هناك كثير من التعليقات للأطباء على موقف مجلس نقابة الأطباء من نوع  «النقابة اللي مفيهاش صايع حقها ضايع» و«انتوا محترمين (المقصود المجلس) عايزين تاخدوا حقنا بالقانون، بس البلد دي عايزة اللي مش محترم، وبياخد حقه بدراعه»، هذه الجمل، وتقريبا بنفس الصياغات، تم ترديدها بعد ثورة يناير، وما بعدها؛ تعليقًا على الخيانة التي تعرضت لها الجماهير من قبل نخبها الإصلاحية. واسمحوا لي هنا أن أناقش السؤال: لماذا خرجت هذه الجمل من وعي الجماهير الثائرة حاملة هذه الصياغة؟

إن اللغة – أية لغة – ليست توقيفية مطلقة «مفارقة للتاريخ» كما كان يفترض السابقون، ولكنها توفيقية رمزية «تاريخانية» مثلها كمثل العملة ليس لها مدلول محدد خارج عملية التبادل المحددة بالزمان والمكان والصراع الطبقي، فاللغة أداة لتبادل الأفكار، ومرآة للعقل «الوعي» الذي هو مرآة لطبيعة العلاقات حول أدوات الإنتاج، كما أنها أيضا تحمل التفاوتات في وعي كل من البرجوازية بشرائحها المختلفة، والبروليتاريا بشرائحها المختلفة، حول فهم كل منها لطبيعة العالم.

ولكن، ولأن في المجتمعات «الوعي السائد هو وعي الطبقة السائدة»، بالتالي كان من الطبيعي أن تخرج اللغة المنطوقة في المجتمعات البرجوازية حاملة لرؤى وانحيازيات البرجوازية  التي تمتلك أدوات تشكيل الوعي المختلفة، ولكن في نفس الوقت تظل هذه اللغة معبأة بحالة توازن القوى، والجدل المرتبط بطبيعة اللحظة التاريخية في القلب من الصراع الطبقي، وهو ما سنجده في الخلاف المعجمي حول العديد من المصطلحات، مثل مصطلح «الثورة» أو «الإضراب» و«الاعتصام» … إلخ، ليتفاوت الموقف منها تبعًا للشريحة الطبقية التي تطرحها، ومدى وعيها بمصالحها الاستراتيجية وقدرتها على تنظيم صفوفها؛ لفرض معجمها الخاص، وبسبب غلبة البرجوازية  يهيمن معجمها، فالمدلول للمنطوق هنا سيكون هو مدلول الطبقة المهيمنة.

وفقًا لهذا، فالمقصود هنا بـ «المحترم»، وفقًا للمعجم البرجوازي، سيكون هو الإصلاحي الهادئ «المؤدب» منخفض الصوت في المطالبة بحقه، والذي هو غير الخطر على وجودها، بينما سيكون المقصود باللفظة وفقًا للمعجم البروليتاري هو «الانتهازي» الذي يتخذ أنصاف المواقف المهادنة الرجعية تجاه الطبقات العاملة وحقوقها، ولأن المعجم المهيمن هو المعجم البرجوازي،  تخرج لغة الخطاب معبرة عنه، دون إهانة، وتفرض نفسها على معجم البروليتاريا.
وفي المقابل فالمقصود بـ «الصايع» وفقًا للمعجم البرجوازي سيكون هو صاحب الصوت العالي «اللي بياخد حقه بدراعه»، والذي يهدد وجودها في مقتل، ويكون المقصود به وفقًا للمعجم البروليتاري هو «الثوري» الذي يتخذ مواقف شديدة التقدمية تجاه حقوقه، وحقوق الطبقة العاملة، ولا يقبل المهادنة والحلول الوسط، ولكن نظرًا لهيمنة المعجم البرجوازي، تخرج لغة الخطاب المعبرة عنه حاملة مدلولًا مهينًا!

أحدثت ثورة يناير خلخلة في الوضع الطبقي، ومن ثم خلخلة مماثلة في المعجم اللغوي للطبقة الحاكمة، مما فتح  مساحات للحركة والتعبير لأبناء الطبقات الأخرى، إذ ظلت تعبيراتهم أسيرة المعجم البرجوازي، وبالتالي ينعكس هذا في وعيهم وتقييمهم للأمور نظرًا لغياب قيادة ثورية منظمة  لها استراتيجية واضحة تستطيع صياغة معجم لغوي خاص بالبروليتاريا، يستطيع  عمل إطار لغوي ومعرفي خاص يحتوي معاناتهم وسبلهم من أجل التغيير

ولهذا كان خروج مثل هذ الصياغات وغيرها على لسان الجماهير العاملة  تعبيرًا عن حالة من التناقض في الوعي، تحاول البحث عن مخرج فيما بين المعجم المهيمن للطبقة الحاكمة، والذي ينبع من انحياز طبقي واضح وبين الواقع الذي يفشل فيه هذا المعجم في التعبير عن مكنون آلامهم التي تخلقها طبيعة العلاقات داخل المجتمع الطبقي.

إن هذا التناقض عبر «البروكسي» الكامن في وعي الجماهير العاملة، والذي يتبدى في لغتها المنطوقة هو المعادلة الصعبة التي يكمن حلها في خلق بديل ثوري منظم يشكل قيادة للطبقة العاملة، ويسعي لخلق وعي «ضد» على الجانب الآخر من المتاريس، وبالتالي خلق «خطاب ضد» له معجمه الخاص، يستطيع خوض معركة «على الهيمنة» في مواجهة الخطاب البرجوازي السائد، والذي يستشعر الجماهير العاملة ضمنًا ضيقًا وثقل عباءته على آفاقها في التعبير والإبداع  والتغيير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

معجم
عرض التعليقات
تحميل المزيد