعي من المآسي ما يفوق الحصر، ولو عدنا لكنوز تراثنا العربي لوجدنا فيها من الخبرات ما نقتات به ويغنينا عن الوقوع في الكثير من المشاكل، كما يفيدنا في أصالة الطرح وتقليل وتيرة الاستعارة من الخارج.

وحين نقلِّبُ صفحات التاريخ نرى العجب العجاب؛ فالذين يرشدون الناس للحيطة والحذر، ويُفترض فيهم الكياسة وحسن التصرُّف، قد يسيطر عليهم الغضب الذي يترك لألسنتهم كتابة السطر الأخير في حياتهم! جرى ذلك في كل العصور دون استثناء، واليوم نعرض لمثالين شهيرين من العصر العباسي؛ هما بشار بن برد وابن الروميّ، وبينما نحن نطالع نكبة هذين الشاعرين؛ فإن الشعر يصحبنا في مسيرتنا هذه لاسيما قولُ الإمام الشافعي:

احفظ لسانَكَ أيها الإنسانُ لا يلدغنك إنه ثعبانُ كم في المقابر من قتيل لسانهِ كانت تهابُ لقاءه الأقرانُ

عندما تحاصرنا الضغوط، ويضيق الصدر، وتتسارع ضربات القلب ويزداد إفراز الأدرينالين؛ فإن اللسان قد يهوي بصاحبه إلى مكانٍ سحيق. تأمل تجربة هذين الرجلين، ثم قارن نفسك بمصيرهما المؤسف؛ لتجد مبررًا قويًا يحدوك لكبح جماح غضب لسانِك، وقد سطر لنا الصديق أبو بكر ذلك في كلمات بديعة بقوله: إن البلاءَ موكلٌ بالمنطِقِ.

بشار بن برد (714 – 784 م)

بشار بن برد بن يرجوخ العقيلي، وكنيته أبو معاذ من أبرز شعراء العربية، وهو من الشعراء المخضرمين الذين شهدوا طي سجل دولة بني أمية وبواكير دولة بني العباس. كان دميم الخلقة، أعمى وأرعث! وقد ضُرِبَ به المثل لقبح عينه فقيل: (عينٌ كعينِ بشار بن بُرد)، وهو إمام الشعراء المولدين الذين ابتكروا وجددوا في الشعر، وكان في شعره مجون، إلا أنه لم يكن السبب الرئيس في قتله كما هو شائع.

سبب قتل بشار بن برد أنه كان سريع الغضبِ سريعَ الهجاء، وقد نهاه الخليفة المهدي عن التشبيب بالنساء، إلا أنه كان يستخف بكل من حوله ولا يقيم لهم وزنًا، ومن ذلك هجائه للخليفة ووزيره يعقوب بن داود، وقد أفحش بشار في هجاء الوزير، ومن ذلك قوله:

لا يأيسن فقيرٌ من غنى أبدًا بعد الذي نال يعقوبُ بن داود
فقد صار بعد إشرافٍ على تلفٍ وبعد غلٍ على الزندين مشدود
أخًا لمهديِّ خلقِ الله كلهم يُوفى به فوق أعناقِ الصناديد
لئن حُسِدتَ على ما نِلْتَ من شرفٍ لقد عَنِيتَ زمانًا غيرَ محسود
بني أمية هبوا طال نومكم إن الخليفة يعقوب بن داود
ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا خليفة الله بين الزق والعود

إلا أن الخليفة كان يستظرفه؛ فيغفر له ما يصدر عنه من تطاول، وفي بعض الأيام أقبل الخليفة المهدي إلى البصرة؛ فأعطى الشعراء ولم يعطِ بشار شيئًا؛ فأتى بشار مجلس يونس النحوي فقال: أهُنا أحدٌ يُحتَشَمُ منه؟ قالوا: لا؛ فأنشدهم:

فليتَ ما أنفقتَ في مصرنا كان جميعًا في حر الخيزران

والخُيزرانُ هي الخيزران بنت عطاء زوج المهدي وأمُّ هارون الرشيد، وقد أراد بشار أن ينفث عما في صدره من وجدٍ وضيق، ولا بدّ للمصدور أن ينفث. حظ بشار العاثر أن بيته هذا قد بلغ، يعقوب بن داود؛ فكان ذلك البيت بمثابة الغنيمة الباردة التي استثمرها يعقوب. قصد يعقوب المهدي وقال له: يا أمير المؤمنين! قد بلغ من هذا الأعمى المشرك أن يهجو أمير المؤمنين! قال المهدي: ويحك! وما قال؟ فلما أنشده البيت؛ أمر المهدي بضبطه وإحضاره في التو واللحظة. كانت النار في صدر يعقوب متأججة، وخشي أن يُقْبِلَ بشار على الخليفة مادحًا؛ فيصفح عنه الخليفة ويضيع ثأر يعقوب الذي أقامه وأقعده؛ فأرسل يعقوب عيونه في البطيحة، فضربوا بشار بالسياط حتى مات.

ابن الروميّ (836 – 896 م)

كان أبو الحسن علي بن العباس بن جُريج (جورجيس)، وشهرته (ابن الرومي) قد ولد يوم الأربعاء بعد طلوع الفجر لليلتين من رجب سنة 221 هجرية في بلدةٍ بالعراق تدعى العقيقة لأبٍ رومي وأمٍ فارسية. توفي أبوه وكان صغيرًا فتعهده أخوه وأمه بالتربية، وتتلمذ على يد النسابة الراوية محمد بن حبيب، وكان صديقًا لوالده. يعد ابن الرومي شاعرًا من كبار شعراء دولة بني العباس من طبقة بشار بن برد وأبي الطيب المتنبي، وهو من طبقة المولدين.

أحبَّ القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب، ابن وزير المعتضد، شعر ابن الرومي؛ فقربه منه وأحسن إليه. ابن الرومي معروفٌ بهجائه المرير؛ الذي لا يحتمله أحد ولعل ذلك هو الباعث على مجانبة الخلفاء اللذين عاصرهم له؛ فلم يدنيه أحدهم منهم. وذات نهار قال الوزير عبيد الله بن وهب لولده القاسم: قد أردت أن أرى من روميك هذا؛ فأحضره واجتمعا في مجلس؛ فلما انصرفا قال القاسم لأبيه: كيف رأيته؟ قال: أرى ما يسوءني ولا يسرني؛ أرى رجلًا صحيح الشعر، سقيم العقل، وهذا لا تؤمنُ بوادِره، وأقلُ غضبةٍ يغضبها تُبْقِي في أعراضِنا ما لا يغسله الدهر، والرأي إبعادُه. قال القاسم: وكيف ذلك بعد اتصاله؟ أخافُ أن يُظهِر ما أضمره؛ فقال أبوه: يا بني! اتبع فيه قول أبي حية:

يقلن لها في السرِّ هديك لا يرح صحيحًا وإلا تقتليه فألمم

فأخبر القاسم بذلك ابن فارس اللغوي وكان من أشد الناسِ عداوةً لابن الرومي؛ فقال: إنما أشار عليك باغتياله، وأنا أكفيك أمره؛ فدسَّ له السم في حلوى تدعى خشكنانجة (كلمة فارسية اشتهرت في العربية باسم خشتنان؛ تتكون من حلقات الرقاق وبداخلها اللوز أو الفستق)، كان ابن الرومي يعشق هذه الحلوى؛ فلما أكل وعربد السم بجسمه، أدرك أنها القاضية؛ فقام يقصد بيته فسأله ابن فراسٍ: إلى أين يا أبا الحسن؟ فقال: إلى حيث أرسلتني، فقال أبو فراس: سلِّم على أبي؛ فقال ابن الرومي: ليس طريقي إلى جهنم. وعاد ابن الرومي إلى بيته، ولم يرَ من طبيبه إقبالًا على علاجه؛ ففهِم أنه لا سبيل لنجاته وأنشد على سرير الموت:

والناسُ يلحون الطبيبَ وإنما خطأ الطبيبِ إصابةُ الأقدارِ

المشكلة الرئيسة عند ابن الرومي أنه كان يتفنن في الهجاء، وله ألفاظ مبتكرة وأخيلة بديعة وكان أبرع من رسم الكاريكاتير الشعري؛ فكان لزامًا على الوجهاء التخلُّص من لسانه. بلغ من جناية لسانه عليه أنه بالرغم من معاصرته لتسعةٍ من الخلفاء العباسيين (المعتصم والواثق والمتوکل والمنتصر والمستعين والمعتز والمهتدی والمعتمد والمعتضد)، إلا أنهم اجتمعوا على إبعاده ولم يحظَ إلا بقربِ الوزير ابن عبيد الذي قضى عليه سريعًا! ولعل ذلك يفسر قول المرزباني في حديثه عن ابن الرومي: (لا أعلم أنه مدح أحدًا من رئيسٍ أو مرؤوس إلا وعاد إليه فهجاه، ولذلك قلت فائدته من قول الشعر وتحاماه الرؤساء).

كان لسانه أطول من عقله، حتى قتله الهجاء

كان ابن الرومي شديد التغير، سريع الانقلاب، ضيق الصدر، مفرط الطيرة غاليًا فيها، وكان عظيم التخوف، كثير التجسس، يراه من يلقاه كالمتوجس المذعور. عاش حياةً تعيسة اتسمت بالقلق والانقباض، وقد انعكس كلُّ ذلك على شعره؛ فكانت نهايته على ذات الشاكلة التي جسدها شعره. ربما كان لقانون التوقع نصيبٌ كبير في حياة ابن الرومي؛ فهو الرجل الذي كان يترقبُ أن تمطره السماءُ بوابلٍ من المنغصات، وقد عانى مما توهمه في نفسه بحذافيره.

لكن هل كان وحده بين شعراء بني العباس يعاني من تلك الصفات؟! والجواب: لا؛ فهؤلاء كُثُر! ولنا معهم وقفات عدة إذ جنى عليهم غضبهم، وتركوا الحبل على الغارب لألسنتهم؛ فكانت جناية اللسان على الأبدان.

احفظْ لسانَك واستعذْ من شرِّه إنَّ اللسانَ هو العـدو الكاشــحُ
وزنْ الكلامَ إذا نطقتَ بمجلسٍ فإذا استوى فهناك حلمُك راجحً

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد