يقولون «سلامة القلب في قلة الكلام وسلامة العقل في قلة الاهتمام».

في اللغه يأتي الإهمال ضد الاهتمام والمنطق يقتضي أن قلة الاهتمام يعني تأرجح الكفة لصالح الإهمال؛ مما يعني أننا أمام معادلة غير موزونة، لذا فإن غايتي من المقال، سواء (الجزء الأول أو الثاني)، ليست إلا محاولة لترسيخ فكرة الاتزان في ذهن القارئ حتى تكون نظراته وتفاعلاته منطقية.

الاهتمام بالإخفاقات

يتوراى بين خلجات نفسه بعيدًا عن الواقع يجر من خلفه كائنًا ينبض في ذهنه، لكن نبضه بمثابة قدح تتطاير منه شرارة الحسره والندم.

يعلن مع كل ذكرى أو تنبيه له عن ذلك الفشل بقيام محكمة تستدعي القاضي الموجود في عقله، وكالعادة يصدر القاضي أحكامه ضد الضمير، والتي غالبًا ما تبدأ بالتأنيب، وقد تنتهي بالانتحار.

في كتاب من الاتفاقيات الأربعة – حكمة حضارة التولتك – ناقش حكماؤها هذه المشكلة، واعترضوا على حكم القاضي معتمدين على المنطق في إنكار الحكم، والرد عليه وإليك النص المقتبس: (يؤسس القاضي في عقولنا أحكامه بناء على المعتقدات، ويصدر أحكامه لتعاني الضحية العقاب، لكن الأحكام لا تنطوي على العدل، فليس من العدالة أن ندفع ثمن الخطأ عدة مرات بدلًا عن مرة واحدة، فالكائن الوحيد الذي يدفع ثمن خطئه آلاف المرات هو الإنسان. – فكل مرة نتذكر ما اقترفنا نحكم على أنفسنا مرة أخرى، ونكتشف من جديد أننا مذنبون لنعاقب أنفسنا، وهكذا نعيد الكرة).

لقد نبذ حكماؤهم تلك الأحكام الجائرة، وأقاموا الحجة على القاضي لينتصروا للضحية، ولأن الضحية تلعب دور الجاني كان لابد عليهم من الإفصاح عن أن إساءتنا لأنفسنا تفوق إساءة الآخرين لنا، بل إنها قد تفتح المجال أمام الآخرين للإساءه والنيل منا لأن عقاب الفرد لذاته وعدم تقبلها يجعل منه شخصية غير موزونة في المجتمع، وبالتالي فإنهم يجعلون من رفض الفرد لذاته وعدم تقبله للفشل سببًا في الإساءة لها، وهذا ما نجده في هذه المتسلسلة (فالإساءة للذات تنبع من رفضها، ورفضها ينبع من صورة الكمال وفشلنا الدائم في الوصول إليها).

إن رفض القضاء والعمل على إقصاء الأفكار ألتي تدعو إلى إقامة الأحكام في حق الذات ليس حلًا نهائيًا فالأفكار قد تجد مثيرًا قويًا يزيد من شدة تأثيرها؛ مما يجعل الإنسان يدخل في دوامة من اللوم متبوعًا بالحسرة والندامة.

تقدم الكاتبة أمل أحمد طعمه حلًا للتخلص من إعادة التفكير في الإخفاقات أو كما تسميها هي (المحن – الفتن – المصائب) بصوره تربوية روحية تعتمد على العلاقة بين المخلوق وتصرفاته وبين الخالق والمخلوق حيث تقول: (ففسر الحدث والمحنة والفتنة التي تمر بها وفقها (أي حالة الرضا بالله عز وجل). عندها تجد شعاع النور يتسلل إلى قلبك بالسكينة والطمأنينة، ويرشدك إلى معول التغيير والإصلاح.. فإن كانت تلك المصيبة بما جنته يداك، أصلحت، (فإن عدتم عدنا)، وإن كانت من غير إرادة منك، وقدرًا من أقداره جل جلاله، عندها يكون حيّز عملك وحركتك في الرضا والتسليم وإنقاذ ما يمكن انقاذه ومتابعة المسير والبحث عن أبواب أخرى).

تظل الكاتبه متمسكة بالرضا على أنه مفتاح للسعادة كما أنه بوابة للثقة في مواجهة الإخفاقات، بل إنها تجعل منه مصدرًا للتفاؤل بالمنح الربانية «بالرضا ترى مكامن الخير في المحنة، فتتمكن بعون الله من الخروج منها بأفضل ما يمكن.. ولولا الرضا لما رأيت الخير تحت الرماد، ولما استطعت تغيير الحال والموقف. ولولا الرضا لما أشرقت النفس وتفاءلت بما هو قادم، فاستطاعت أن ترى الإيجابيات والخير وسط الغبار والفتن».

الاهتمام بمشاكل الآخرين

يتطلع إلى من حوله بقلب مفتوح يمتص آلامهم وأحزانهم ليركمها فوق أحزانه دونما وعي أو بصيرة ولئن سالته عما سيفيد به ذلك الشخص من أحزانه وآلامه تجاهه فانه بلا شك سيجيبك. لا شيء إذًا فما الداعي إلى أن تحزن أو تقلق نفسك؟

غالبًا ما يتطلع الفرد إلى اهتمامك من خلال ما تجود به عليه سوء كان كلمة طيبه أو نصيحة عابرة أو دعوة في ظهر الغيب أو معونة ينتفع بها في دنياه، إما أن تفد عليه وقد اعتراك الحزن والهم لأجله، فتلك هدية استعاذ منها الرسول صلى الله عليه وسلم وندبنا إلى الوقاية منها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ» رواه البخاري.

لا أمجد الأنانية كما أنني أكره المشاعر الجامدة، وما أفعله هنا إنما هي دعوة إلى تبني السلوك المتفائل والممزوج بالحكمة، وأن يكون التصرف بطريقة يملؤها الأمل بعيدًا عن العاطفة التي تمتص الحزن، ثم تتيه في بحر الألم دونما جدوى.

في مشهد تفاعلي يرويه لنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قائلًا: «قُدِم رسول الله ﷺ بسبي، فإذا امرأة من السبي تسعى، إذْ وجدت صبيًّا في السبي أخذته فألزقته ببطنها فأرضعته، فقال رسول الله ﷺ: أترون هذه المرأة طارحةً ولدها في النار؟ قلنا: لا والله، فقال: الله أرحم بعباده من هذه بولدها»[1]، متفق عليه.

هنا محاكاة استدعى فيها النبي صلى الله عليه وسلم أشد ما يتعلق به الفرد في هذه الدنيا ألا وهو ابنه (فلذة كبده) لينقل إلى أذهاننا صورة تشبيهية عن مدى رحمة الله بنا ولطفه تجاهنا لأن الوالدين قد يبلغ بهم العطف والحنان تجاه أبنائهم ما يدعوهم إلى التضحية بأنفسهم من أجلهم.

في الحديث استخدم النبي صلى الله عليه وسلم أسلوب التفضيل لينقل لنا صورة حية عن عظم رحمة الله ولطفه بخلقه فهي أعظم من تلك النظرة الحانية التي تتلقها من والديك، بل إنها تفوق عطفهما وحنانهما عليك أضعاف المرات وفي الحديث «جعل اللهُ الرحمةَ مائةَ جُزءٍ، فأمسك عنده تسعةً وتسعين جزءًا، وأنزل في الأرضِ جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزءِ تتراحمُ الخلقُ حتى ترفعَ الفرُس حافرَها عن ولدِها خشيةَ أن تُصيبَه» الراوي: أبو هريرة | المحدث: الألباني | المصدر: صحيح الجامع

والآن هل استشعرت أن رحمة الله لأبنائك تفوق رحمتك لهم؟ هل وقع في قلبك أن عطف الله وحنانه تجاه أولادك أكثر من عطفك وحنانك تجاههم؟

ثم ماذا عن الآخرين ممن هم أقربائك ومحبوك وممن امتلئ قلبك هما وغما لاجلهم آنت أرحم بهم أم الله؟ آنت أكثر حنانا عليهم أم الله؟ آنت أقدر على نفعهم أم الله؟ «اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ» سورة الزمر.

«الله أرحم بعباده من هذه بولدها» كلمات علينا أن نجعل منها قاعدة نستذكرها ونحن نتعامل مع ما يدور حولنا تجاه من نقلق عليهم ونحزن ونتألم لأجلهم حتى يكون شعارنا «الله أرحم منا بمن اعترانا الهم والغم لأجلهم وأقدر منا على إصلاح أحوالهم وتيسير أمورهم» مع يقين بالله دونما شك وبذل للأسباب وفق ما منحه الله لنا من إمكانيات وقدرات حتى لا يعترينا القلق والهم فنندفع بالعواطف معترضين ومتأففين وذلك من سوء الأدب في التعامل مع مشيئة الله.

الاهتمام بالخلافات مع الآخرين

آه لو منحني الله قطعة أخرى من الحياة!

«لاستمتعت بها ـ ولو كانت صغيرة ـ أكثر مما استمتعت بعمري السابق الطويل، ولنمت أقل، ولاستمتعت بأحلامي أكثر، ولغسلت الأزهار بدموعي، ولكنت كتبت أحقادي كلها على قطع من الثلج، وانتظرت طلوع الشمس كي تذيبها، ولأحببت كل البشر، ولما تركت يومًا واحدًا يمضي دون أن أبلغ الناس فيه أني أحبهم، ولأقنعت كل رجل أنه المفضل عندي» الروائي غابريل ماركيز في رسالة له وجهها إلى قرائه بعد أن أنهكه المرض، وشعر باقتراب الأجل.

إن نشوب الخلاف بين البشر ليس أمرًا مستبعدًا، بل قديكون أمر حتميًا، لكن استمرار الخلاف وديمومته يحمل في طياته الكثير من المصاعب على كلا الفريقين ويسمح للكثير من الضغائن أن تستوطن الذات فتكدر الصفو وتشغل البال، وكلما زادت حدة الخلاف، كلما كان أثره أكبر.

لقد حرص الإسلام على القضاء على الضغائن التي تخلفها الخلافات وقدم عروضًا كبيرة أمام المبادرين للتخلص منها قال تعالى «الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» وقال تعالى «وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ».

في القرآن نجد أيضًا صورًا من العفو والمبادرة إلى التصالح، والتي تجسدت إحداها في سورة يوسف حينما بادر بإصدار مرسوم عفو بحق إخوته دون تردد أو مماطلة، على الرغم من أن خطأهم كان يهدد وجوده ويقضي إلى التخلص منه، لكنه آثر الإحسان والله يحب المحسنين.

على عهد النبوة يلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاب النصر يوم الفتح ويعلن فيه «أن لا تثريب» فتلك هي سنة الأنبياء وعاداتهم، وهذا ما لا حظناه أيضًا في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي كتب السير كثيرًا من الصور التي نقلها لنا الرواة لتكون لنا قدوة في تعاملنا فيما بيننا في هذه الحياة.

عن أبي أيوب الأنصاري ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» رواه البخاري.

ثم ما الذي يجنيه الفرد من استمرار الخلاف وديمومته؟ في كتاب «أبي الذي أكره» يتناول الكاتب ما يدور في ذات الفرد المتشاحن، ويجعل منها سمومًا مؤذية تفت في ذهن صاحبها قبل أن تنتقل أغراضها إلى الآخر؛ مما يجعل الفرد يحمل في ذهنه الكثير من الكوابيس المرتبطه بخلافات لم تزل عالقة في الذهن، حيث يقول الكاتب «الحكم على الآخر وكراهيته والقضاء عليه والدينونة، والإدانة الكاملة، وشيطنة الآخر، ليست جزءًا من التعافي، بل سمومًا روحية تؤذينا قبل أن تصيبه وتبقينا عالقين في ذكرى الإساءة».

ختامًا

يروم الإنسان الأسى وتعتريه الكثير من الوقائع التي تكون مصحوبة بالمصائب أحيانًا، وما أنشده هنا ليس الدعوة إلى الهروب منها أو اللامبالاة، وإنما هي دعوة لأن تكون نظراتنا تجاه ما يدور حولنا بعيدًا عن الحساسية المفرطة حتى لا يكون الاهتمام مصدرًا للهموم ومثيرًا للقلق، وما القلق إلا ككرسي هزاز يستثير صاحبه، لكنه لا يبرح مكانه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد