عندما تحدث ماكرون عن سجل حقوق الإنسان في مصر، ووصفه بأنه أسوأ من عصر مبارك، أجاب السيسي متحايلًا بأن مفهوم حقوق الإنسان يختلف من دولة لأخرى ومن منطقة لأخرى، فعاد ماكرون وتحايل بالحديث عن أهمية الاستقرار بالمنطقة.

هذه كلها ألعاب لغوية يتم التحايل بها من قبل الطرفين على وعي المتلقي الفرنسي والمصري والعالمي، فكما أن السيسي سفاح ويمتلك واحدًا من أكبر السجلات الإجرامية في مجال حقوق الإنسان، قتلت شرطة ماكرون 11 متظاهرًا فرنسيًّا من أصحاب السترات الصفراء حتى اليوم، كما أن الحكومة الفرنسية تحت رئاسة ماكرون هي أكبر مصدري أسلحة القمع إلى الأمن المصري.

ولكن ما أحاول الإشارة إليه في هذا المقال هو جذور هذه الألعاب اللغوية وغيرها من أشكال التحايل حول معنى مصطلح ما فيما يعرف في علوم اللغة واللسانيات بالإحالة، فأي علامة «قلم، شجرة، كتاب، حقوق إنسان، استقرار، شهيد، ربيع عربي …إلخ». هي علامة مجردة لا تحمل أي مضمون في ذاتها، ولكنها تحتاج إلى ما يسمى بالإحالة اللغوية حتى يقوم الوعي بترجمتها وربطها بمرجعها الواقعي المتعارف عليه، فاللغة ليست توقيفية مطلقة (محايدة) كما كان يفترض قديمًا، والكلمة ليس لها أي دلالة على شيء في ذاتها، بل إنها تحيل إلى هذا الشيء ليس أكثر، فاللغة حدث تاريخي، وهذا الحدث التاريخي يقع ضمن شبكة ضخمة من الإحالات التي ترتبط بالزمان والمكان والعلاقات حول أدوات الإنتاج، وداخل هذه الشبكة شديدة التعقيد هناك مراكز للهيمنة وإعادة إنتاج الهيمنة لخدمة شكل معين من أشكال الإحالة بحيث يخدم مصالح الطبقة المهيمنة تاريخيًّا، ويقوم بترسيخ هذا الواقع المزيف للغة بالشكل الذي يرضي مصالح هذه الطبقة، فالوعي البشري إذن يسبح داخل محيط ضخم متلاطم الأمواج من الإحالات اللغوية التي تنتجها مراكز الهيمنة في كل ثانية.

وعندما يقول ماركس إن الوعي السائد هو وعي الطبقة السائدة، فهو يقصد هذا المعنى، وهو أن اللغة، عبر ما يسمى بالإحالة، هي انعكاس مكثف لطبيعة العلاقات حول أدوات الإنتاج وترجمتها لها، وبالتالي فعندما تسود طبقة ما فإنها تخلق معجمها الخاص ومؤسساتها الأيديولوجية الخاصة، التي تصيغ أشكال الهيمنة اللغوية الخاصة بها، وذلك عبر فرض تصوراتها (إحالاتها) الخاصة حول مدلول كل علامة أو مصطلح، ثم تقوم عبر مؤسساتها باعادة إنتاجها بشكل يومي، حتى تتحول خطاباتها الزائفة هذه إلى واقع لا فكاك منه في وعي جماهير المتلقين لهذا الخطاب.

ليس هذا فقط، ولكن كون اللغة هي المادة الخام للفكر، فإن هذه المؤسسات تصبح قادرة مع الوقت على فرض منهج فكري وسبل في التعامل مع المعلومات، تجعل من الفرد قادرًا على تقبل المعلومة ونقيضها معًا دون أي غضاضة (كما نجد لدى الكثير من السيساوية مثالًا)، أو عمل تناقض بين ما هو اقتصادي وما هو سياسي كما لدى بعض المفكرين (بمن فيهم مفكرين يساريين مثالًا آخر).

ونلاحظ هنا استخدام السيسي (النهج/الإحالة) المهيمنة حول الفصل بين الاقتصادي والسياسي في سياق دفاعه عن نفسه ضد الاتهامات بمخالفة حقوق الإنسان، بالإضافة إلى استخدامه (نهج/إحالة) مهيمنة أخرى هي أفضلية الرجل الأبيض وأحقيته بالديمقراطية على عكس سكان جنوب المتوسط غير المؤهلين لممارسة الديمقراطية، وكلها إحالات مهيمنة رغم عدم علميتها.

كما نجد أن كل ما فعله ماكرون، والذي يواجه موجة احتجاجية كبيرة في بلاده ضد نفس سياسات التقشف النيوليبرالية التي يمررها السيسي في مصر، هو محاولة عمل هجوم بسيط على سياسات السيسي لإرضاء الداخل الفرنسي الغاضب (مع استمرار الصفقات للحفاظ على «استقرار مصالح البرجوازية بالمنطقة» بالطبع).

ولكن لأن الأصل في التاريخ هو الجدل والصراع حول أدوات الإنتاج، فدائمًا ما يحدث أشكال عدة من الخلخلة في طبيعة هذا الخطاب نتيجة لهذا الصراع، بما فيها صراع على أدوات إنتاج هذه الخطابات المهيمنة نفسها مثل الإعلام والمناهج التعليمية…إلخ، وبالتالي تنكشف نسبيًا طبيعة هذه الإحالات ونسبيتها، وتطفو على السطح تأويلات وإحالات جديدة لنفس المصطلحات، وهذه الخلخلة المستمرة، تعكس باستمرار مدى وعي وتنظيم شبكات المصالح حول أدوات الإنتاج.

ولهذا فإن وجود بديل ثوري منظم منحاز إلى الطبقة العاملة ويستند إلى نظرية ثورية، ليس ترفًا من قبل الأنتلجنسيا الثورية، ولكنه فرض عين لخلق معجم جديد للبروليتاريا على الجانب الآخر من المتاريس، يمكنها بوصفها طبقة من خوض معركة على الهيمنة مع المؤسسات الرأسمالية، والكفاح ضد الأيديولوجيا البرجوازية وخطابها السائد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد