لم أتردد ولو لحظة واحدة في كتابة هذه التدوينة، ولم أتوان ولو لدقيقة واحدة أخرى بعدما وقعت عيني على منشور لواحد ممن يُعرفون بعلمهم ومكانتهم التي لا بأس بها في الساحة الفيسبوكية، يتضمن هذا المنشور صورة لبطاقة الزيارة لأحد «الرقاة الشرعيين» كما يحبون تسمية أنفسهم – وكأنه يُوجد هناك «رقاة غير شرعيين»- تَضمَّن المنشور كذلك دعوة من هذا الشخص موجَّهة لمتابعيه كي يحظوا بحصص مجانية من الرقية الشرعية يومَي السبت والأحد من كل أسبوع. صاحب المنشور بالتالي يعلن صراحةً أنه موافق مع ما يفعله هؤلاء الرقاة، بل أكثر من ذلك هو يخصص حيزًا من صفحته الضاجة بالمتابعين كي يجري الإشهارات لـ«خدماتهم»، ويساعدهم على استقطاب «المرضى».

في الحقيقة فكرت كثيرًا جدًّا قبل أن أشرع في الكتابة وطرحت أسئلة كثيرة، سأُفصل أجوبتها في ما سيأتي من الأسطر.

في البداية، أريد أن أعترف بأن ذاكرتي زاخرة بالعديد من القصص والحكايات حول الرقاة الشرعيين، بعضها مثير للسخرية والبعض الآخر أكثر إثارة للشفقة، كما يمكن ملاحظة ذلك في الفضائح التي تتحدث عنها المنابر الإعلامية والقنوات الإلكترونية. لكن أريد أن أذكر في هذا الصدد قصة حكاها لي أحد أصدقائي قبل بضعة أشهر، وخلاصتها أن المنزل الذي يسكن فيه هذا الصديق مع عائلته كان قريبًا من السوق الأسبوعي، وفي أحد الأيام أتت فرقة من التقنيين من شركة الاتصالات ليركبوا عمودًا للشكبة أمام المنزل مباشرة، هذا العمود كما هو شائع عنه أنه مضر بالصحة ويسبب الأمراض ..إلخ. مما أثار غضب والد صديقي الخمسيني فاشتكى للسلطات عدة مرات، وقدم طلبات عديدة كي يزال العمود لأضراره البالغة، لكن كل مجهوداته ذهبت سدى، ولم يستجب أحد لمطالبه، عدا أحد الأشخاص الذي فجأة خرج في ثوب الـ«سوبر مان» ليفعل ما عجز عنه الجميع، لكن بطريقته الخاصة، أتعلمون ما هي؟ إنها الرقية الشرعية، نعم أصدقائي لقد أخبر هذا الراقي والد صديقي أن له تجربة في الأمر وسبق أن ساهم بطريقة غير مباشرة في إزالة أحد الأعمدة الكهربائية من أحد المنازل. والد صديقي كان شخصًا ساذجًا ومتواضعًا في تفكيره، فقد صدق ما قاله ذلك الدجال دون تفكير، واتفقا على المبلغ المطلوب من المال، وأعطاه الراقي المقادير اللازمة والحركات المختلفة التي يجب أن يفعلها كي تجري إزالة العمود. (تجدر بي الإشارة إلى أن العمود ما يزال في مكانه حتى وقت كتابة هذه الكلمات).

نستنتج من هذه القصة القصيرة والواقعية شيئًا واحدًا وجوهريًّا في موضوعنا بأكمله، وهو أن من يسمون أنفسهم بالرقاة الشرعيين يستغلون حاجة الإنسان المُلحة، وجهله وسذاجته للضحك على الذقون. لذلك فمن البدهي أن مثل هذه الظواهر منتشرة أكثر ما يكون في المجتمعات المتخلفة الجاهلة، التي يكون الجهل فيها نعمة لصالح هؤلاء الدجالين، يستغلونها كي يسرقوا أموال الأبرياء تحت ذريعة العلاج والشفاء؛ فيقدمون تارة تخفيضات لصالح زبنائهم عندما يأتون بآخرين، وتارة يقدمون «الرقية الجماعية» التي يكون الهدف منها طبعًا هو الضحك على أكبر عدد ممكن من الناس في فترة وجيزة، وكسب الأموال الوفيرة التي تصل إلى ملايين السنتيمات في يوم واحد، ويلجأ فوج كبير منهم كذلك إلى القيام بالرقية عبر اتصالات صوتية، وأخرى بالصوت والصورة مع المريض، والكثير من هذه الاتصالات تبث على القنوات الفضائية والإذاعية للأسف، وأحيانا يكتفون بمجرد إرسال رسالة صوتية تتضمن آيات الرقية يستمع إليها الزبون مقابل إرسال المال للراقي. إلى جانب هذا، فليس من المنطقي في شيء أن يصف لك الطبيب دواء فيأخذه غيرك كي تشفى أنت، أعني أنه إذا افترضنا أن القرآن يشفي من الأمراض، فمن الأكثر منطقية أن يقرأه المريض على نفسه، كمن يأخذ دواء وصفه له الطبيب، لا أن يذهب إلى شخص آخر ليقرأه عليه.

أما إذا أردنا أن نحلل الموضوع تحليلًا عقليًّا علميًّا دون عاطفة، فإننا نتوصل ببساطة إلى أن الرقية الشرعية كما يمارسها هؤلاء الأشخاص لا أصل لها إطلاقًا خاصة في الدين. إذ إن القرآن الكريم كله لم يشتمل ولو على آية واحدة تقول بأنه علاج للأمراض النفسية والعضوية، بل إن كل ما ذكره القرآن هو شفاء العقائد الذي يقصد به الإيمان، أي الشفاء بالانتقال من الكفر إلى الإيمان وأبسط استقراء للآيات التي ذكر فيها الشفاء توضح ذلك وضوحًا تامًّا، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على تماشٍ مع روح القرآن وتعاليمه، التي تحث على السعي والعمل والعلم، لا على التواكل وانتظار بعض الآيات كي تشفي لنا ما استعصى من الأمراض، وإني لأحسب أن الله بعظمته لم يترك في القرآن مجالًا لهؤلاء المجرمين كي يتخذوه بضاعة ومصدرًا للرزق؛ لذلك فلا وجود للشفاء بالقرآن في القرآن. أما الرسول -صلى الله عليه وسلم- فلم يشجع أبدًا على الرقية، بل كان يكرهها، فهو القائل في أحد الأحاديث عن الذين يدخلون الجنة بغير حساب: ولا يسترقون، بمعنى ولا يذهبون عند الرقاة طلبًا للعلاج، وقد كان – صلى الله عليه وسلم- يتداوى بما توفر في زمانه من الأدوية التي يصفها له الأطباء، وهو الرسول النبي الأعظم الذي يتنزل الوحي على قلبه، ولو كان هذا الوحي شافيًا للأمراض لكان رسولنا أولى وأحق به، إنما هو ليس كذلك. وهنا نخلص مجددًا إلى أن الرسول كان منطقيًّا ومُصدقًا للقرآن الكريم وهو أصدق الناس، فعلِم أن القرآن لا يشفي الأمراض، حتى إنه قال أيضًا حينما تحدث عن الشفاء: الشفاء في ثلاث، الكي والعسل والحجامة. ولم يذكر القرآن الكريم، ولو كان القرآن فعلًا يُعالَج به كما يدعي المدعون لكان أولى بالرسول أن يذكر الشفاء بالقرآن في حديثه لكنه لم يفعل. دون أن ننسى كذلك أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- نفسه أمرنا بالتداوي من الأمراض قائلًا: تداووا فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء. فلماذا يحث على التداوي إذا كان مجرد تلاوة القرآن تُشفي جميع الأمراض؟

إن أكثر ما يضر به هؤلاء المفسدون هو الدين، نعم الدين هو الضحية الكبرى والقربان الذي يُذبح بهذه الأفعال المشينة، لأنهم يتغطون تحت أغطية المعالجين الروحيين، والأطباء النبويين، والفقهاء، والرقاة.. إلخ من الأسماء التي ترعبك فور سماعها، وتبعث فيك نوعًا من الوقار المركب والمزيف، ثم يرتكبون حماقات ويدعون ادعاءات أبرأ ما يكون الدين منها. وحين ينكشف خداعهم توجه أصابع الاتهام إلى الدين للمرة المليون، نعم، فهم الذين أعطوا صورة خاطئة عنه واستغلوه لفتح دكاكينهم وتجارتهم الفاشلة.

إن الدين لفي مكانة أعظم من كل هذه التفاهات، وليس بحاجة إلى «العلاج بالقرآن» وغيرها من الخزعبلات الفارغة كي تثبت صدقيته، فهو (أيْ الدين) في الواقع يجب أن يوفر ما يعجز غيره عن توفيره، نعم الدين مَنوط به وجدير به أن يقدم للإنسان ما لا يقدمه غيره، فإذا كان الطبيب يفحص القلب والشرايين والأعصاب والدورة الدموية، وكان المعالج النفسي يراقب الحالة النفسية واللاوعي والإدراك والمشاعر، وكان المهندس والعالم البيولوجي يشرحان ويُنظِّران لعلوم الفيزياء والفلك والطبيعة، فإن الدين تخصصه بعيد كل البعد عن هذا وسامٍ كل السمو والعلو، فهو مخصص لإصلاح ضمير الإنسان وتهذيب أخلاقه وسلوكياته، الدين هدفه أن يتوافق الإنسان مع ذاته ظاهرًا وباطنًا، فبربكم كفاكم لعبًا بالدين وكفاكم ضحكًا على الناس.

لا أريد أن أطيل في الموضوع، فقد وددت كذلك أن أتحدث عن المس والصرع وعلاقة هذه الأشياء بالظواهر الخارقة أو ما يسمى حديثًا بـ«علم الباراسايكولوجي»، الذي أصبح علمًا قائمًا بذاته يدرس هذه الأشياء ويبين حقيقتها ويحاول تفسيرها، مما سيَنْسِفُ ويهدم ما يبني عليه الرقاة الشرعيون مداخيلهم وتجارتهم.لكن سأكتفي في الأخير بكلمة واحدة، وهي أن الوعي ضروري لتقدم مجتمع ما، وأن الإنسان إذا أردت التحكم فيه فعليك فقط أن تُغلف كل باطل بغلاف ديني ثم سيتبعك حتى إلى الجحيم.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد