لا يستطيع أي متابع أو مهتم للشأن المصري أن يقول بنفس راضية وضمير مُستريح بأن مصر وشعبها بخير، ولعل المُدقق في الصورة المصرية سيجد تمازُجًا عجيبًا في نفس وقلب وعقل الشعب المصري، بين الغضب والقلق. «غضب» مما حدث بالأمس، وأول الأمس (الماضي) و«قلق» على اليوم والغد (الحاضر والمستقبل).

ومن يريد تأكيدًا على ذلك فلينظر إلى مسرحية الانتخابات الرئاسية التي تُشبه المسرح العبثي، ومن خصائص المسرح العبثي: أنه مسرح بلا حبكة منطقية لها معنى، والأفكار فيه غير متسلسلة وغير منطقية، والحوار فيه ليس محكمًا، ثم هو أخيرًا مسرح يمزج بين الكوميديا والتراجيديا أو ما يطلق عليه (التراجيكوميديا).

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏3‏ أشخاص‏، و‏‏أشخاص يقفون‏‏‏

وذلك ما نراه بالضبط اليوم أمامنا في الواقع المصري مزيجًا من الدراما التي تستدر الدموع وتبعث على الحزن حتى الأسى مع مزيج من الكوميديا التي تُحرض على الضحك! كأننا نشاهد مسرحية من مسرحيات «صمويل بيكت» المُغرقة في العبث.

 ملاحظات على أداء الرئيس

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏5‏ أشخاص‏، و‏‏‏بدلة‏ و‏زفاف‏‏‏‏

منذ ظهور الرئيس «عبد الفتاح السيسي» على المشهد وحتى اليوم يحتار الكثيرون في توصيف وتحليل شخصيته، فهناك من يضفي على الرجل صفة البطل (الملهم) ومن صفات تلك الشخصية، أن له حالتين:

الحالة الأولى: داخلية، حيث يقوم البطل باستخدام حدسه ليأخذ موقفًا من الأشياء من حوله.
والحالة الثانية: خارجية، ومن خلالها يقوم البطل بالتعامل مع المواقف حسب ما يؤمن به ويتوافق مع مبادئه. البطل إنسان دافئ ومليء بالمشاعر، لديه هبة يتميز بها عن جميع الأصناف الأخرى وهي، إلهام وتحفيز الناس. يعيش البطل أو الملهم في عالم مليء بالفرص والاحتمالات. وكونه يعتبر الحياة عطية خاصة، يحاول أن يستفيد من كل لحظة وكل فرصة يمكنه استغلالها.

وهناك من يرى الرجل مُصابًا بعقدة «أوديب» ومعروف أن هناك أعراضًا تصاحب من تتملكه تلك العقدة منها: الشعور بالذنب، واستعداد للخضوع أمام الأقربين منه، وتردد في اغتنام الفرص، عقاب من النفس، وخوف من الناس، ورغبة في تعذيب الغير والشعور بلذة من هذا التعذيب.

فى حين يرى آخرون أن شخصية الرجل أقرب للشخصية «التراجيدية»، وتلك الشخصية في نظر «أرسطو» تتسم بصفات أربع: الفعل الذي نُعجب به أو نرثي له، وانسجام خلقها المكتسب مع خلقها الفطري، والتمسك والإصرار، والتشابه بينها وبين ما ترويه المأساة.

وبعيدًا عن تحليل شخصية الرجل (التي تنتقل بدون مقدمات منطقية من «البطولة»، لإصابته «بعقدة أوديب» إلى الشخصية «التراجيدية»!) فقد كنت من موقع المتابع المهتم للرجل وللحدث يلفت نظري علامات قد يكون لها دلالات وقد خرجت منها بمجموعة من الملاحظات على أداء الرئيس خلال الفترة الماضية.

الأولى: إن الرجل منذ بداية التفويض الذي مُنح له يحاول لملمة أطراف الدولة بحذر  وقد نجح في قطاعات، ولم يحقق نتائج مرجوة في قطاعات أخرى، وذلك منطقي، ولكنه في المقابل فشل في إزالة آثار الاحتقان الوطني الذي عاشته ولا زالت تعيشه مصر  ولعله زاده بعدد من قراراته السابقة واللاحقة.

الثانية: أن الرجل بدا لي وكأنه يمتلك جدول أعمال ينفذه بندًا بعد بند، فبعد التأكد من إبعاد التيار الديني (للحق كانت تلك رغبة الجماهير الواسعة التي خرجت في 30 يونيو)، واطمئنانه بعدها من قبول القوى الدولية الكبرى بذلك العمل اتجه إلى محاولة إعادة المشهد المصري لما كان عليه قبل (25 يناير 2011) ورغم نجاحه في قتل صوت الاحتجاجات في الشارع عن طريق القبضة الأمنية الحديدية. ورغم خفوت بل محو أي صوت معترض في الإعلام عن طريق الاحتواء الناعم أو التطويع الخشن بصناعة ولاءات وإقامة علاقات وشراء أقلام بعض الكتبة في أغلبية الصحف وإعلاميين في القنوات الفضائية، ومن تبقى تم التعامل معه وإسكاته عن طريق حملات التشويه الممنهج أو الاستبعاد الكامل من المشهد.

الثالثة: الرجل مهتم بأساليب الحرب النفسية (فهو لم يحسد جمال عبد الناصر على شيء إلا إعلامه!) وبإعادة تشكيل مؤسسات صناعة الوعي كالإعلام (المرئي تحديدًا) فقد قامت الأجهزة الأمنية بشراء القنوات الفضائية المعروفة، وكذلك تم إنشاء قنوات جديدة بأموال تلك الأجهزة، تُشرف عليها قيادات تلك الأجهزة وتقول لمن يظهرون على شاشتها: (ما الذي يقولوه وما الذي يجب ألا يقولوه!) ولعل المشهد الإعلامي المصري اليوم ينطبق عليه بيت شعر «المتنبي» القائل:

«فإن كان بعض الناس سيفًا لدولة ففي الناس بوقات لها وطبول»!

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏3‏ أشخاص‏

 الرابعة: أن الرئيس يبدو أنه غير مستريح في أدائه، فهو لا زال «يشعر بعدم انسجام مع المكان الجديد» أي أن «الجنرال العسكري» الذي كان ذات يوم لم «يتأقلم» بعد مع «الرئيس السياسي» الذي حل محله داخل ثيابه الآن وهو أمر لا يتوفر بمجرد خلع البزة العسكرية وارتداء البدلة المدنية، وآية ذلك هو أسلوب ومنطق الأمر العسكري في تصريحاته مثل قوله للشعب المصري: «ساعدوني ونفذوا التعليمات بس». و«متسمعوش كلام حد غيرى»! وذلك كله يُجافي المنطق السياسي للأمور اليوم، ولكنه يتماشى مع الواقع العسكري الذي كان فيه بالأمس.

الخامسة: الرجل يُصر دون مبرر  مقبول أو ضرورة مُلحة على الحديث للناس دون ورق مكتوب، وهو غير مستعد لذلك من حيث عدم امتلاكه لملكة الخطابة والثقافة اللازمة والقدرة على التعبير بطلاقة مما أوقعه في مطبات حرجة استغلها ضده معارضوه قبل أعدائه والأمثلة لها أول دون آخر مثل «إلى يقدر على ربنا يقدر علينا» و«محدش يقول لي هنجيب منين؟! أنا كمان أجيب منين؟» و«الناس شبعت من الجوع وشربت من العطش

السادسة: الرئيس «السيسي» يحاول منذ أول يوم لظهوره على الساحة السياسية أن يصدر للشعب المصري صورة الرجل الذي (يجلس في الموضع الأخلاقي الأعلى)، «فهو الحاكم القريب من ربه ومن شعبه، والذي على استعداد لترك منصبه إذا لم ير البسمة على وجوه المصريين حين يخاطبهم!»(هكذا قال).  وهو الآن مثلًا يحاول أن يبدو في تصريحاته رجُلًا لا يرُد على الذين يهاجمونه، إنما هو نصف «شهيد» ونصف «ملاك» هذا بينما وزراؤه وبرلمانه وصُحفه وإعلامه وكُتابه وكَتبته ورجال أعماله وسياسيوه يعوون ويصرخون ويسبون ويشتمون ويشوهون كل من يعارض الرئيس في سياساته أو يختلفون معه في آرائه ورؤاه.

السابعة: الرجل ومن حوله استطاعوا أن يضعوا قطاعًا عريضًا من الشعب المصري أمام خيار متعسف مؤداه أن الذين يعترضون على الأمر الواقع الحالي بما فيها تلك الإجراءات القمعية (على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي) ليس أمامهم الا أن يواجهوا المستقبل المظلم تحت حكم التطرف الديني بوجه وتقاطيع (الإخوان المسلمين وحلفائهم).

الثامنة: الرجل يواجه صراع أجهزة وهو يقف إزاءه حائرًا، فقد جرب تغيير  بعض القيادات واستبعاد البعض الآخر والنتيجة غير مرضية بالمرة، والدليل تلك التسريبات التي  نسمعها ونراها كل فترة، وهى تهز أركان النظام وتنحر فى  مشروعيته.

التاسعة: أن الرجل وجد مصر تواجه العديد من المشاكل والصعوبات، وهو يحاول أن يجد لها حلولًا خارج الصندوق!، ولكن تلك الحلول رغم ترويجها إعلاميًا،الا أنها لم تُقنع كثيرين في مدى جدواها، وذلك سبب أزمة مصداقية تزيد ولا تنقص وتتسع ولا تضيق بين قرارات الرئيس وقطاع عريض من الجماهير يتنامى كل يوم.

العاشرة: أن الرجل لا يمتلك رؤية اجتماعية للطبقات الأشد فقرًا، والأكثر عوزا في مصر، وهو يسير بالمبدأ الرأس مالي الكلاسيكي «دعه يعمل.. دعه يمُر» بدون النظر لتبعات ذلك على الطبقات الأشد فقرًا وعوزا.

الحادية عشر: الرجل من المدرسة العملية البعيدة كل البعد عن مبدأ (الثوابت والمحرمات)، والتي تتفهم ومن ثم تتقبل بمنطق «الصفقات»، ولعل اتفاقية «صنافير وتيران»: وكذلك ما يطلق عليه «صفقة القرن» لتصفية القضية الفلسطينية خير مثال على ذلك، وذلك حتمًا أثر بالسلب على صورة الرئيس في الشارع المصري.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏بدلة‏‏‏

إن كل ذلك جرى ويجري وسط ما يُطلق عليه عملية إصلاح اقتصادي (مكرر للمرة الثالثة، مرة أيام «السادات»، وأخرى أيام «مبارك»، واليوم يتكرر نفس المصطلح على لسان السيسي!) اقتضت كما يقول الرئيس اتخاذ قرارات صعبة ومؤلمة على المواطن البسيط مما استهلك صورة الرئيس وحكومته، وانعكس ذلك في حالة ضيق وغضب أصبح محسوسًا بقوة خصوصًا مع تعويم الجنية مما نتج عنه رفع الأسعار أضعافًا مضاعفة على المواطن المطحون بين مطرقة الفقر وسندان العوز، وترافق ذلك مع موجة من الإرهاب الدامي (من سيناء إلى القاهرة) قاسى منها المجتمع المصري ولا يزال، وقد خلف ذلك الإرهاب وراءه صور دامية وأعين دامعة وقلوب موجوعة وأكباد محروقة بلوعة الفراق والألم.

وفي ذلك المناخ الحافل بكل أسباب الاستفزاز الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والأمني. تأتي تصرفات النظام في معالجة الأزمات على طريقة مقولة الرئيس الأمريكي الأسبق «فرانكلين روزفلت»: «تكلم بلطف واحمل عصا غليظة». فهو يتحدث بمنتهى الرقة ولكن تصرفات أجهزة النظام تنطلق بمنتهى الغلظة. وذلك يخلق فجوة تتسع يومًا بعد يوم بين القول والفعل وبين الظاهر والباطن وبين المعلن والخفي وكل ذلك يخصم حتمًا من شرعية النظام.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏2‏ شخصان‏، و‏‏أشخاص يقفون‏‏‏

واليوم في مصر العدل «ضائع»، والحرية «سجينة»، والمجال العام جرى سده والسياسة جرى «تأميمها» بحجة الحفاظ على الدولة المصرية من المؤامرات الداخلية والخارجية.

فالأحزاب: أغلبها ورقية يقودها مجموعة من الرجال أصبحوا مترهلين بحكم كبر السن أو بمرض الطمع في منصب.
والإعلام: أصبح اتجاهًا واحدًا ولا يسمع إلا صوتًا واحدًا، ولا يعزف إلا لحنًا واحدًا ولا يردد إلا نشيدا واحدًا لمستمع واحد!
والبرلمان: اليوم أصبح أسوأ من برلمانات مبارك، فاليوم ممنوع داخل البرلمان أي معارضة ومن لا يلتزم بالحدود الموضوعة سيواجه مصيره الذي قد يصل إلى الطرد من جنة المجلس ونعيمه!

وذلك كله يضع شرعية النظام ومشروعية السلطة على المحك الذي يُشبه الوقوف على حد السكين!، وخصوصًا حينما ينسى النظام السياسي وصانع القرار فيه أن تعسفه في استخدام قوته وتجاوزه حدود تلك القوة بعيدًا عن الأُطر الدستورية والقانونية «تخصم من شرعيته وتزيد من كراهيته وتُحرض على إزاحته»!

وللتذكرة فقط فإن الاتحاد السوفيتي الذي كان يمتلك ألف رأس نووي، وكان «خرشوف» يقول لزملائه في المكتب السياسي:

إن ما نمتلكه من أسلحة نوية يستطيع تدمير الغرب كله مرتين.. في حين أن مرة واحدة تكفي!

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏ليل‏‏‏

إن تلك الإمبراطورية الكبيرة (إمبراطورية الشر كما كان يصفها تشرشل!) برغم كل السطوة البوليسية والاحتياطات الأمنية فيها لم تحافظ على الإمبراطورية الشيوعية من التفكك والتفسخ والانحلال، ثم السقوط في النهاية كمتعبد ركع على ركبتيه!

ثم أن المسئولية التي يطلب الرئيس السيسي من الشعب أن يتحلى بها لا يمكن أن تكون إلا نتيجة للحرية. ولا يمكن أن يشعر الشعب بالمسئولية لأن أحدًا مهمًا بلغ مركزه يقول له: اذهب والمسئولية في يدك.. اذهب والمسئولية عليك!

ذلك مستحيل. إنما الشعور بالمسئولية يأتي نتيجة مباشرة لممارسة الحرية عمليًا، وبتجربة الصواب والخطأ دون خوف ودون رهبة ودون ابتزاز.

فالحرية مناقشة، والحرية نقد، والحرية نقد ذاتي، والحرية ثقة بالمجتمع وبالنظام السياسي فيه.

ويجب أن يعلم الجميع أنه: «لا يمكن أن يُساق الناس إلى الجنة الموعودة بالعصا الغليظة» كما كان يقول «نيكيتا خروتشوف» عن أفعال «جوزيف ستالين»!

ولا يمكن أن يُدفع الناس عنوة حتى إلى الأماني الكبيرة، فذلك تفكير ثبت خطؤه وأسلوب ثبت فشله مع قوة نظام الفوهرر «أدلوف هتلر» في ألمانيا النازية و«جوزيف ستالين» الحديدي في روسيا الشيوعية والدوتشي «بينتو موسوليني» في إيطاليا الفاشية والجنرال «توجو» في اليابان العسكرية والسيناتور «مكارثي» في أمريكا الظلامية!

ومنذ 30 يونيو 2013 حتى اليوم تدفقت مياه كثيرة تحت الجسور، تغيرت أحوال وتبدلت مواقف واختلفت مواقع. ولم يكن أحد يظُن أو يتخيل أن تزداد المسافات بُعدًا إلى هذا الحد، وأن تزداد دواعي التصادم بين حلفاء الأمس (فرقاء اليوم) احتمالًا إلى هذه الدرجة وبهذه السرعة.

وبعد كل هذا وذاك فإن نظرة واحدة على المشهد المصري تستطيع أن تُرينا الكثير والكثير، فكله بغير استثناء مزعج أو محزن أو مؤلم أو مخز، ثم إن بعضه أصبح مأساويًا والكثير منه صار دمويًا.

وأخيرًا: فلنسع لجعلها ديكتاتورية أكثر تشارُكية

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد