مع تفشي مرض «كورونا» العالمي وتحوله إلى وباء أخذ يفتك بالبشرية، تتعالى أصوات الشاذين من هنا وهناك، بين معارض ومستخف، وبين متشدد ومتشمت، وقد ضاع بينهم صوت الاعتدال والشفقة والرحمة، لذلك أحببت أن ةتطرق إلى مثالين من القرآن الكريم، أحدهما أتحدث فيه عن البلاء، والآخر عن نتيجة الصبر عليه.

المثال الأول

«وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ۖ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ» يذكر الله تعالى نبيه أيوب، والذي ابتلي بمرض طال بقائه حتى اخذ مأخذًا عظيمًا منه عليه السلام، ولكنه ولسببٍ ما دعا ربه أن ينجيه من هذا البلاء، وأن يخلصه من هذا الاختبار، ولكونه قد بين قدرته على تحمل المرض ولم يفقد الأمل، ولم يقنط من رحمة الله تعالى، فقد استجاب له ربه وأذهب ما به من ضر، بل زاد على ذلك بتعويضه عما فقده أثناء محنته، ولما لاقاه من عناء الوحدة والشعور بالعزل فإن الله أكرمه برحمته أن أعاد له أهله وزاد عددهم.

«وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ. ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ۖ هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ. وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ. وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ ۗ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ» وهنا في سورة ص يذكر لنا تعالى كيف نجاه وشفاه من مرضه، إذ يقول له: اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب، فجعل علاجه في ذلك الماء والذي لم يسمه ماءً، بل وصفه بأنه مغتسل وشراب، وهذا يدل على أن هذا الماء هو خليط بمواد أخرى رفعت عنه صفته المطلقة.

وما كان ليحدث هذا لو فشل بالاختبار، ولكنه كان كما يقول تعالى صابرًا وعبدًا وأواب (أي كثير الرجوع إلى الله).

من مثالنا الأول نجد أن البلاء قد يصيب الصالح والطالح، ولكنه ليس بالضرورة يكون نقمة، بل لعله نقطة تربية لتحسيس الانسان بحجمه وتأديبه ليكون كما فعل أيوب إذ كان كثير الرجوع لله وصابرًا بالرغم من الضرر، والله يجزي من يصبر بالخير والعوض الحسن ماديًا ومعنويًا.

المثال الثاني

«وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ» في مثالنا الثاني نذكر نبي الله يونس عليه السلام والذي اعتقد أن العذاب لابد أن ينزل على قومه لأنهم لم يؤمنوا بالله، وأن انكشاف العذاب عنهم وعدم نزوله عليهم رغم نذيره لهم وتبليغهم بان العذاب حاصل سيجعل منه كاذبًا، لذلك ذهب مغاضبًا بعيدًا عن قومه، كل المشكلة انه لم يقتنع بما حصل، لذلك أراد الله تعالى ان يضعه في نفس الموقف

«وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ. فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ. فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ. فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ. لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ. فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ. وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ. وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ. فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ».

حيث التقمه الحوت ومن المفترض ان يبقى في بطنه إلى يوم يبعثون، ولكنه ما ان تراجع وطلب المغفرة واعترف بظلمه لقومه ولم يضع في حساباته اأنهم قد تابوا وتراجعوا عن كفرهم بالله، حتى فتح الله له بابًا من أبواب الفرج، ولكنه اثناء ذلك كان سقيمًا لما أصابه من ضعف وهو في بطن الحوت، لذلك سبب له الأسباب وأنبت له شجرة من يقطين، ويظهر أن شفاءه من السقم كان بمعونة هذه الشجرة، وبعد ذلك أرسله إلى قوم آمنوا به وبرسالته.

ومن مثالنا الثاني سنجد أن الله جعل لكل شيء سبب وحرك كل شيء على هذا الأساس، حيث جعله يساهم مع راكبي السفينة فتظهر القرعة عليه ليلقوه منها، ومن ثم يأتي الحوت ليلتقمه ومن ثم يسقم ويجد بعد ذلك ما يشفيه من سقمه في وسط العراء، وبعدها يعوضه لأنه فهم المراد من البلاء وتراجع عما ظنه اول مرة.

ان أردنا ان ننجح في حربنا ضد الوباء علينا أن نتقرب لله تعالى أكثر، وأن نحافظ على حقوق الناس، وألا نكون سببًا في تعاستهم وموتهم وشقائهم، يجب أن نتكاتف معًا بقلب يخلو من البغضاء والظلم والغضب، وأن نصبر ونتراجع عن أفعالنا الخاطئة وأفكارنا المشوهة، ونسعى إلى نشر الألفة، وأن نتكاتف كما فعلت الصين بشعبها، وسيجزون على ما فعلوا وتراحموا بالرحمة والبركة؛ لأنهم تراحموا بينهم فالله سيرحمهم، وعلينا نحن أن نتراحم أيضًا قبل فوات الأوان.

والحمد لله رب العالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد