كان العام 1934 بالقاهرة عندما صدر العدد الأول من مجمع اللغة العربية الملكي، وهو الثاني بعد مجمع اللغة العربية بدمشق عام 1919، احتوى العدد الأول على مقالة هامة وطويلة نشرت تكملتها في العدد الثالث للمجلة بعنوان اللهجة العربية العامية للأستاذ عيسى إسكندر المعلوف عميد الأسرة المعلوفية التي ينتمي إليها الأديب الكبير أمين معلوف. عرضت المقالة مؤلفات القدماء والمعاصرين للكاتب التي تناولت موضوع العامية بداية من عام 191هـ/ 806م  وقد أشار الكاتب تحت عنوان فرعي – اللغة العربية العامية – إلى الجدل الدائر وقتها حول العاميات وعواقبها على الفصحى وخاصة بعد أن قام الألماني ولهلم سبابتك أمين دار الكتب بالقاهرة بنشر كتاب بالعامية المصرية تم تدوينه كاملًا بحروف لاتينية.

صدر العدد السابع من المجلة وقد احتوى على مقالتين محوريتين حول العامية المصرية؛ المقالة الأولى كانت للأستاذ محمد فريد أبو حديد والذي رسم من خلالها طريقًا واضحًا يهدف إلى التقريب بين اللغتين العامية والفصحى، وقد كان حازمًا في موضوع تسمية العامية باللغة وليست لهجة كما أشار سابقوه، وحدد معالم هذا الطريق التي نستطيع من خلالها الوصول إلى تضييق الهوة المتسعة بين لغة محكية وأخرى محفوظة بالكتب في ثلاث خظوات:

  1. تأصيل ألفاظ العامية وتمييز اللفظ العربي ثم إجازة ما يمكن إجازته داخل المعجم.
  2. دراسة العامية بلهجاتها المختلفة وفهم أسلوبها.
  3. تقعيد العامية وفهم نظامها.

وقد أثارت مسألة تأصيل العامية ورد ألفاظها إلى القبطية أو العربية أو العثمانية أو غيرها اهتمام اللغويين بل يكاد يكون كل ما كتب لاحقًا قد ركز على مسألة التأصيل تلك.

أما مسألة دراسة لهجات العامية فقد كان ذلك موضوع المقالة الثانية لخبير لجنة اللهجات بالمجمع الدكتور خليل عساكر؛ حيث أشار في مقالته المعنونة باسم الأطلس اللغوي إلى أهمية تسجيل اللهجات جغرافيا على خريطة وعرض في مقالته التجارب الغربية حول هذا الشأن، وقد تحمس عباس العقاد لتلك الفكرة في عدد من مقالاته وضح فيها الفوائد الجمة التي ستعود على واقعنا اللغوي.

أما مسألة تقعيد العامية وفهم أسلوبها ونظامها، فقد ندر الخوض في تلك المسألة نتيجة لاعتقاد سائد بأن العاميات لا قواعد لها أو هي تشويه وانحراف عن قواعد النحو الفصيح، ومن أبرز الكتب التي تناولت هذا الشأن؛ كتاب تحريفات العامية للفصحى لأستاذنا الكبير ورئيس مجمع اللغة العربية سابقًا الدكتور شوقي ضيف. أما فكرة النظر للعامية بوصفها لغة مستقلة لها قواعدها الخاصة بها وليست تشويها للفصحى، فقد اشتغل واهتم بها بعض اللغويين العاملين في مجال تدريس اللغة العربية للناطقين بغيرها، حيث كانوا أكثر قدرة على الإحساس بوجود نظام ما يحكم تلك العاميات بحكم عملهم وأسئلة طلابهم الأجانب، وبالرغم من أن الكتابة ظلت في هذا الشأن محدودة وموجهة لطلابهم دون غيرهم، إلا أنها كانت محاولات رائدة في مجال لم يتم التطرق إليه، وقد جاء كتاب «مصري على أبوه» والذي كتب باعتباره مرجعًا لقواعد العامية المصرية لكاتب المقال إضافة جديدة لتلك المحاولات، وخطوة على الطريق قد تفتح بابا يساهم في محو الازدواجية التي يعاني منها الواقع العربي.

والكتاب الذي تمت كتابته بالعامية المصرية، والذي يعتبر الأول من نوعه من حيث عدد القواعد المجمعة وطريقة طرحها، قد حرص فيه كاتبه على وضع إطار أولي قد ينظم ويحكم الكتابة العامية التي انتشرت في الصحف والروايات وغيرها بشكل غير مسبوق.

وقد اشتمل الكتاب على أكثر من 50 قاعدة تغطي الاسم والفعل والحرف، كما احتوي على وحدة كاملة لأهم الكلمات الصوتية والتعبيرات الشائعة وخاصة الدينية منها والمنتشرة في حوارات المصريين اليومية، كما ضم بين دفتيه مجموعة من الجداول تتناول أوزان الأفعال المختلفة ومصادرها. وأما بخصوص الكتابة فلم يستخدم الكتابة الصوتية للعامية (شكرن جدن) إلا من بعض الاستثناءات، وجعل الأساس في الكتابة هو الفصحى، كما لم يتفق مع كل من تطرف في كتابة العامية من خلال تجاهل أي لفظ أو تركيب فصيح، بل آمن بحرية التنقل بين المفردات والتراكيب الفصيحة والعامية كمرحلة وسيطة وكبداية طريق قد يصل بنا إلى لغة واحدة كتابة وتحدثًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد