في ظلال القرن الأول من الألفية الثالثة، ما زلنا نرى مجتمعات ذات أفكار غريبة منافية تمامًا للعلم لا تقف عند حد الإيمان المطلق بها، بل تدعو إلى تلك الأفكار والمعتقدات التي تقف دومًا حاجزًا في سبيل العقل البشري، لا أدري لماذا وجب علينا التفكير بعقل هؤلاء الذين ماتوا منذ قرون من الزمن!

يميل عقلنا البشري إلى الجماعة، ففي أغلب الظن أننا -الكائنات العليا- اجتماعيون بشكل كبير؛ لما في الجماعة من فوائد فردية عديدة، أبسطها الذي ذكر في الحديث «الذئب لا يأكل من الغنم إلا القاسية» لكن في جنسنا البشري الأمر ليس بهذه البساطة؛ فإن أول من سيؤذيك هم أفراد جماعتك التي شردت عنها.

في أغلب الأحيان فإن الفريق الذي يدافع عن تلك الأفكار الموروثة -دعنا نسميها «العادات والتقاليد»- لا يعلم سبب وجود تلك التقاليد إلا أنه تعلمها ممن سبقوه، وكثيرًا ما عانى أصحاب التفكير العلمي أو العقلاني من الاضطهاد الخانق؛ وهم كثيرون، أشهرهم جاليليو جاليلي، وتشارلز داروين ذاك الأخير الذي ما زال يعاني حتى بعد موته إلى وقتنا الحالي.

وقد اهتم علم النفس اهتمامًا بالغًا بفكرة الاتباع الأعمى، أو ما يسمى بالإمعية وإيقاف العقل تمامًا أمام سيل أفكار الجماعات، وهو ما أدى في معظم الأحيان إلى ميلاد جيل من البشر يفعلون أشياء لا يعلمون لها سببًا جليًّا، واتباع أفكار هي أبعد ما يكون عن العقل البشري، وإن أعظم ما أُنتج خلال عصر التنوير في القرون الماضية، وخاصة القرن الماضي منها، هي «فلسفة العلم»، تلك التي أهدت العقل البشري الطريق الأكثر وضوحًا لإعمال كنز الهوموسبيان – العقل- ولإيضاح الفكرة قام علماء النفس بالكثير من التجارب التي تبين التأثر الأعمى للفرد برأي الجماعة، وسأعرض هنا ثلاثًا من أشهر تلك التجارب التي تخدم موضوعنا.

1- تجربة السلم والخمسة قرود

لو وضعنا خمسة من القرود في قفص في وسطه سلم، وفي أعلى القفص هنالك موزة معلقة، ومنطقيًا يصعد قرد من الخمسة السلم للحصول على تلك الموزة، وبمجرد أن يصل القرد للموزة يرش العلماء القرود الأربعة المتبقية بماء شديد البرودة، وهكذا دواليك كلما صعد أحد القرود للحصول على الموزة يرش العلماء الماء البارد على القرود الأربعة المتبقية، مع الوقت لوحظ أنه كلما حاول أي قرد منهم الصعود على السلم للحصول على الموزة منعته بقية القرود وأذته حتى لا يصعد السلم، وبذلك يتجنبون الرش بالماء الذي يؤذيهم.

وبعد فترة استبدل العلماء بأحد القرود الموجودين بالقفص قردًا جديدًا لا يعلم شيئًا عما حدث، ومنطقيًّا بمجرد رؤيته للموزة والسلم حاول الصعود للحصول عليها، إلا أن الأربعة القدامى الباقين منعوه متجنبين بذلك رشهم بالماء، وبمرور الوقت لم يحاول القرد الجديد صعود السلم؛ لأنه يعلم أنه سيؤذى ويمنع، أخرج العلماء قردًا من الأربعة القدامى، وأدخلوا قردًا حديث العهد بالحادثة، فحاول مسرعًا صعود السلم، إلا أنه فوجئ بالثلاثة قرود القدامى ومعهم القرد الحديث يمنعونه من صعود السلم.

وهكذا دواليك، أخرج العلماء جميع القردة الذين كانوا على علم بحادثة الماء البارد، واستبدلوا بهم قردة جديدة تدريجيًّا، والمفاجئة أن جميع القردة أصبحوا يؤذون ويمنعون القرد الذي تغلبه شهوته للحصول على الكنز – الموزة- وبذلك تكون لدينا جيل من القردة لا يعلمون شيئًا عن حادثة الماء البارد، وهذا الجيل يقوم بشيء لا يعرف له سببًا.

هذه التجربة – وإن كان مشكوك في صحتها- توضح لنا فكرة التقاليد الموروثة عبر أجيال مجتمع ما، فبمثل أولئك القردة يتولد لدينا جيل يعارض فكرة ما لأنه تعلم أن يعارضها، ليس لأنه يعلم سبب معارضتها؛ وهذا هو مربط الفرس للكثير من الأفكار والمعتقدات الموروثة.

2- تجربة المصعد

التجربة الموضحة بالفيديو في الأسفل مفادها – وإن كانت بالأصل كاميرا خفية وبالمناسبة إن الكاميرا الخفية تعلمنا الكثير عن أنفسنا نحن الجنس البشري- أن هناك شخصًا – فلنفرض أنه شخص (س)- يركب مصعدًا وسط مجموعة من الممثلين الذين ينظرون إلى جهة معينة دون سبب، إلا أن الشخص (س) يجد نفسه تلقائيًا ينظر بدوره إلى الجهة ذاتها التي ينظر الممثلون إليها دون أن يعلم السبب أو يسأل حتى.

وبعدها نجد أن الشخص (س) يندرج في سرعة تامة تحت حركات مجموعة الممثلين غير مفهومة الجدوى، فيقلدهم كلما نظروا إلى جهة معينة دون أي مقاومة أو اعتراض منطقي، أو حتى أن يسألهم عن جدوى ما يفعلون، بالرغم من أن تلك التجربة الاجتماعية مضحكة جدًا، فإنها في المقابل مأسوية بدرجة كبيرة، وتوجب علينا أن نتساءل: أبهذه السهولة يمكن أن نبرر لأنفسنا فعل شيء ما لمجرد أن الآخرين يفعلونه؟!

https://www.youtube.com/watch?v=BgRoiTWkBHU

3- تجربة آش

في واقع الأمر إنها ليست تجربة واحدة، بل مجموعة من التجارب، ولكننا سنستعرض فيما يلي أكبر التجارب جدلًا وأكثرها إخافة وعجبًا، يدخل الشخص (س) مع مجموعة مع الممثلين إلى غرفة لإجراء اختبار ما، وهذا الاختبار – من أسهل ما يكون- عبارة عن مجموعة من الأوراق؛ في كل واحدة ثلاثة خطوط رأسية، ثم يسأل الباحث المجموعة عن أطول الخطوط، والذي من السهل جدًّا أن تحدد أيهما أطول.

في بداية الأمر نجد الممثلين يجيبون إجابة محددة، ولكنها خاطئة، ونرى الشخص (س) يتعجب لاختياراتهم ويختار الإجابة الصحيحة، إلا أنه وبعد فترة – ليست بالكبيرة- من الصمود أمام التيار، يجد نفسه ينجرف تمامًا خلف التيار، ويختار الإجابة الخاطئة التي يختارها الممثلون، من الجلي جدًّا أننا لا نقاوم التيار في كثير من الأحوال، إن لم تكن كلها!

أليس ذاك مخيفًا جدًّا؟!

https://www.youtube.com/watch?v=qA-gbpt7Ts8

في نهاية المطاف لا شك أن التنوع الفكري هو ما يعطي الإنسان مدى من الحرية لصنع وجهة نظره الخاصة؛ لذا دائمًا ما أذكر أن القراءة والبحث في اتجاه واحد فقط من فكر معين – معارضة كان أو تأييدًا- لا يجعل منك سوى مقلد، وعلى الجانب الآخر القراءة في الموضوع من جميع جوانبه هذا ما يمكن أن يجعل منك صاحب وجهة نظر.

لهذا كله كانت أحد أهم أعمدة البحث العلمي هو «مبدأ الشك»؛ الشك في أي معتقدات أو أفكار، مالم يكن لديك دليل عقلاني قوي يجعلها أقرب إلى الصواب منها إلى الخطأ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد