“لسبب ما، إذا أقررنا أن حياة الإنسان خاضعة لقوانيين، فإن فكرة استمرار الحياة تبدو فكرة بائسة تمامًا”.

“Christopher McCandleess: Into The wild”

يبدو أن كل شيء آخذ في التداعي، ليس ثمة تفسير يبرر استمرار الحياة مرة أخرى على هذه الصخرة البائسة المسماة بالأرض؛ فها هي داعش تجوب الدنيا فسادًا، ومن وراءها يخرج كم مدهش من الجدال، تطمئن أولئك الذين يرون في الدين هلاكـًا، وسلوى لأولئك المطعونين بغزارة المعنى، وفي وسط هذا الجو الرتيب، هناك من يُقتل يوميًّا بسبب فيروس ما، أو بحثًـًا عن حياة كريمة. لم يبقَ منا بعد هذا سوى أن نتمنى مع نيتشه وهو يقول:

“ألا ثمة كوكب قد ضلّ طريقه، يشفق على حال البشرية، فيقرر تدمير مسكنها: الأرض؟!”

في العام 2007 تم عرض فيلم سينمائي يحمل اسم “into the wild” أو “نحو البريّة” والمقتبس عن كتاب يحمل الاسم نفسه للمؤلف “جون كراكور” الذي يحكي فيه قصة شاب يدعى “كريستوفر مكندلز” قد ترك، في بداية التسعينات من القرن المنصرم، أهله وتعليمه وكل التزامات القانون، متجهًا، نحو الطبيعة والبرية، حيث لا قوانين ولا سلطات موجودة هناك.

عمل على إخراج الفيلم الكاتب والمخرج “شين بن” والذي ظل طيلة عشر سنوات في انتظار موافقة أهل “كريستوفر” حتى يتم عرض قصته المثيرة سينمائيًا، وقد جاء الإخراج بدرجة عالية من الفنية جعلت من العمل ينال ثماني جوائز مختلفة، والذي – للمفارقة الطريفة- ليس من بينهم أوسكار! (2)

ربما يرجع الأمر في جزء كبير منه إلى كون القصة لا تروق للأكاديمية ولا تأتي في صفها؛ فالبطل الشاب كريستوفر المنتمي لأسرة ثرية لا يرضى بواقعه المعيش، حيث الدراسة في الأكاديمية، والبحث عن الوظيفة والمال، وحاجات الأسرة المبتذلة وتفككها، إن كل ذلك ربما لم ترغب في مشاهدته الأكاديمية التي هي بنت المجتمع وسليلة المادة.

ومهما يكن من أمر، فقصة كريستوفر تبدأ حيث انتهى، هناك في الجزء الأقصى من الكرة الأرضية: “ألاسكا”، حيث عُثر على جثته عام (1992) موجودة في شاحنة قديمة، وفي رفقته مجموعة من الكتب والأوراق المتناثرة، وكذلك نباتات مسمومة، هي التي تسببت في موته، لتبدأ قصة كريس ورحلته في التوق إلى الحياة.

كريستوفر في رفقة نيتشه، أو في أوهام الحداثة

 

نحو البرية1

ينتمي كريستوفر (الذي قام بدوره إميل هيرش) لأسرة صغيرة الحجم، الأب والأم وأخته الأقرب إليه، يتفوق في دراسته بصورة مذهلة جعلته في المقدمة دومًا، إلا أنه جاء ذات يوم فقرر الرحيل من هكذا واقعه، بعيدًا عن الأهل وبعيدًا عن الدراسة وبعيدًا عن المجتمع برمته، آخذًا وجهته نحو الطبيعة مع النباتات والحيوانات وثمة أشخاص بسيطة يقابلهم من وقت إلى آخر.

ما الذي دفع كريس، رغم تفوقه في دراسته وعيشه الكريم، إلى الاستقالة من عالمه هذا؟ هل هي نزعة مثالية أصابته جراء قراءته لتولستوي وديفيد تورو وجاك لندن ومن ثَمَّ راح يسخط على مجتمعه الاستهلاكي الحديث؟

إن كريس يظهر في كل مرة على أنه ليس بالشخص المثالي والحالم بعيدًا عن الواقع، بل إنه يرغب وبشدة في العيش في الواقع، لكنه الواقع الأصيل وليس المزيف، الواقع المزيف الذي اختلقته الحداثة حتى غدا صورة.

ولهذا نجده يخبر جين (كاترين كينر) المرأة الريفية التي تمتلك هي وزوجها البسيطة شاحنة يتنقلون بها من مكان إلى آخر، يخبرها بعد أن سألته عن مكان أهله، مُجيبًا لها ببلاهة مفرطة: “إنهم يعيشون في كذبتهم في مكان ما”!

إن كريستوفر يبدي في واقع الأمر قدرًا كبيرًا من السخط على واقع عصره، مقتفيًا في ذلك على خطى نيتشه وهو يكشف أوهام الحداثة ويعريها من ادعاءاتها الساذجة والبالية.

فبحسب الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه (1844 ـ 1900)، فيلسوف الصدمات، ما ادعت الحداثة والحضارة الحديثة بتحقيق الراحة ووفرتها للإنسان الحديث، إن هي فُتشت لوجدنها راحة مزيفة، وما تقوله عن السعادة، هي في جوهرها انعكاس لسذاجتها وسطحيتها لمعنى السعادة، وما تخبرنا به عن الأمن وتوفيره لهذا الإنسان، إن حقق أمره، وجدناه أمانـًا هشًّا. (3)

وبالجملة، إن ما يدعيه الإنسان الحديث، في رأي نيتشه، من أمان وراحة وتحرر، إنما هي أمور دلت على تفشي روح القطيع بين الناس في هكذا الزمان، والتي تؤول بدورها إلى ظهور عبودية فيهم مستترة فظيعة.

لم يكن كريستوفر راضيًا، أو مُدّعي الرضا، عن حاله مثل الإنسان المعاصر الذي يبدي قدرًا فظيعًا من “الرضا” غير المبرر على الإطلاق. إن هذا الرضا، أو بتعبير أدق الخنوع، الذي يتمتع به إنسان الزمن الحديث ليس صورة من الإيمان في شيء كما يظهر ويدعي، بل هو عبودية كامنة فيه، عبودية مستترة، بتعبير نيتشه، ما كان ليقبلها كريس ليندمج بيسر في وسطه المحيط، ويقبل على شغله، ويوافق على مجتمعه وتنظيمه اليومي وعمله.

إن جوهر الحداثة هو اختلاق واقع مصور، كما تنبأ جان بودريار (4)، الجميع فيه “يمثّل” وكأنه ينتج فيلمًا كبيرًا، فيلم الحياة المصور. إنه عصر إماتة الواقع بامتياز، عصر لا يبقى فيه سوى الفيلم المنتج، سوى الصورة.

تحكي لنا أخت كريس أن هذه الأشياء، تقصد الأمان المزيف والتحرر الموهوم، كانت هذه الأشياء تجرده من حقيقة وجوده الأصيل، الذي راح يبحث عنه بعيدًا، هناك في الطبيعة حيث هو حر طليق في عالم بلا حدود من الحرية.

 

كريستوفر وعداوة القانون، أو في احتلال عالم الإنسان

 

نحو البرية2

كيف يمكن فهم هذا الموقف من كريس الذي يبدو غريبا؟ ما النازع الذي يسير خلفه؟

ربما رغبة كريس في التحرر من أوهام الحداثة الذي زُجّ به فيها، ونزوعه نحو الطبيعة، هي في واقع الأمر رغبة في عدم التملك، وسمة الحضارة المعاصرة هي، بلا شك، سمة التملك بامتياز.

لعل من هنا بميسورنا أن نفهم كريس وهو يعترض بشدة على والديه اللذان قررا أن يهديانه، احتفالًا بتخرجه من الثانوية، سيارة جديدة عوضًا عن سيارته القديمة (التي تسبب لهم صورة مزعجة أمام الناس) قائلًا لهم: “أنا لا أحتاج سيارة جديدة.. أنا لا أريد سيارة جديدة.. أنا لا أريد كل هذه الأشياء.. كل الأشياء”.

إن امتلاك المرء للأشياء، وزيادتها تحت قبضة يديه، تحدّ من حريته وتكبله، وافتقاده لها وتحاشيها، يزيد من حريته ويعزز من شأنها.

 

لكن يظل ما هو أكبر وأعظم شأنًا من ذلك الذي يدفع كريس للاستقالة من عالمه الزائف، هو الذي يدفعه بحق نحو عالم بلا قيود وأكثر سعة ونقاءً، إنه القانون، القانون وقد غدا في عصر ما بعد الحديث المساحة التي تشمل كل مناحي الحياة.

 

فثمة مشاهد تظهر فيها توغل الدولة والقوانين على حياة الإنسان، أو قل بلغة هابرماس “احتلال عالم الحياة” (5)؛ فنجد مثلًا في بداية الفيلم اعتراض والد كريس على ابنته الذي لمحها وهي تقود السيارة، مبررًا ذلك بأنه مخالف للقانون، لأنها لا تمتلك رخصة تسمح لها قيادة السيارة في المدينة!

 

إن هذا يبدو شيئًا بائسا تمامًا بالنسبة لـ “كريس” وغير مبرر له بصورة أو بأخرى، فكل إنسان لديه الحق في حرية التنقل والحركة متى شاء وأينما شاء.

وبعد أن هرب كريس من تحت نير السلطات والالتزامات، لا تزال تلاحقه أيضًا؛ فحين قرر التجديف في مياه المحيط، وجد سلطة (سواء شركة خاصة أو الحكومة) تمتلك الشاطئ لنفسها لمدة 12 عامًا قادمة، وعلى من يريد أن يجدف بالمياه أن يتبع مجموعة من الإجراءات لزم تنفيذها، كما أنه سيدفع 2000 دولار لأجل ذلك!

ثمة احتكار رهيب لمقدرات الطبيعة تمتلكها مجموعة من البشر أعطت لنفسها الحق في إصدار ما يروق لهم باسم القانون وتحقيق النظام. إنهم يؤكدون على ما قاله فيكتور هيجو يومًا: “إن الله يعطى النور للناس، ثم يأتي القانون فيبيعه” (6). وهو أمر لم يقبل به كريس على الإطلاق، فراح يجدف في المياه، غير عابئ بقانون أو غيره، مستمتع بضربات المياه فوق رأسه وبين جانبيه، مرددًا جملته بعدها:

“لسبب ما، إذا أقررنا أن حياة الإنسان خاضعة لقوانين، فإن فكرة استمرار الحياة تبدو فكرة بائسة تمامًا”.

مجنون.. لكنه صادق!

نحو البرية3

لا يخفي على مُشاهِد قصة كريستوفر في شكلها السينمائي، أن يبدي قدرًا كبيرًا من الدهشة والذهول إزاء شخصية كريستوفر هذه؛ إنه عجيب حقًا أن يحرق المرء كل بطاقته الخاصة بشخصه، دراسته، أمواله.. إلخ! بل مجنون أن يفعل المرء ذلك، فلم يعد بعد الآن شيئًا يُذكر.

ليس المُشاهِد وحده المتعجب من أمر كريس، بل يظهر من خلال العمل مَن هم يظهرون دهشتهم من غرائبية كريس؛ فها هي جين بعد أن عرفت أمر كريس تسخر من أمره وتقول لزوجها: لقد كان بوسعه أن يمتلك شاحنة مثلنا، لكنه قرر أن يحرق كل أمواله!

الحال نفسها مع صديق عابر له، عندما فاجأه كريس بأن القانون والسلطة والقضاء، كلها أمور لا تعني له شيئًا، يُصدم صديقه من هذا القول، قائلاً له في تعبير أكثر دلالة في سياقنا: إنه خطأ يا صديقي، خطأ أن تتعمق في كل هذه الأمور!

لعل أمر كريس عجيب حقًا، لكن ما الشيء الذي يمكن أن يكشف لنا حقيقة شخصيته؟ ربما يكون موهومًا ومثاليًّا مفرط في مثاليته، ما الشيء الذي يظهر صدقه تجاه موقفه غير العقلاني هذا؟ إنه الجنس!

فهنا يظهر مشهد يبدو غير لافت بالمرة، أو هو يُدرج تحت بنود مشاهد الإثارة والفحش، لكن في واقع الأمر إن هذا المشهد يظهر لنا شخصية كريستوفر وصدق نيته في التوق إلى الحياة؛ فعندما تعرض له الفتاة المراهقة (كريستين ستيوارت) بنت ال16 عامًا نفسها عليه، وتخلع ملابسها، يُبدي لها كريس هنا بلاهة مُفرطة، رافضًا بكل لامبالاة فعل ذلك.

لماذا كان الجنس تحديدًا للكشف عن صدق نيّة كريس؟

 

لأن الجنس، بحسب ميلان كونديرا، تختبئ في داخلها سرّ “الأنا” الشخصية، فيه تظهر خصيصة كل منا، ويكمن تفردنا في هذا الجزء الذي يطلق عليه كونديرا بـ”المتعذر تصوره” عند كل إنسان (7)، ولولا هذا المشهد الفاحش، ما ظهرت لنا خصيصة كريس ومدى صدقه في كل ما يفعله ويقبل عليه.

لم تكن وحدها الفتاة المراهقة التي أعرض عنها كريس ببلاهة، فثمة من هم عاريين تمامًا يتسكعون على إحدى الشواطئ، لتظهر لنا خصيصة كريس مرة أخرى بعدم اعتبارهم لهم، والسير في خفة نحو البرية.

خاتمة

 

نحو البرية4

 

لقد اختار كريس الحياة في الطبيعة، بعيدًا عن صخب المدينة ومظاهرها المبتذلة. لقد آثر الحياة المليئة بالتجارب والمغامرة، إن هذه الحياة يكمن فيها إرادة الإنسان وسرّ سعادته. فيها وجد كريس الله: “إن الله موجود في كل مكان، ويساعدك في أي شيء تجربه”. إن حياة تفتقد للتجارب والمجازفة، هي بحق حياة ليس من اليسير عليها أن تعرف الإيمان.

“لتنادي كل شيء باسمه الصحيح، بالاسم الصحيح وفقط.” ينصحنا كريس. إن الأسماء هي أول شيء يتعلمه الإنسان ويخضع له بحسب فهمه لها، فليحترس الإنسان إذن أثناء حياته من أوهام الأشياء وأسمائها؛ فيعرف الحرية حق المعرفة، ويلمس السعادة بحق، ويبحث عن معنى لحياته في صدق.

يعلمنا كريستوفر في قصته أن الحياة ليست أبدًا كما نتصورها ونراها، ولذا: “على الناس أن يغيروا نظرتهم إلى الحياة”، عليهم أن يقرروا لأنفسهم حياتهم بإرادتهم هم، كي يعرفوا معنى الحياة وجمالها، يعرفوا قيمتها في وجود الله. على المرء إذن أن يجازف طيلة حياته من أجل ذلك مهما كلف الأمر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

(1) into the wild (2007): IMDb
(3) الشيخ، محمد، 2008، نقد الحداثة في فكر نيتشه، بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر.
(4) بودريار، جان، 2006، الفكر الجذري: أطروحة موت الواقع، ترجمة: منير الحجوجي، وأحمد القصوار، الدار البيضاء: دار توبقال للنشر.
(5) هابرماس، يورغن، 2003، العلم والتقنية كـ "أيديولوجيا"، ترجمة: حسن صقر، ألمانيا: منشورات الجمل.
(6) هيجو، فيكتور، 1979، البؤساء، ترجمة: منير البعلبكي، بيروت: دار العلم للملايين.
(7) كونديرا، ميلان، 1998، كائن لا تحتمل حفته، ترجمة: ماري طوق، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.
عرض التعليقات
تحميل المزيد