قال تعالى:

(مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23)) سورة الحديد.

في واحة القرآن تستوقفنا الكثير من الآيات التي تكون مصدر إلهام لنا في الكثير من الأوقات، وهذا ما جعلني أفتتح مقالي بهاتين الآيتين اللتين أحدثتا في نفسي تغيرًا كبيرًا.

ربما تستهوي أفئدتكم أنتم أيضًا ويكون لهما أثر كبير عليكم، فيأتي بقية مقالي كتذيل لما حدث من تغيير في أنفسكم بسببهما ولكي لا تكون مفرداتي في هذا المقال بمثابة كوم من النصائح تلقى عليكم فتجعلكم تائِهون حاولت تبسيط الأمر بتجزئة المواضيع وربطها بالواقع، مع الاعتماد على اطلاعي باقتباس الكثير من النصوص المفيده.

(وبعد فإن أصدق نصيحة يتناصح بها المسلم وأخوه قول كل منهما لصاحبه «كن مع الله» وقول أحدهما لأخيه «الله معنا» ولن تكون الثانية إلا إذا تحققت الأولى) محب الدين الخطيب.

فيا أيها القارئ هذه بضاعتي معروضة عليك، فإن عدمت منك حمدًا وشكرًا فلا أعدمني الله منك عذرًا، وإن أبيت إلا الملام فباب التعليق متاح لك، فأرسل إلينا ما تود قوله من تعديل أو إتمام.

الاهتمام بمثالية الجسد

ألقى بنفسه في غيابة سجن جسده يتفحص هيئته الجسديه كل يوم، ثم يتأفف لهيئته حيث لم تقترب من الجمال الذي تصوره في ذاته عنها يحدث عن ذلك قائلًا (لقد ساومتها باستخدام الكثير من المساحيق ولولا قلة المال لكنت الآن في غرفة العمليات).

آخر يتأفف كثيرًا من وزنه، وآخر يكتوي بنار الحزن أسفًا على طوله، بينما ثالث يندب حظه نظير تلك التشوهات التي تقع في بعض أجزاء جسمه، بينما شخص رابع انطوى بين أركان اليأس متذمرًا يشتكي من الإعاقات ويرى أنها سبب في عدم تميزه وتفوقه.

خامس وسادس و…؛ خشية الإطالة تجاوزت الكثير من السلوكيات التي تتملك اهتمامنا وتجعل من الانشغال بها عادة متكررة ليتحول الأمر إلى انطباع في ذهن الفرد يسيطر على أفكاره وأحاسيسه، مما يولد لديه حالة من عدم الاتزان والهشاشه النفسيه.

غالبًا ما تكون البدايه بالمقارنة، حيث يعمد الفرد إلى مقارنة نقاط ضعفه بما يراه نقاط قوة لدى الآخرين وبلا شك فإنه سوف يخسر وبمجرد أن يخسر يتحول إلى مرحلة الانتقاد ليهاجم شخصيته معترضًا على هيئته ومتأففًا منها حتى يصل إلى مرحله يتمثل فيها انتقاد الآخرين له وفق تفكيره وتصوره لنفسه مما يجعله يدخل في مرحلة متلازمة من القلق.

في كتاب كيف تستمتع بحياتك وعملك يعالج الكاتب في البداية نظرة الإنسان تجاه نفسه ويجعل منها مشكلة تاريخية، حيث يقول في حديثه عنها (إن مشكلة عدم استعداد الإنسان لتقبل نفسه وشخصيته كما هي قديمة قدم التاريخ، كما أنها منتشرة بين البشر على اختلاف جنسياتهم، وهذه المشكلة هي السبب وراء العديد من الأمراض والعقد النفسية) لكن الكاتب لا يتوقف عن ربطها بالأمراض النفسية، بل إنه يجعل من التفكير فيها ومحاولة التدقيق فيما ينقصنا من مسببات البؤس مدعيًا بذلك أن أثرها يفوق الحروب والأوبئة (التفكير فيما ينقصنا ومحاولة الحصول عليه هو الذي سبب لهذا العالم البؤس الذي يفوق ما تسببت فيه كل الحروب والأمراض في تاريخ العالم).

إن تركيزنا على العيوب والنظر بعين الذباب تجاه أنفسنا (الذباب غالبًا ما يقع على الأشياء السيئة، وبالتالي فإنه لا ينتج إلا قذارة) يجعلنا نفقد الاستمتاع بكثير من النعم التي وهبها الله لنا، فجميعنا يملك الكثير من النعم لكنه يفقد عين النحلة في التركيز عليها (النحلة تقع غالبًا على الأشياء الطيبة، وبالتالي فانها لا تنتج إلا طيبًا) ولذلك نجد الدكتور إياد قنيبي (دكتوراه في علم الأدوية الجزئي)في كتابه حسن الظن بالله يجعل من هذه الطريقة داء حيث يقول: (هذا الداء جزء من ظواهر نفسية يعرفها المعالجون النفسيون بالـ(Cognitive Distortion) أي التشوه المعرفي ويسمون هذه الظاهره بالذات (Mental Filter) أي الفلترة الذهنية وهي عدم قدرة الفرد على ملاحظة النواحي الإيجابية في حياته بسبب انشغال ذهنه بمعكر بسيط نسبيًّا كمن لا يرى إلا خللًا بسيطًا في ثوب نافع).

في الخطاب الشهير للملاكم محمد علي كلاي أنا الأفضل أو الأعظم تدور الفكره حول التأكيد على قدراته التي من خلالها يعمد إلى تحفيز نفسه لمواجهة الخصم وكسب الفوز في المنافسة، وهذه الفكرة كان لها من الأهميه الشيء الكبير لكسب ثقته بذاته بغض النظر عما تحدثه من الأثر في خصومه. ونحن أيضًا بحاجه إلى تنمية قدراتنا من خلال النظر إلى نقاط القوة فينا والعمل على تنميتها مع إثارة الحماسة في نفوسنا بما يعزز شعورنا الإيجابي تجاه أنفسنا، وبالتالي فإن ذلك سوف ينعكس إيجابيًّا على إنتاجنا.

وفي ختام هذه الفقرة، تذكر أيها القارئ أن الله (لم يقذف بنا إلى الدنيا لنعاني بلا معين كما يقول سارتر.. إن كل ذرة في الكون تشير بإصبعها إلى رحمة الرحيم.. حتى الألم لم يخلقه الله لنا عبثًا، وإنما هو مؤشر وبوصلة تشير إلى مكان الداء وتلفت النظر إليه). مصطفى محمود

الاهتمام بانطباعات الآخرين تجاهنا

حساسيته مفرطة ولو كانت التهابًا جلديًّا لكان أهون، ولكنها التهاب ذهني متجدد، تجذب عقله العاطفي حركة مفاجئة وتشغله كلمة مبهمة لا يهدأ له بال حتى يحلل ما وراء الستار ويتعرف على الكواليس، وما هي إلا لحظات حتى تتحول تلك التحليلات إلى كوابيس متتابعه تقض مضجعه وتشغل باله ثم لا تتوقف عند ذلك، فعما قليل سوف تراوده وتزاحم أفكاره حتى تتولد في عقله صورة سيئة تجاه الآخرين مما يجعل علاقته معهم متوترة وهشة تنقطع لأتفه الأسباب.

في القرآن إشارة إلى ذلك مع نهي عن الوقوع فيه، حيث حذرنا القرآن عن الخوض في الظنون التي تنشب غالبًا عن توقعات وتنبؤات تعتري الفرد بنا على نظرته تجاه الآخرين قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات]. لكنه مع ذلك يضعنا أمام معادلة موزونة (ولا يغتب بعضكم بعضا) ولأن الله يعلم أن ظنونك إنما تنشب بناء على نظراتك تجاه الآخرين وتصوراتك عنهم فمثلا (إذا كان هناك صورة سيئة في ذهنك عن ذلك الشخص فإنك ستكيل جميع تصرفاته بمكيال الشتيمة منك والاستهزاء بك) ولذا بعد أن نهانا الله عن الوقوع في دائرة التوهم نهانا أيضًا عن الوقوع في دائرة الشتيمه لأن في ذلك سلامة للنيه ورحة للبال وصفاء في الروح، وهذا ما يجعلنا نقابل الآخرين ببشاشه ونأسرهم بابتسامة، وعندما يتحول هذا الأمر إلى عادة لدينا، فإننا سوف نجد أثرها في تعامل الآخرين معنا ونظرتهم تجاهنا ولأجل ذلك جعل الرسول صلى الله عليه وسلم من إطلاق الابتسامة صدقة، فعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ» رواه الترمذي، وحين تجد في ميزان حسناتك الكثير من الابتسامات اعلم أن ثقلها هناك لم يكن بسبب ثقلها عليك في الدنيا فحسب، وإنما لحجم الأثر الذي أحدثته حين أطلقت سراحها في وجه أخيك أما عن حجم الأثر في نفسك فسوف تستشعره مع قيامك بالكثير من التجارب.

(لا بد أن تكون حريصًا جدًا فيما تفكر فيه، لأن ما يقودك هي الأفكار، فاحذر من التفكير السلبي، حيث أوضحت إحدى الدراسات أن 80% من أفكار الإنسان سلبية، وهي تتسبب في 75% من الأمراض العضوية والنفسية والعصبية، وتسبب له الإحباط والاكتئاب والقرحة والسكر والكلى وأيضًا السرطان، فالأفكار في منتهى الخطورة على الإنسان). إبراهيم الفقي

ختام هذا الفقرة أهمس إليك (إن النظر إلى ما في قلوب الناس وتفحصها أمر معجز ولأجل ذلك اختصه الله لنفسه فهو وحده من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور فلا ترهق نفسك في ذلك فتنشغل عن مهامك وتقتل وقتك).

الاهتمام بآراء الناس وأقوالهم

يقول ابن مفلح المقدسي رحمه الله: «وقال موسى صلوات الله عليه: يا رب! إن الناس يقولون فيَّ ما ليس فيَّ! فأوحى الله إليه: يا موسى: لم أجعل ذلك لنفسي، فكيف أجعله لك» انتهى.

هل وعيت؟!

إن خوض الناس في بعضهم البعض ليس أمرًا محدثًا، بل هي سابقة في بني البشر وأشدها ما كان في الافتراء على الله تعالى، فالكثير من الأقاويل أخبرنا عنها الله وجعل منها آيات تتلى.

قال تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ۚ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۚ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ۚ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ). سورة المائدة

قال تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ). سورة التوبة

قال تعالى: (لقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ۘ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ) سورة ال عمران

اللهم إنا نبرأ إليك من جميع الافتراءت التي قيلت فيك، ونشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.

قال صلى الله عليه وسلم: (مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنْ اللَّهِ يَدَّعُونَ لَهُ الْوَلَدَ ثُمَّ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ) رواه البخاري، ومسلم.

إنها من طبائع البشر التي تعرض لها الكثير من الناس حتى أولو العزم من الرسل، بل لقد كان لإمام الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم نصيب من ذلك، فقد رموه بالجنون وحرضوا عليه سفهائهم بافتراءت نزهه الله منها وفي حادثة الإفك التي تناولت عرضه الكثير من الدروس التي نعجز عن سردها هنا.

يتناول ابن عطاء الله السكندري هذا الأمر في محمل آخر ويجعل منه وسيلة تذكير وتنبيه بالله كونها تبعدك عن الآخرين لتصلك بالله حيث يقول: (أجرى الأذى على أيديهم حتى لا تسكن إليهم، أراد أن يزعجك عن كل شيء حتى لا يشغلك عنه شيء).

أما في كتاب ما لم يخبرني به أبي عن الحياة، فإن المؤلف يتساءل عن قاعدة قد تبدو بديهية لكنها فعلا تحاكي شيئًا من الواقع الذي يمكننا استنطاقه ممن خاضوا التجربه في مراحل متفرقه من العمر

(هل سمعت من قبل عن قاعدة (18-40-60)؟

هذه القاعدة ببساطة تخبرك عن شيء هام جدًا، وهو أنك في سن الثامنة عشرة تكون مهتمًا للغاية برأي الناس فيك، ومنتبهًا لما يقولونه عنك، وقلقًا بخصوص ما يشعرون به تجاهك. وعندما تبلغ سن الأربعين، تصبح غير مهتم البتة بما يقوله الناس عنك غير آبه بآرائهم فيك، ولا يقلقك ثناؤهم أو نقدهم. بينما وأنت في الستين تدرك الحقيقة الغائبة، وهي أنه لا أحد في الحياة كان مهتمًا بك للدرجة التي كنت تظنها طيلة حياتك!).

وبالتالي فإننا بحاجة إلى إعادة النظر في أفكارنا التي تنبثق بناء على آراء الآخرين وأقوالهم وألا نتأثر بانتقاداتهم وشتائمهم، حتى لا يكون ذلك ألمًا يوخز في النفس كلما آلت إليه الذكرى أو استدعته الأحداث مع حرص منا على أن يكون تعاملنا تجاه تلك التصرفات وفق الحكمه مع يقين منا بعدالة الله المطلقه في كل شيء.

ختامًا:

يتلقى الإنسان الكثير من الوقائع التي تكون مصحوبة بالمصائب، والتي غالبًا ما تنجم عن اهتمام خاطئ (غير متزن) وإن كان هذا السبب مبهمًا لدى الكثير، إلا أنه مع تناولي لبقية الاهتمامات أعتقد أن الأمر سيزداد وضوحًا فإلى اهتمامات أخرى في مقال قادم بإذن الله تعالى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد