تشرفت بحضور المؤتمر العلمي «نحو علاقة أفضل مع الغرب» بجزأيه أكتوبر (تشرين الأول) وديسمبر (كانون الأول) 2019، والذي نظمته وزارة الأوقاف والشئون الدينية الفلسطينية بالتعاون مع معهد بيت الحكمة.

استمعت لأفكار بعضها جميل، وأخرى ينقصها الجمال، فالفكرة من حيث الشكل جميلة وتنم عن مساعٍ وأمنيات لخلق عالمٍ متناغمٍ ومتعايش مع ذاته، بعيدًا عن شلالات الدم المتناثرة هنا وهناك بسبب اختلافات كثيرة، لكن جمال الشكل لا يجب أن ينسينا ما على الفكرة من ملاحظات، بل يجب أن يفتح شهية العقل للتساؤل: هل علاقتنا نحن أهل الشرق مع بعضنا على ما يرام حتى ننطلق لعلاقةٍ أفضل مع الغرب؟ وما طبيعة العلاقة المنشودة مع الغرب؟ ومَن الغرب المقصود؟ هل هو الغرب الجغرافي؟ أم الثقافي أم السياسي؟ الرسمي أم الشعبي؟ وهل سيعتذر الغرب عما فعله في الشرق من جرائمه أم سنسامحه، ويا دار ما دخلك شر؟

إن كانت العلاقة بين أهل الشرق على ما يرام فأين الأدلة؟ وإن كانت «لا»، أليس من الأجدى ترتيب البيت الشرقي ثم الانطلاق نحو الغرب؟ وإن كنا نقصد «نحو علاقة أفضل مع الغرب من ناحية دينية» فربما يبدو الأمر صعبًا على اعتبار «لن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم»، وإن كنا نقصدها على المستوى الدنيوي، فالأمر ممكن وفق «الحكمة ضالة المؤمن»، وأما عن الاعتذار لنا، فطالما نحن متفرقون وضعفاء ويذبح بعضنا بعضًا في وضح النهار، فلن يعتذر لنا أحد.

إن التواصل مع الآخر فلسفة إسلامية حثنا عليها الإسلام، إذ قال الله، عز وجل: «وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا»، دون أن يبغي أحدٌ على الآخر، لكن الذي نلاحظه الآن أن الغرب يتغول علينا، ويفعل ما يحلو له دون أن يجد من يردعه، فالجرائم التي يرتكبها الغرب خارج حدوده بحق المسلمين كثيرة، وليس أقلها أنه يساند دولة الاحتلال في إجرامها ضد الفلسطينيين.

إن التفريق واجب بين الغرب الرسمي والغرب الشعبي؛ فالرسمي لا يجهل قضيتنا وأوجاعنا، بل هو من زرع المأساة، وبالتالي فإن على من زرع المأساة أن ينهيها، أما الغرب الشعبي فهم كما سماهم الله في كتابه العزيز «الضالين» الذين يجهلون كثيرًا مما يحدث خارج حدودهم بصورته الحقيقية، بفعل سيطرة داعمي الكيان الصهيوني على وسائل الإعلام والمعرفة، والذين زودوهم بصور ومعلومات مشوهة عن المسلمين، لا تصورهم إلا في حدود التخلف والإرهاب.

لكن ومن باب الإنصاف، ورغم ما للغرب من عيوب خاصة خارج حدوده، فالمنطق يتطلب ذكر مزاياه، فلو نظرنا إلى مدى تمتع المسلمين في بلاد الغرب بحقوقهم ربما يأخذنا الإعجاب لحد كبير بمدى تقدمها على ما يتمتعون به في الدول العربية، وإلا بماذا نفسر ارتفاع معدلات الهجرة العربية للغرب؟ حتى الجرائم التي تقع ضد المسلمين في الغرب أقل بكثير جدًّا من حيث العدد والنوعية من الجرائم التي يمارسها المسلمون بعضهم ضد بعض وفي بلادهم.

إجمالًا يمكن القول بأن فكرة إيصال الفوارق بين الغرب والشرق إلى أدنى الحدود فكرة «مثالية»، بل أقرب للمستحيل من الممكن؛ لأن الفوارق ليست بسيطة يمكن علاجها على فنجان قهوة وبوسة رأس، بل إنها فوارق متغلغلة في الدين والثقافة والسلوك.

الصورة في أثناء تكريمي من الجهات المنظمة للمؤتمر وزارة الأوقاف والشئون الدينية الفلسطينية، ومعهد بيت الحكمة، نيابة عن تجمع مبادري رفح.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد