استفاق الإنسان المغربي قبل أسابيع قليلة على مشهد عالمي وبائي سريع الانتشار والعدوى، وتميز المغاربة في تلقيهم، لفيروس كروونا (كوفيد-19)، بتلقٍ مزدوَج سمته الأساس الجمع بين الملهاة والمأساة؛ مأساة الوضع القائم، من تغييبٍ للقطاعات الأساس (إسمنت) أي بلد وعامل تماسكه وتقدمه (البحث العلمي، المستشفيات العمومية وأطرها، المدرسة العمومية وشغيلتها)، وانعكاسًا لهذا الوضع البئيس لم يكن أمام المغاربة المتشبعين بسياسات التجهيل والتتفيه والتجويع والقمع والتضييق إلا أن يستقبلوا هذا الفيروس المستجد استقبالًا مضمونه الأساس الملهاة؛ من لهو، وتفاهة، وسخرية وتنكيت عكسًا لتلك السياسات وانعكاسا لها.

ففي حين تتسارع الدول المتقدمة إلى حشد علمائها ومختبراتها، ومستشفياتها، وتوفير كل ما يلزم علميًا، ومخبريًا، وماديًا، ومعنويًا، وأمنيًا لاحتواء هذا الفيروس، وللبحث عن دواء ولقاح يقضي نهائيًا على هذا الداء، نجد في المقابل الدول التابعة (اقتصاديًا وسياسيًا) تسارع للاصطدام مع شعبها الذي بدأ ينتج ما اكتسبه من سياسات التجهيل والتتفيه، وتترقب وتنتظر الدواء من تلك الدول، فإن وجدته هرولت إلى الطلب منها والاستجداء، وإن لم تجده ماتت في جهلها وتفاهتها، ليبين لنا هذا الواقع الموضوعي بالواضح والملموس الحقيقة التي طالما ناضلنا في سبيل تحققها، وآمنا بها بأن الجهل كلفنا ويكلفنا أكثر مما سيكلفنا العلم.

ولعل ما نخلص إليه من هذه التوطئة هو أن الدول تنتج أسباب بقائها أو موتها، بفعل سياساتها المتبعة، قبل الكوارث وأثناءها وبعدها، فإن هي اتبعت سياسة مضمونها شعبي عمومي ديمقراطي وعملت على إقامة القطاعات الأساس(الإسمنتية) لأي مجتمع (التعليم، الصحة، البحث العلمي)، والرفع من قيمتها وميزانيتها، تمكنت من تجاوز تحديات المستقبل بفعالية دون خسائر بشرية ولا مادية، أما إن انتهجت سياسة طبقية استغلالية وأتبعتها بأيديولوجيا ذات مضامين تجهيلية، وتتفيهية، وترويجية، لثقافة الإذعان والقبول الاضطراري للمصير المقدر مسبقًا، وحتمية استحالة التغيير، والاكتفاء بالاستهلاك والبكاء على الوضع القائم أو السخرية منه، كانت نتيجة ذلك كله واحدة هي العيش التبعي الانتظاري للأسياد وحلول الأسياد.

وسياساتهم ومخططاتهم، والاكتفاء بالدفاع، والاختباء، والبكاء، والسخرية من جهة، ومن جهة أخرى استمرار العلاقات الطبقية الاستغلالية وفي بعض الأحيان بشكل أكثر وحشية أثناء الأزمات؛ لأنها تشكل فرصة تاريخية لمنعدمي الضمير المستغلين لتمرير مخططاتهم الطبقية التي لن تزيد الوضع إلا بؤسًا، والاستغلال إلا توحشًا، والأغنياء إلا غنًى والفقراء إلا فقرًا، وهدفهم الأول والأخير مراكمة الثروة / الربح ولو على جثث شعب بأكمله.

لننظر إلى هذه الخلاصة عن كثب:

تجلت لنا بالواضح والجلي الآن قضية أساسية مفادها أن أثناء الأزمات تُختبر سياسات الدول وتُعرف جدواها؛ لأن منهج التعامل أو تدبير الأزمة لن يكون إلا انعكاسا ونتيجة للسياسات المتبعة اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا في دولة ما في المراحل القبْلية للأزمة، أي بمنطوق المثل الشعبي سنحصد ما زرعناه في أيام الرخاء. بمعنى آخر أكثر تحديدًا سنحصد ما زرعناه في القطاعات التي تشكل عامل تماسك أي مجتمع؛ قطاع التعليم، وقطاع الصحة على الأخص، واللذين تجمعهما خاصية أساسية هي البحث العلمي؛ لأننا دونه لن نستطيع التقدم في أي مجال.

إذًا ما السياسات المتبعة في قطاعي التعليم والصحة بالمغرب؟ وما الأهمية التي توليها الدولة المغربية لهذين القطاعين الإسمنتين للمجتمع المغربي؟ وما أبرز انعكاسات هذه السياسات المتبعة في هذين القطاعين؟

بداية الإجابة الدقيقة والتفصيلية عن هذه الأسئلة تحتاج عملًا جماعيًا متخصصًا ومكثفًا لأنه يشمل فترة ممتدة أقلها 60 سنة، ولن تُحصر الإجابة بطبيعة الحال في وريقات، وإنما في مجلدات عديدة. لكن بالرغم من ذلك يمكننا أن نستدعي في جوابنا الطبيعة الأساسية الحاكمة والمحددة للسياسات المتبعة ونبني عليها أحكامنا، نظرًا لأن هذه السياسات معاشة ويعرفها الداني والقاصي.

أولًا، يجب أن نتفق جميعًا أن جهاز الدولة السياسي مركب عضوي نسقي موحّد معبر عن سياسة واحدة ومنسجم معها، لذا فتعامله السياسي مع قطاع بعينه دون القطاعات الأخرى لا يعني أبدًا أن له سياسة مغايرة في باقي القطاعات وخاصة الحيوية منها، فمثلًا تنزيله السياسي لمخطط (التعاقد) في قطاع التعليم دون قطاع الصحة لا يعني بالبت والمطلق أن قطاع الصحة سيسلم من تلك المخططات.

وإنما هي طبيعة أساسية تكمن في جهاز الدولة السياسي وهي: تنزيله التدريجي للمخططات في القطاع الواحد بعينه، ثم في القطاع بأكمله، ثم في باقي القطاعات تبعًا لموازين القوى، ولمدى نجاح التنزيل الأول أو فشله لاستدارك الخلل وهضمه لتحفز إلى تتميم التنزيل وهذه المرة بشكل أدهى وأخطر، مستغلة فترات الأزمة أو خلقًا لها (مثلًا في علاقتنا بمخطط التعاقد: خلق الاكتظاظ بالأقسام، تراجع المد الجماهيري سنة 2016، الفراغ الحكومي، استغلال المعطلين بعد تفشي البطالة، احتواء المنظمات الكفاحية وإذعانها، غفلة الشعب وضعفه…). لهذا فتحليلنا لقطاع بعينه ونتائجه يمكن تعميمها على باقي القطاعات.

ثانيًا إن التعليم يقع في صلب اهتمام المجتمع، نظرًا لكونه أساس كل القطاعات الأخرى التي ترتبط به ارتباطًا جدليًا، فغيابه يعني غياب القطاعات الأخرى، وعبر حضوره يتم إعداد (الكوادر) اللازمة في كل الميادين، لهذا فالتعليم يرتبط بسياسة الدولة، كما يرتبط باقتصاد البلد وثقافته وقيمه.

ثالثًا يعلم الجميع أن المدرسة على اختلاف مستوياتها من أكبر المؤسسات الثقافية في أي بلد من حيث عدد العاملين العمومين.

رابعًا عرفت السياسات التعليمية بالمغرب فشلًا ذريعًا متتابعًا، بالرغم من توالي الحكومات، ولعل الحركات الاحتجاجات خلال سنوات 1965 و1981 و1984 و1990… خير تعبير عن فشل هذه السياسات نظرًا لخدمتها مصالح طبقة على حساب الجماهير الشعبية.

خامسًا ارتباط الدولة المغربية بالمؤسسات الدائنة (مجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي) والذي يجعلها دائمًا تطبق بطريقة حرفية إملاءات هذه الصناديق التي لا تخرج بشكل عام عن خدمة الرأسمال والمنطق الاستثماري الربحي.

سادسًا ضعف الميزانية المخصصة للقطاعات الحيوية (التعليم خاصة بعد فرض التعاقد، الصحة، البحث العلمي)، وكذلك ضعف البنيات التحتية للقطاعات العمومية (المدارس، المستشفيات، الطرق، النقل…).

سابعًا انتشار التفاهة، والأمية، والبطالة، في صفوف الجماهير الشعبية نتيجة استثمار الدولة في قطاعات هامشية على حساب قطاعات حيوية مثلًا (الفن الساقط وما يتبعه من مهرجانات تضيع فيها المليارات، موازين أنموذجًا…) وفي المقابل تهميش الأطر التي تُبنى عليها المجتمعات (أساتذة، أطباء، علماء، باحثون، طلبة، عمال…) وإقصاؤها الممنهج.

يتضح مما سبق أن طبيعة السياسات التي اختارتها، فرضت عليها، اتبعتها الدولة المغربية تخدم – شئنا أم أبينا – الدائنين (مجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والمؤسسات المالية وما ينوب عنها من الداخل والخارج ويسهر على تنفيذ إملاءاتها…) الذين يعطون الأولوية لمراكمة الثروة والربح المادي دون أي اعتبار آخر (أخلاقي، قيمي، تضامني، مصلحة المواطن…). ويراقبون باستمرار (داخليًا وخارجيًا) الدول التي تعاني من المديونية والتبعية الاقتصادية.

إذًا فكل ما نراه في واقعنا البئيس هو مجرد انعكاس ونتيجة لذات الطبيعة السياسية باعتبارها المحدد لكل ما ينزل من مخططات تخدم مصالح الطبقة المالكة لوسائل الإنتاج على حساب الطبقة المفقرة التي لن تستطيع الاستمرار في هذا العالم، إلا ببيع قوة عملها، وتنظيم صفوفها، وتمتين وحدتها، وتصليب وعيها للتصدي لهذه المخططات التي إن تم تمريرها، سواء في ظل الظروف العادية، أو المتسمة بالأزمة، لن تزيدهم إلا فقرًا وبؤسًا واستغلالًا.

لذا فعلى الإنسان المغربي أن يستفيق استفاقة جذرية قبل فوات الآوان، وأن يستغل المرحلة التاريخية، أولًا في توحيد صفوفه وتحديد تحالفاته. وثانيًا في تحديد نقيضه الطبقي الذي لن يخرج عن إطار كل مستغِل للأوضاع القائمة والهادف إلى تكريسها. وثالثًا في المطالبة بالأمور ذات الأولوية والمصلحة المشتركة، خاصة في القطاعات التي تعبر عن الشعب والقريبة منه، والتي تشكل ماضيه وحاضره ومستقبله، وأخص منها المدرسة المغربية بمجانيتها وعموميتها، والمستشفيات العمومية، والبحث العلمي ومراكزه. ورابعًا تصديه لكل القوات الأيديولوجية الداعية إلى التفاهة والفرقة والميوعة، وإبدالها بثقافة بانية أسُّها وأساسها الرفع من قيمة الأسرة، والمدرسة العمومية برجالها ونسائها، ومن قيمة العلم والعلماء والأطباء، وإعادة الاعتبار لمكانتهم الاعتبارية والرمزية.

إذًا على الإنسان المغربي أن يعي من الآن موقعه في الصراع، وأن يُسهم في استفاقة أو بالأحرى استفاقات جذرية لعموم الشعب المغربي، وأن يكون يقظًا في الأيام العادية، وأكثر يقظة في الظرف المسمى بالاستثنائي أو الظرف المأزوم (قصدًا أو عفوًا)، وأن يستعد للقادم بوعي ويقظة طبقيين لأن الأعداء مائلون دائمًا إلى الهجوم أكثر للربح أكثر (تفويت العمومي إلى الخواص، المنطق الربحي والاستثماري في عزّ الأزمات) حتى في تراجعهم وعودتهم إلى الوراء إذ تكون الغاية من ذلك تقليص الخسائر والتحفز أكثر لهجوم أشد وأخطر ينتج عنهما الربح أكثر.

وفي الختام نقول: نعم. إنها الحقيقة – سواء قيلت أم لا – تبقى حقيقة جاثمة على صدور المقهورين، بارزة على جبين الكادحين، فاضحة المستغِلين والمستبِدين.

ونقول نعم، لمن قال لا… دون أن يمضي، دون أن يمشي، بل يناضل في سبيلها ويدعو إلى تكريسها، وإلى قطع العلاقة مع عماد الظلم وأربابه، نعم، لكل من يعارض الاستبداد، ويقف في وجه صُنّاعه، نعم، لكل تحرّك جماهيري منظم لإسقاط علاقات الاستغلال، وسلطاته، نعم، لمن قالوا لا في وجه من قالوا نعم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد