مرت مصر بفرص للتغيير في القرن التاسع عشر، كان غياب مفهوم التنظيم الديمقراطي عند القوى السياسية وخاصة الإسلامية منها، لحساب أزمة الهوية أو الاستقلال في عهد الاحتلال من أسباب ضياعها.

لم يحمل المفهوم تقريبًا ويدافع عنه غير الوفد قبل الخمسينيات، بينما رأت القوى الأخرى الوطنية والإسلامية فيه طريقًا غير نافع وغير مجد، وطويلًا لتحقيق الاستقلال الوطني. كذلك حدث في ثورة يناير (كانون الثاني) حيث طغت أزمة الهوية على حساب التنظيم الديمقراطي.

نوضح هنا مفهوم التنظيم الديمقراطي، كما عرفه المستشار طارق البشري، وهو أسلوب لإدارة الدولة والمجتمع بالمؤسسات لا العلاقات الشخصية وبجماعية اتخاذ القرار لا الفردية ومن لوازمه وبناه التحتية حرمة وعصمة الإنسان، وأمنه على نفسه وماله وجسده وعرضه، وذلك ليس لأنها من حقوق الإنسان الأساسية فقط، لكن أيضًا حتى يتمكن من بناء مؤسسات التنظيم الديمقراطي.

كما أنه تحكمه مبادئ خمسة وهما، الجماعية، والتمثيلية، والتداول، والتوازن، والتعددية. وهذه الأخيرة مهمة، حيث لا يقصد بها التعددية في سلطات الدولة من مؤسسات تنفيذية وتشريعية وقضائية فقط، ولا تعددية في الأحزاب والهيئات أيضًا فقط، بل يشمل أيضًا المجتمع المدني الذي يوازن ويحد من طغيان الدولة ويجبر كسرها، ومنه تخرج القيادات الوسيطة التي يتولى المميز منها القيادة العامة.

تعاني مصر من توغل جهاز الدولة التنفيذي على حساب السلطات الأخرى، وعلى حساب المجتمع المدني الذي سحق تحت سطوة الدولة، فضعف القديم منها مثل الطرق الصوفية وهيئات المذاهب، وكذلك الجديد مثل الأحزاب والنقابات والنوادي لم يجد الدعم الكافي من المجتمع لغربته عن ثقافته.

نعود بعد تعريف التنظيم الديمقراطي إلى ما ذكرناه في البداية، هو فرص التغيير التي لاحت لمصر في القرن التاسع عشر وكان أبرزها ثورة 1919، وفيها تمتع المجتمع بمساحة جيدة في مواجهة جهاز الدولة، حيث انتخابات ودستور وأحزاب سياسية ونقابات، وما أعاق التجربة غير عوامل الاحتلال الإنجليزي في ذلك الوقت هو قناعات أحزاب مثل مصر الفتاة والإخوان وغيرهم من إن الديمقراطية ليست وسيلة للتخلص من المحتل فسعوا إلى التغيير الراديكالي والسيطرة على جهاز الدولة، وغفلوا عن أن هذا التغيير باستخدام جهاز الدولة المتضخم والسيطرة عليه على حساب المجتمع من أهم الأزمات التي تواجه مصر فاختاروا تحقيق المطالب الوطنية والاستقلال على البناء الصحيح للسلطة والعلاقة مع المجتمع، ومنهم خرج تنظيم الضباط الأحرار الذي زاد من الأزمة وتضخم الجهاز بصورة أكبر في عهدهم على حساب المجتمع.

ما حدث في حقبة السادات ومبارك بعد الحقبة الناصرية لا يختلف عنها من الناحية التطبيقية وإن كان حدث تغيير من حيث النظر للتنظيم الديمقراطي من زاوية القانون الدستوري حيث تعدد الأحزاب على حساب التنظيم الأوحد الذي أنشأه عبد الناصر، كذلك إجراء انتخابات وعودة نشاط النقابات لكن في الواقع التطبيقي زادت قبضة جهاز الدولة على المجتمع وباقي السلطات، إضافة إلى ذلك غياب المشروع الوطني.

ثم كانت ثورة يناير حيث انهارت أجهزة الدولة الأمنية، وحقق المجتمع مكتسبات لم تتحقق على مدار قرن تقريبًا مقابل جهاز الدولة من حرية التظاهر، وإنشاء الأحزاب، وعودة العمل النقابي، وكتابة دستور وانتخابات، ومؤسسات دستورية، لكن غفلت أغلب القوى السياسية، وفي مقدمتها الإسلامية، عن أهمية حماية هذه المكتسبات على حساب صراعات الهوية والسيطرة على جهاز الدولة؛ مما ساعد في استعادة جهاز الدولة مرة أخرى للانقضاض على مكتسبات المجتمع.

جهاز الدولة ببنيته وخبراته المتكونة من التعامل على مدار القرنين من الزمان لم يساعد من يحمل المطالب الوطنية دون التنظيم الديمقراطي فكرًا وممارسة في تحقيق مشروع إصلاحي، فقد كان يحمل الضباط الأحرار مشروعًا وطنيًّا، ولكن كانت النتيجة في النهاية هزيمة ووقوع الدولة تحت الاحتلال الإسرائيلي وانهيار المشروع.

ومن أسباب ذلك هو التأثير المتبادل بين جهاز الدولة والتنظيم الذي يأتي على رأسه، فإذا كان التنظيم لا يتمتع بالديمقراطية من داخله فهو جنين للنظام الجديد، كما في تنظيم الضباط الأحرار العسكري الذي كان يحمل أيضًا خصائص جهاز الدولة نفسها.

في النهاية، حماية مكتسبات المجتمع التي من المتوقع أن تتحقق في الحراك الحالي تأتي أولوية لتحقيق مشروع وطني للأمة وحماية هويتها أيضًا، وذلك بعدم الوقوع في فخ الصراعات الجانبية على حساب رأس الأزمات، وهي أزمة الاجتماع السياسي الذي يعاني منه المجتمع تحت سطوة الدولة الحديثة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد