“تجار دين” كلمة رددها الإعلام المصري ورددها من ورائهم كثيرون دون أن يجلسوا لبرهة مع انفسهم ويفكروا في معناها، ولكن كشأن جميع المجتمعات – خاصة الأقل ثقافة– هناك قادة للفكر يسيطرون على عقول الناس الذين تردد ألسنتهم ما سمعوه دون أن يعلموا أنهم لا يدركون حقيقة ما يرددونه للأسف الشديد.

 

لا أستطيع أن أنكر أن اللعبة السياسية في مصر باتت متشابكة لأبعد الحدود، وأن كثيرين يستخدمون الدين لأغراض سياسية تخدم مصالحهم، ولكن ما لا يدركه الكثيرون أن “تجارة الدين” إذا ما جاز لنا استخدامها كمصطلح ليست مقصورة على التيارات الإسلامية فقط، ولكنها تمتد لتصل إلى النظام الذي يحكم البلاد الآن أيضًا.

 

قبل أن أخوض في التفاصيل أدعوكم أن يتسع صدركم لاقتباس من أحد أصدقائي الملحدين سأستخدمه واعذروني إن سبب لكم شعورًا بالضيق.

 

يقول أحد أصدقائي الملحدون مهاجمًا الإسلام بعبارات حاولت أن أجملها قدر الإمكان: “الدين الإسلامي مطاط تستطيع أن تستخلص منه ما تشاء وتشكله كيفما تشاء، فإذا أردت أن تبحث عن دين وسطي يحصرك في إطار العبادات، ويخدم مصالح السلطة، ويبرر لك الخنوع للحاكم بفتاوى منع الخروج عليه وخلافه، ستجد الكثير من الأئمة الذين يدفعون بذلك ويملكون أدلة قوية من القرآن والسنة والأثر النبوي وآراء الفقهاء عبر الزمان، مثلما حدث إبان ثورة يناير. وإن أردت الفكر المعارض، ستجد شيخًا آخر يمتلك الكثير من الأدلة أيضًا يحثك على التمرد ضد الحاكم مثلما حدث بعد نجاح الثورة. أما إذا أردت إسلامًا يسمح لك بأن تكون داعشيًّا تفجر وتقتل الأبرياء بغير وجه حق، ستجد شيوخًا آخرين يبررون ذلك، وكل منهم له أدلته وسناداته القوية”.

 

وبرغم قسوة الاتهامات في هذا الاقتباس وتحميله الدين أخطاء أتباع الدين، إلا أن رأيه يحتوي على كثير من الدلالات الصحيحة التي تبرهن على أن الجميع بدون استثناء يطوع ويستخدم الدين لخدمة مصالحه سواء كان يقف في صف النظام أو المعارضة “السلمية” أو المعارضة “المسلحة”.

وبغض النظر إن كان استخدام هذه التيارات للدين الإسلامي ينبع عن قناعات تسعى هذه التيارات لتحقيقها أو أن الأمر لا يتعدى حدود “المتاجرة السياسية”! إلا أن الكثير لا يعي كيف تمارس السلطة نفس الدور للأسف الشديد دون أن يوجه لها أيًّا من المعارضين ولو نظرة عتاب واحدة؟!

 

فلا يمكن بأي حال من الأحوال تبرئة النظام من تهمة “المتاجرة بالدين”. فجميعنا قد سمع وصدم بفتاوى الشيوخ الأجلاء في الشئون المعنوية التي تجيز قتل المعارضين باعتبارهم خوارج عن الأمة!! إضافة إلى استخدام حزب النور وبعض الأئمة الذين يطلون علينا على شاشات التلفزة بفتاوى تحرض على المشاركة في العملية الانتخابية ودعم التصويت بنعم على الدستور. ولم نسمع أيًّا من الانتقادات لهذه الوجوه من قبل من يعارضون خلط الدين بالسياسة؟!

 

لكن المفارقة هنا هو عدم اقتصار المتاجرة بالأديان على الجانب الإسلامي فقط، بل امتدت أيضًا لتشمل الجانب المسيحي لما يملكه من إمكانية للتأثير على شريحة كبيرة من المواطنين، فمن منا لا يتذكر مقولة البابا الشهيرة بعنوان “نعم تزيد النعم” في إشارة لدعم الدستور؟!

 

لذلك يمكننا أن نستخلص حقيقة أولى وهي أن السلطة الحاكمة لا تريد صوتًا يستخدم الدين خارج مؤسسات الدولة الدينية؛ لضمان السيطرة على الخطاب الديني وفق ما يخدم مصالحها أو تجارتها إذا جاز لنا التعبير.

 

أما الحقيقة الثانية فهي أن السلطة الحاكمة لا تتاجر بالدين الإسلامي فقط، ولكنها تتاجر أيضًا بالدين المسيحي، ولو كان لليهود أو الهندوس أو البهائيين أو الملحدين ثقل في التركيبة السكانية لتاجرت بهم أيضًا دون أدنى حرج في ذلك.

 

والحقيقة الثالثة هي أننا نواجه انتقادات لاذعة موجهة من الإعلام والسلطة والأحزاب والتيارات العلمانية تجاه استخدام التيارات الإسلامية للدين، بينما نجدها تقف متفرجة عندما تستخدم السلطة نفس الأسلوب بطرق أكثر فجاجة في بعض الأحيان.

 

أما الحقيقة الرابعة فهي الأهم، وتكمن في عدم اقتصار النظام الحاكم على “المتاجرة بالدين” وحسب، بل يمتد الأمر بشكل أوسع وأشمل لينوع النظام في أساليب تجارته، فنجده يتاجر بالقومية العربية والأمن العربي لكسب ود العرب والقوميين، لكنه في الحقيقة لا يقدم أي شيء للمشروع العربي أو القومية العربية، وإيمانه بها لا يتعدى حجم الدولارات التي يتحصل عليها نظير متاجرته بها.

 

ولا يتوقف الأمر عند ذلك، بل نجد النظام يتاجر بأمن مواطنيه ولقمة عيشهم أيضًا، فيتحول أمن المواطن الذي هو من صميم واجبات الدولة إلى سلعة يتم المساومة بها، فإما أن تنصاع لي أو أن تواجه فوضى أمنية متعمدة كالتي شهدتها البلاد عقب ثورة يناير، لتصبح نغمة التهديد بالنماذج الأخرى في المنطقة كسوريا وليبيا والعراق هي المسيطرة على الخطاب الرسمي والإعلامي. أما احتياجات المواطن فهي أيضًا محل مساومة، فحق الإضراب أو المطالبة بالمساوة والحقوق أصبح يهدد استقرار البلاد ويدخلها في شبح الإفلاس! إضافة إلى إجراءات الفصل التعسفي والعقوبات التي تلحق بكثير من المعارضين في كثير من التخصصات داخل وخارج مؤسسات الدولة، هذا إن نجحوا في دخولها والعمل بها من الأساس.

ولا ضرر أن يطالب أنصار النظام باحترام قواعد الديمقراطية والتعبير عن الرأي، فهي تجارة رابحة إذا ما كنت في المعارضة، لكنهم هم أنفسهم من يصدرون ويدعمون قوانين تمنع التظاهر ويعتقلون كل من يعارضهم عندما يكونون في السلطة. كما أنهم يرفضون بشكل قاطع التفرقة العنصرية والدينية، لكنهم يسمحون بها تجاه معارضيهم للأسف الشديد!!

 

ولا تتوقف المتاجرة عند هذا الحد، بل تمتد للمتاجرة بالصراع العربي الإسرائيلي وبالقضية الفلسطينية أيضًا، فلا بأس من إلصاق تهمة تنفيذ المخططات الإسرائيلية والأمريكية في المنطقة بالمعارضين الذين يطالبون بحقوقهم المشروعة وإرهاب المواطنين بحجة وجود مخططات خارجية تستدعي فرض حالة مستمرة من الطوارئ. وفي نفس الوقت يخرج لنا المسئولون في المؤتمرات الصحفية والمقابلات التي تعقد في الخارج ليؤكدوا بكل “بجاحة” أنهم موجودون لحفظ أمن إسرائيل؟! أليست هذه متاجرة مزدوجة في الداخل والخارج؟!

في النهاية وبغض النظر عن صحة متاجرة التيارات الإسلامية بالدين أو عدمه، لكننا نستطيع أن نلحظ هجومًا حادًا على ممارسات المتاجرة بالدين في اتجاه واحد فقط، بينما يتجاهل هؤلاء المعارضون أطرافًا أخرى تتاجر بكل شيء بداية بالدين – الإسلامي والمسيحي– لتتسع قائمة المتاجرة لتشمل أيضًا المتاجرة بالحريات وحقوق الإنسان وبأمن المواطنيين والقومية العربية وأمن الخليج وأمريكا وإسرائيل في نفس الوقت! ولا ينقص صديقنا التاجر الذي اعتبر نفسه “صاحب الدكان” إلا أن يضع لافتة بعنوان “كل شيء للبيع” طالما أنا صاحب الدكان.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد