تلعب السياحة اليوم دورًا مهمًّا في اقتصاديات الدول وتحتل مكانًا مرموقًا واهتمامًا عالميًّا من جانب الحكومات والخبراء، حيث الإصرار على أن الدولة التي أخذت في تطوير وتنمية القطاع السياحي فيها تأخذ طريقها نحو التنمية الاقتصادية وتحسين الهيكل الاقتصادي، حيث نتجت من كثافة النشاطات السياحية آثار اقتصادية واجتماعية انعكست إيجابًا على حياة المجتمعات المعاصرة. وقد أدركت دول العالم المختلفة سواء كانت رأسمالية أو اشتراكية، متقدمة أو نامية أهمية هذا القطاع من جوانبه المختلفة  الاجتماعية، والحضارية والثقافية.

بالرغم من هذه الأهمية المتزايدة للقطاع السياحي في العديد من دول العالم، فإننا نجده في الجزائر لم يرتقِ بعد إلى المستوى الذي يكفل بلوغ الأهداف المرجوة منه، وبقيت إنجازاته جد محدودة إذا ما قورنت بالبلدان المجاورة، فبالرغم من امتلاك الجزائر للمقومات الطبيعية و السياحية الهائلة وتربعها على مساحة 2.381.741 كم مربع وبشريطها الساحلي الممتد على مسافة 1200 كم، وبتنوع مناخها وبإمكانايتها الهائلة والتي يمكن أن تجعل منها البلد السياحي الأول في منطقة شمال أفريقيا، كما يمكن أن يكون هذا القطاع مصدر دخل مهم للبلاد وأحسن بديل للذهب الأسود الآيل للزوال، فإن هاته الإمكانيات والمقومات تبقى غير مستغلة على أكمل وجه إلى غاية يومنا هذا، بحكم أن التدابير التي أخذتها الحكومة للنهوض بهذا القطاع ما زالت دون المستوى المطلوب، ومن ثم تبقى مساهمة السياحة في الناتج المحلي الخام ضعيفة جدًّا.

قد يتبادر إلى ذهن الكثيرين سؤال ألا وهو: ألا يمكن لدولة كالجزائر بإمكانياتها الاقتصادية ومقوماتها السياحية الفريدة من نوعها، وبتعدد تقاليدها وتنوع ثقافاتها أن تعمد إلى تطوير قطاع كهذا يدر أموالًا طائلة على خزينة البلاد والعباد؟ وتضمن به مستقبلًا زاهرًا للأجيال القادمة؟ لكن السؤال الحقيقي ليس هنا بل هو ما يمنع الجزائر من فعل كل هذا؟

يتهم بعض الناس الحكومات الجزائرية المتعاقبة منذ الاستقلال على أنها السبب في تراجع السياحة في الجزائر، بمشروعاتها الوهمية ووعودها الزائفة بإنعاش القطاع رغم الملايين التي تصرف هنا وهناك من أجل ذلك، ولكن في الواقع أن الحكومة الجزائرية غير مهتمة أصلا بتطوير هذا القطاع فهي منشغلة في أمور أخرى غير ذلك، فهي تسعى لمكافحة الإرهاب وتعمل جاهدة للقضاء على ظاهرة البطالة وإسكان الشعب، ومنشغلة بالصراعات السياسية القائمة في أعلى هرم السلطة وبالتجاذبات والمصالح الاقتصادية، أو بالأحرى هي تدعي أنها تفعل كل ذلك.

ولكن عن أي سياحة نتحدث وما زالت صورة الجزائر بالنسبة للأجانب على أنها بلد غير آمن نتيجة عشرية دم ونار تسببت في عزل البلاد عن العالم آنذاك، وعن أي سياحة نتحدث وما زال المواطن الجزائري منغلقًا على نفسه يأبى الانفتاح على العالم وقبول الآخر، عن أي سياحة نتحدث والشعب الجزائري لم ولن يقبل فكرة أجنبي دخيل على المجتمع ومخالف للقيم وللعادات والتقاليد الجزائرية يصول ويجول بينهم، وعن أي سياحة نتحدث مع كثرة الانتهازيين الذين يستغلون الأجانب ويبيعونهم كل ما يريدون اقتنائه من مختلف
الخدمات والسلع السياحية وغير السياحية بضعف السعر أو أكثر.

صارت السياحة ظاهرة دولية ضخمة لا يمكن تجاهلها، وصناعة كبيرة لها مكانة بارزة بين الأنشطة الاقتصادية الأخرى، ولم تأخذ مكانتها الفعلية في الجزائر بعد وسيبقى تطوير قطاع كهذا حبيس إرادة سياسية فعلية حقيقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد