منذ سقوط الخلافة العثمانية عام ١٩٢٤، والتي كانت تمثل وحدة الأمة سياسيًّا وعسكريًّا واقتصاديا، وتمثل أيضًا امتدادًا للإرث النبوي، بل وقبيل سقوطها ظهرت هناك دعوات عديدة من أفراد ذوي حيثية دينية ومجتمعية في طول البلاد الإسلامية لإحياء الأمة من جديد، لا سيما وقد كانوا يرون الدولة العثمانية وهي في النزع الأخير تلفظ أنفاسها ويرون معاول الهدم قد فعلت في أركان الأمة ما فعلت فجزأت واحتلت ونهبت الخيرات.

لم تكن لهذه الدعوات ولا لهؤلاء الأفراد كيانًا جامعًا يضمهم ولا راية واحدة تجمعهم، حتى بدأت تطورات المشهد الإسلامي تلقي بظلالها في نفوس بعض الدعاة

فأنشأ الأستاذ الشهيد حسن البنا جماعة الإخوان المسلمين سنة ١٩٢٨، ونشأت جمعية الشبان المسلمين سنة ١٩٢٧.
وغير ذلك من حركات كان هدفها إعادة الناس لدينها واستنقاذهم من موجات التغريب التي اجتاحت الأمة وجنح بعض هذه الحركات إلى أهداف اعمق كالإخوان وهدف استعادة الخلافة.
تمحورت هذه الحركات الإسلامية في الداخل المصري في العقدين الأخيرين لتتلخص في أربع اتجاهات مركزية:

الأول: الإخوان المسلمين.
الثاني: التيار السلفي.
الثالث: التبليغ والدعوة.
الرابع: التيار الصوفي.
الخامس: التيارات الجهادية بمختلف وجوهها.

استقطب التياران الأول والثاني جموع الشباب المسلم، وتحولت الفكرة الإسلامية إلى أيقونة مختصرة في الانتساب إلى أحد التيارين، وساعد: شكل التنظيم وتنوع أنشطته عند الإخوان، والنشاط العلمي الشرعي والمظهر الديني – ثوب قصير ولحية- عند السلفيين في جذب الكثيرين من الشباب إلى طريق الملتزمين.
حتى انحصرت أوجه الارتباط الديني عند الشباب بشكل عام في الانتساب إلى إحدى الحركتين، وصار من لا ينتسب إلى إحدى المدرستين لا يكون ملتزمًا بالشكل الكامل.

ساعد في ذلك كما قلت مظاهر الالتزام عند الحركتين إضافة إلى:

* المحتوى الفكري لدى الإخوان الذي يدعي أنهم أصحاب الفهم المكتمل للكتاب والسنة القائل بشمول الإسلام، ورغم أنهم لا يتهمون غيرهم بالطعن أو التجريح، إلا أن ادعاءهم أنهم يمثلون أنضج الفهوم للدين كفيل وحده بإشعار من هو خارج الإخوان بعدم اكتمال التزامه.

* وساعد فيه أيضًا دعاوى السلفيين القائلة ببطلان عقائد منتسبي الحركات الإسلامية الأخرى، وأن لديهم خللًا في التوحيد مع ضرورة انصراف الهمم إلى تصحيح عقائد العوام.

كل هذا ساعد على تقرير مفهومٍ مفاده: أن العمل للدين والالتزام لا يكون إلا ضمن جماعة ما.
بقي أن نقول إن هناك فئات من الشباب التزمت ذاتيًا دون انتساب حركي، والتفت حول بعضها في تجمعات صغيرة أو بشكل فردي أو التفت حول مشايخ ليسوا بالمشاهير ولا ممن لهم مريدين كثر، ساعد في ذلك وجود ما يسمى بالدعاة الجدد وطرحهم لمفهوم جديد عن الالتزام، غير أن هذه الفئات لم يكن لها حظ من الانتشار لانعدام الفكرة المركزية وعدم وجود قضية محركة.
حتى صار تصورُ العمل لخدمة الدين خارجَ إطارِ حركةٍ إسلاميةٍ ما تصورٌ ممجوجٌ غيرُ متخيل.

بيد أن ما حصل في ثورة يناير وما أعقبها من أحداث قد أثرت بشكل نوعي على الشباب، فأبرزت بوضوح وجود اختلافات بين الشباب المنتسبين للإخوان والسلفيين وبين قياداتهم، فوجد شباب الإخوان أن قياداتهم لا تتحرك بثورية كما يتناسب مع طبيعة الشباب مع مواقف يختلف عليها الكثيرون في التقييم، ووجد منتسبو السلفية من الشباب مشايخهم وما لهم من آراء ضد الثورة، بل وتقاوم الثورة وتتواءم مع الدولة في بداية الثورة اللهم إلا قليلًا من المشايخ نجوا من هذه الهلكة، مما انعكس سلبًا على نظرة الشباب في الأساس لفكرة الانتساب لتنظيم حركي وهل الانتساب لإحدى الحركات الإسلامية ضرورة؟

ومن هنا برز سؤالٌ يطرح نفسه، لماذا لا يتكون تيار إسلامي عام يُتَّفق فيه على الأفكار والمبادئ العامة دون التقيد بضوابط التنظيم أو بتوجيهات الشيخ أو تحمل تبعات مواقف سياسية قد لا يوافق الشباب على كثير منها.

وللحق فإن الشباب قد ظُلِم بحصر فكرة الالتزام الديني في الانتساب لإحدى الحركات العاملة في الساحة، وهي فكرة غذتها طبيعة الدولة البوليسية فيما قبل يناير ٢٠١١ والتي تسهل العصف بمن “لا ظهر له” من الجماعات الإسلامية إن رغب في أن يظهر مستقلًا، إضافة إلى ما ذكرنا سابقًا من أسباب ساهمت فيها الحركات الإسلامية.

ورغم أن بداية موجات ودعوات التصحيح الديني واليقظة الإسلامية عقب سقوط الخلافة كانت موجات فردية كمحمد رشيد رضا ومحمد عبده وجمال الدين الأفغاني وغيرهم من المصلحين الشبان كمصطفى كامل في بداياته… إلخ.

إلا أن الانطلاقات الفردية في مجال إيقاظ الأمة وحتى الدعوة في سبيل الله تراجع كثيرًا لصالح نشاط الجماعات الإسلامية كنشاط جمعي ذي فكرة مركزية موحدة قادرة على الانتشار.

وإني أعتقد بقوة أن هذه الانطلاقات الفردية قد عادت لتبرز على الساحة الإسلامية في مصر، فلم يعد هناك “احتكار” لمفهوم الالتزام أو تصوراته عند الحركات الإسلامية، بل على العكس وجد الشباب الذين هم غير منتسبين لهذه الحركات هامشًا كبيرًا من الحرية في اتخاذ مواقف تتسق مع ذواتهم سواء مواقف فكرية أو مواقف سياسية.

واتسعت مساحات النقد لأفكار ومواقف التيارات المختلفة والدعاة.

مما حدا بالعديد من شباب أكبر حركتين إسلاميتين (الإخوان والسلفيين) إلى الانفكاك من قيود التنظيم، وصارت هناك أمواج لم تصل بعد إلى حدٍ نستطيع وصفه بالتيار.

إنني أعتقد أن الشباب الملتزم باستطاعته أن يقدم جديدًا وحده دون إشراف أو سيطرة من أحد.
بل إنني أزعم أن تكوين هذا التيار ضرورة مجتمعية ليتجاوز الإسلاميون رصيد الحركات الإسلامية السيء عند المجتمع نتيجة موجات التجهيل الإعلامي والأخطاء السياسية.
إن الفكرة الإسلامية بحر خضم، لا يستطيع أحد أن يحتكرها أو يحتكر فهمًا معينًا لها ويعممه على الناس، الفكرة الإسلامية ملك لجميع أبناء الأمة الإسلامية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد