في الليلة الثامنة من ليالي الإمتاع والمؤانسة، أورد أبو حيان التوحيدي مناظرة بين أبي سعيد السيرافي النحوي ويونس بن متى المنطقي، والتي انتهت بانتصار النحوي على المنطقي، ومن يتأمل هذه المناظرة التي تعود إلى أواخر القرن الرابع الهجري، أي بداية انحطاط الحضارة الإسلامية، وطغيان السلطة الفقهية التقليدية على الفكر العقلاني الذي سيدخل في سبات لم يخرج منه إلى الآن، سيقف على ما كان يرمي له أبو حيان التوحيدي –وهو أحد العلامات المضيئة في التاريخ الفكري للحضارة الاسلامية- أي طغيان سلطة البيان واللغة على سلطة العقل والمنطق.

هذا الأمر تيقظ له مفكرون كان من أبرزهم القصيمي الذي وصف العرب بـ«الظاهرة الصوتية»، لكن محمد عابد الجابري ومن خلال مشروعه نقد العقل العربي سيتوقف عنده مليًا ويخصص له حيزًا هامًا من مشروعه الفكري، وقبله تنبهت حركات الإسلام السياسي والجهادي المعاصرة لطغيان سلطة اللغة والبيان على العقل واستغلت الأمر جيدًا، ذلك أن المتامل لخطابات هذه الحركات على ما يبدو من اختلاف فيما بينها وعلى ما يبدو من تنوع في بنائها النظري يستحيل أن يعثر على مشروع واضح المعالم متكامل الرؤية بنسق وبناء منطقي جلي، بل يجد مداعبات وجدانية تنطلق من سفسطات لغوية تتحدث عن أستاذية المسلمين للعالم أو ريادتهم له أو جاهلية الحضارة والفريضة الغائبة، وعقلية المؤامرة التي تحاك ضدنا من أيام أبو جهل وعبد الله بن سبأ إلى اليوم، في تغييب تام لكل عناصر التحليل والقراءة الرصينة والملموسة للواقع.

إن السلاح الفعال في يد الحركات الإسلامية كان ولا زال هو اللغة، ويكفي أن نضع المعجم التداولي لخطابات حركات الإسلام السياسي قيد التحليل، حتى نكتشف أنها في الواقع لا تخرج عن منطق الفرقة الناجية والمنطق الثنوي، أي تقسيم العالم إلى ثنائيات (خير/شرير، مسلم/كافر، ملاك/شيطان)، فهم ومن يتخندق معهم يوجدون في عالم الخير، وغيرهم هم الشر المستطير، حتى لو كان مسلما لكن الانتماء للحركة يصبح شرطًا أساسيًا للنجاة ولصحة التدين، وكل الكتابات والأدبيات المؤطرة لحركات الإسلام السياسي من المودودي إلى قطب وقبلهما ابن تيمية والشنقيطي، تنطلق من هذه الفكرة «شيطنة الآخر وتقديس الذات»، وهو ما تفصح عنه سواء تصريحًا أو تلميحًا.

هنا إذًا يبرز دور اللغة أو الاصح سحرها وكيف أنها تخلق عوالم مثالية تتعالى عن الواقع المعاش وعن احباطاته، لذا تظل أداتهم المثلى في الحشد والتجييش عن طريق التلاعب بالألفاظ، والإغراف من قاموس المقدس، واستغلال إمكانيات اللغة العربية من سجع وتورية وتصغير وتعظيم…إلخ، واستدماجها بالمقدس والقيام بقراءات مجتزأة للتراث، ليبدو معها خطاب هذه الحركات كما لو كان تجليا للمقدس بذاته و«لأمجاد الحضارة الإسلامية» الغائبة بسبب البعد عن الدين وعن منهج الجماعة أو الفرقة الصحيح، ويبدو معها للمتأمل كما لو أنهم يحملون مشروعًا فكريًّا مجتمعيًّا واضحًا، لكن خطابهم في الواقع لا يعدو أن يكون فرقعات لفظية بعيدة عن الواقع تمتح من تصورات مثالية، وتلعب على تجييش عواطف الناس خاصة في ظل سيادة مناخ يعمه الإحباط الجماعي، وخلق نماذج مثالية لم توجد إلا في الأساطير، سرعان ما ينكشف زيفها عندما تحتك مع الواقع، فيكون اللجوء آنذاك إلى اللعب على وتر المظلومية وممارسة العنف المادي تعويضًا عن الإخفاقات الواقعية.

خطورة خطابات حركات الإسلام السياسي تتجاوز مسألة تغليفها وتغييبها لوعي الناس أو تسويقها لوعي مموه، إلى ما يمتح منه حقلهم التداولي من حمولات اقصائية تصبح مشرعنة فيما بعد للعنف الجماعي أو الفردي دفاعًا عن «المقدس» من وجهة نظر هذه الحركات، وهذا ما كان سببا في كل أعمال العنف التي قامت بها الجماعات الإسلامية المتطرفة، ولهذا لا نستغرب أبدا عندما نجد أن حركات الإسلام السياسي هي المزود الأول لحركات العنف الديني بالمقاتلين، ذلك أنها مرحلة أولى فقط في طريق صناعة التطرف، ومهما ادعت السلمية ونبذ العنف لكنها تظل وجهًا آخر للعنف اللفظي المشرعن فيما بعد للعنف الجسدي، ولعل ما يؤيد وجهة نظرنا أنه يستحيل أن نعثر في أدبيات حركات الإسلام السياسي على إدانات واضحة للإرهاب المرتكب باسم الدين، ما يؤكد على وجود روابط في الأسس الفكرية المشتركة بينهما.

من أجل هذا تبقى حركات الإسلام السياسي -مهما ادعت نظافة يدها من العنف-ومهما تظاهرت بالمهادنة والمسالمة جماعات حاملة لبذور العنف القابل للانفجار، ويكفي أن يطرأ حادث ما حتى يخرج عنفها للعلن، وما تجربة إخوان بلحاج في الجزائر وإخوان مرسي في مصر وغيرهما ببعيدة علينا، وذلك لأنها تنطلق من تمركز حول الذات وتقديس لها وتدنيس للآخر أي تكفيره وإن بطريقة غير مباشرة -وهو ما سنتوقف عنده في المقالات اللاحقة بالشرح والتحليل من خلال اعتكافنا على قراءة خطابات حركات الإسلام السياسي والكشف عن الخلفيات الثاوية وراءها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد