بدايةً لنتفق على نقطةٍ هامةٍ وهي أنَّ «الزواج التقليدي» و«زواج الصالونات» ليسا إلا مسميين لشيءٍ واحدٍ وهو «الزواج وفق الشريعة الإسلامية» ولم يُضافا هذان المسمَّيان له إلا من قِبل محترفي غزو العقول ليظهروا علينا بعد زمنٍ ويقولوا لنا: «فلنحارب التقاليد» ولنبتعد عن «زواج الصالونات» الخالي من الحب!

فيصبح العنوان إذن «الزواج وفق الشريعة الإسلامية أم الزواج وفق العلاقات الغرامية؟»، وإذا أردنا المقارنة بينهما فلا بد أن نتعرف علامَ ينطوي كلٍّ منهما، ولنبدأ بالزواج وفق الشريعة الإسلامية:

أولى خطوات هذا الزواج هي الرؤية الشرعية وفيها إما أن يشعر كلا الطرفين بالراحة والإعجاب تجاه بعضهما أو بالضيق والنفور، وهذا يطابق الحديث النبوي «الأرواح جنودٌ مجندة، ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف» ومعنى الحديث هو أن الروح تميل إلى ما يشبهها ويوافقها وبه تأنس وتسعد، وهذا نجده مصداقًا للواقع، إذ إننا نلتقي بأحدهم فتنشرح له صدورنا وقلوبنا دون معرفةٍ مسبقةٍ به، ونلتقي بالآخر فتضيق به صدورنا وتنغلق له قلوبنا، وما لقلوبنا وعقولنا في كلا اللقاءين من قرار.

أما الخطوة الثانية فهي الخطبة وتحدث بعد شعور كلا الطرفين بالارتياح تجاه بعضهما وبعد أن تحادثا في مواضيعٍ كشفت لكل منهما عن شخصية الآخر إذ «المرء مخبوء تحت لسانه، فإذا تكلم ظهر»، وأساسها أولًا وآخرًا هو إعمال العقل إلى أعلى درجاته، بحيث تكثر الأسئلة من الطرفين الكاشفة عن طباعهما وأفكارهما، فإذا ما ظهرت عيوب كل منهما للآخر فحينها يقرران إما القدرة على التعايش معها فيتم العقد أو عدم تحملها على الإطلاق فيحدث الانفصال.

في حين ثالث خطوات الزواج الشرعي هو العقد، وفيه يتم إعمال القلب بما يحمله من عواطف ومشاعر، فيتبادلان الكلمات العذبة والعواطف الرقيقة، إذ المطلوب منهما أن يهيئان بعضهما نفسيًا وجسديًا للزواج، وهنا يكون الحب عارمًا صحيحًا لا تشوبه شائبة، فإنما هو نتيجة الارتياح النفسي والفكري في الرؤية الشرعية، ثم القبول العقلي في الخطبة، فلذلك كان سليمًا سالكًا الطريق القويم الذي لا اعوجاج فيه.

وينتهي ذلك بالزواج الذي جاء نتيجةً لقبولٍ نفسيٍّ وقلبيٍّ وعقليٍّ، وإذا كان كذلك فما أهنئه من زواج!

والآن بعد أن استعرضنا خطوات الزواج الشرعي، فأين الخلل بالزواج الذي يسبقه علاقة غرامية؟

يكمن الخلل فيه باختفاء الخطوة الثانية من خطوات الزواج وفق الشريعة الإسلامية، وهي مرحلة إعمال العقل، فغالبًا ما يأتي الحب ومقدماته من كلام وتصرفات غرامية بعد أول نظرة بينهما وقبل إعمال العقل، وحينها لا يتم معرفة العيوب وما يتبعها من اتخاذ قرار قبولها من عدمه، وإن افترضنا جدلًا أنه تم إعمال العقل فإنه لا يرافقه بحثٌ عن الطباع السيئة وتقييمها على أساس القبول أو الرفض، وإنما يُساق العقل إلى السير في الطريق الذي سلكه القلب سوقًا، فعندما يقع الحب فلا عقل ولا فكر ولا تقييم إذ «الحب يُعمي ويُصم»، وبالتالي لا يتم إعمال العقل إلا بعد الزواج، على اعتبار أنه يخبو فيه وهج الحب وتظهر فيه المسؤوليات والواجبات عند كلا الطرفين، فيكون لدى الزوجين في هذه الحالة مفترق طرق: إما أن تكون العيوب مما يتعايش معه فتستمر الحياة الزوجية أو تكون مما لا يتحمله أحد الطرفين فيحدث الطلاق! وربما يتم اكتشاف العيوب بعد إنجاب الأطفال فحينها يا لها من طامة!

ولكن المأساة الحقيقية هي أن تكون العيوب مما لا يُتعايش معه ولا يمكن للآخر أن يتقبلها ورغم ذلك لا يحدث الطلاق! فحينها تصبح وظيفة الطرفين التنكيد على بعضهما ويتحول الحب والحنين إلى نار وجحيم!

لذلك عندما تُكتشف العيوب في مرحلة الخطبة ولا يتقبلها الآخر ويحدث الانفصال فوقتها يكون الضرر وإن وجد فإنه قليل جدًا إذا ما قورن بالطلاق! وقد انتشر عند بعض المسلمين عَقدُ الزواج بعد الرؤية الشرعية مباشرةً وهذا الأمر لا يمت للصواب بصلة، إذ الخطبة أهم خطوةٍ في الزواج ففيها يتم التفكير ويتبعه التقييم ويلحقه القرار.

ختامًا يتضح للجميع أن الزواج وفق الشريعة الإسلامية ليس مجابها «لزواج الحب»، بل الحب أحد ركائزه الأساسية ولكنه يضع الحب في المكان الذي يجب أن يكون فيه، فالزواج القائم على الحب وحده لا يدوم، إذ المشاعر وإن كانت من ركائز الزواج إلا إنها ليست الركيزة الوحيدة فيه حيث يشترك معها الفكر والنفس، فأيما ركيزة فُقدت صار حبًّا أعرجًا، ويكفي الزواج وفق الشريعة الإسلامية أفضلية وعلو أنه يرضي الله الذي بيده قلوب العباد فيحركها حيث يشاء، فيملأ قلب من يريد حبًّا للآخر ويبقيه، ويفرغ قلب من يشاء من محبة الآخر ويصرفه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!

مقالات ذات صلة

شيخ المرأة
منذ سنة واحدة
مجتمع
اظلموها لأنها مطلقة
منذ سنة واحدة
مجتمع