(عالمنا المعاصر مقابل هويتنا)  أصبحت معادلة غير قابلة للنقاش تقريبا لدى البعض وهو ليس بالقليل على أي حال لنكون منصفين.

لكن ما هي هويتنا وكيف تقف أمام حاضرنا لدى هؤلاء؟

ربما ظهرت منذ بضع أعوام بوادر هذا الموضوع ومع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت الآراء تطرح بسهولة أيا كان مصدرها وأساسها ومدى قبولها فضلا عن صحتها من عدمه.  وأضف إلى ذلك الأحداث الأخيرة والثورات المتلاحقة في عدة دول عربية في عام 2011 أصبح الكلام في الشأن العام ومصائر الشعوب واتجاهات البلدان أكثر حرية لاختفاء بعض القيود، وكان من الطبيعي مع اختلاف الثقافات ومستوى التعليم ووجود تلك المساحة من الحرية أن تسمع الكثير والكثير من الآراء. و كان هدف الجميع بلا شك كيف ننهض ونناطح كبرى دول العالم الأول – كما يسمون أنفسهم – ونترك مقاعدنا في الصفوف الخلفية إلى المقاعد الأولى وكان هدفا ساميا بالتأكيد لا يختلف عليه اثنان ولو كانوا خصوما.

فبدأت بعض الكلمات الجديدة على أسماعنا بالظهور مثل (الهوية)؛ وبدأ أصحاب الاتجاهات المختلفة باستخدامها في كلامهم على وسائل  الاعلام المختلفة؛ ولم يهتم أحد بمعنى الهوية وهل هي موجودة بالأساس أم لا؟ أم أنها كلمة للاستهلاك الإعلامي ودمتم؟

حقيقة مع تقدم وسائل الإعلام التليفزيونية وشبكات الإنترنت والتواصل الاجتماعي: فيسبوك، تويتر، إنستجرام والبقية تأتي، أصبحنا نطلع على ثقافات الشعوب الأخرى وحضارات مختلفة وهذه ليست مشكلة على الإطلاق ولكن القلق هنا هو عدم وجود منافس قوي لتلك الثقافات لأسباب عدة منها امتلاك الآخرين لوسائل إعلام أفوى وصورة ذهنية أفضل مترتبة على وسائل الإعلام وأيضًا قوة اقتصادية أكبر ولكنها ليست الأساس.

ربما من مظاهر هذا هو تفاخر البعض بقدرته على إدراج الألفاظ الأجنبية في وسط الكلام – وليس قدرته على الحديث بلغة اجنبية – ربما قد ينطقها خطأً بالأساس أو افتخاره بكتابة اللغة العربية بحروف إنجليزية أو لغة (الفرانكو)؛ أو ما نراه من الأزياء الجديدة المطروحة في بيوت الموضة في الخارج لتنتقل إلينا وتلقى قبولا لدى البعض ربما ليس بالكثير .
وتظل محل سخرية لدى الكثير ولكنها تـأخذ بعض الوقت لتنتشر هنا أيضا وتصبح من المألوفات، ولكن عند طرح الموضوع تجد الرد المعتاد (العالم طلع القمر وأنتم بتتكلموا في كذا – أيا كان هذا الكذا – هتفضلو دايما في ذيل الأمم).

ولكن عند التفكير والتأني تجد أنه لا علاقة بين التقدم العلمي والتكنولوجي واللغة أو الزي أو الثقافة أو الدين؛ فالعلم هو العلم، العلم بالتعلم أيا كان المتعلم لونه، جنسه، ثقافته أو دينه أو زيه.

هل تقدمت اليابان نتيجة الحرية المطلقة أم النظام؟ إذا كانت الإجابة الأولى فلم تظل هناك دول نامية مثل لبنان وبنجلاديش رغم إباحة العديد من الأشياء المخالفة لعاداتنا كالحرية الجنسية بل والدعارة المقننة؟ ولكن لم تشفع لهم وتنقلهم لمصاف الدول المتقدمة. و لو نظرت إلى دول العالم الاول ستجد كل مجتمع له خصائصه وهويته فالبريطاني له ثقافته وأسلوب حياته ولكنته في الإنجليزية تختلف عن الأمريكي الذي يتكلم لهجة أخرى وله ثقافة أخرى والألماني والياباني والروسي كل له لغته التي يتحدث بها وسائدة في البلاد في التعليم والمؤسسات المختلفة ولدى السفراء وفي الاجتماعات الرسمية الخارجية.

ولو نظرنا لوجدنا أن العامل المشترك بينهم ليس اتفاق الثقافة أو الهوية ولكن شيء ما آخر.

إذا مركزنا العلمي سواء متقدم أو متأخر ليس له علاقة بالهوية أو الالتزام بالتقاليد؛ ولكنه مرتبط بالالتزام والنظام والتعليم ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب والتخطيط السليم.

وبذكر هذا يحضرني موقف عندما كنت في أوائل أيام دراستنا بالجامعة عندما كانت اللغة من أهم تحديات بعض الطلبة نظرا للتعود على اللغة العربية طوال فترة التعليم وتغير نظام التدريس فجأة إلى الإنجليزية فسأل أحد الزملاء أحد الأساتذة لدينا وكان مدرسا للفيزياء في الجامعة  (إحنا ليه بندرس إنجليزي مش عربي؟) وكان جواب الدكتور (لأنهم الأقوى حاليا ودي لغة العلم دلوقتي وإن شاء الله هنتقدم على إيديكم والعلم يبقى عربي).

ولكن هل هذا مقنع  هل صحيح أن القوي علميا يفرض سيطرته ربما هذا صحيح جزئيا ويحدث بالفعل ولكن ليس بقوة الأكثر تقدما ولكن برضا الأقل. فالتعليم في بعض الدول يدرس باللغة الأم ألمانيا على سبيل المثال يتم تأليف الكتب وترجمة المراجع في مكتبات الجامعات بالألمانية وروسيا أيضا كذلك.

إذن فلا علاقة للعلم باللغة فالعلم له لغته الخاصة. الرياضيات مثلا لغتها الأرقام والرموز والمعادلات والفيزياء لغتها الظواهر وتفسيراتها بالتجارب العملية والافتراضات والمعادلات الرياضية النظرية.

ولن تزيد شيئا أو تنقص شيئا إذا كنت تدرسه بالعربية أو الإنجليزية أو الألمانية أو الروسية أو أية لغة موجودة ما دام المحتوى العلمي لم ينقص. ولكن الضرر كل الضرر هو أن تعيق اللغة شخصا ما عن العلم، فهذا إعلان هزيمة منك أنك على الهامش وليس لك وجود ولا اعتبار وكي تتقدم تعلم لغة غيرك وكن كغيرك وإلا فلا.

ولكي لا يفهم كلامي خطأً هذا لا يعني أني ضد تعلم اللغات، فتعلم اللغات من ضروريات التواصل مع الآخرين والتعرف على الثقافات الأخرى ونقل العلوم والفنون وأصبحت الإنجليزية مثلا اللغة العامة لكوكبنا تقريبا حاليا في التعاملات الدولية أو بين مختلفي الجنسيات واللغة الوسيطة الأولى في العالم ولا أتقبل التقاعس عن تعلمها.

ولكن هناك فرق بين التعلم والتطبع فأنت مهما أتقنت من اللغات وتعرفت على الثقافات فأنت عربي ولا ينبغي نسيان هذا، أنت تمتلك لغة وشخصية وعادات وأخلاق وتاريخ عريق مهما حاولوا التشويه وليس عليك إلا صنع حاضرك ومجدك الآن وليس التهرب من حاضرك الآن فغيرك لم ولن يقبلك كفرد منهم ربما يتعايش معك ولكنه لن يعتبرك أمريكيا أو أوروبيا خالصا مثلا لأنك في النهاية عربي.

والقوي دائما لا يفرض ثقافته إلا برضا الضعيف واستسلامه  ومثال على ذلك اليابان بعد الحرب العالمية الثانية انتصرت أمريكا ودمرتها تماما ولكن الثقافة اليابانية مازالت سائدة لديهم عبر الاعلام واللغة وحتى (الأنيمي) الذي نشاهده هنا هو وسيلة للحفاظ على ثقافتهم وتراثهم ونشرها.

ربما في اليابان لا يرتدون زي الساموراي والأزياء القديمة وبل يرتدون الملابس الأوروبية والأزياء الرسمية كالبدلة والكرافت والجيب والملابس الكاجوال الشبابية ولكن لديهم تراث وثقافة وحياة خاصة بهم حتى الآن والعالم يعترف بها ولا ينكر أحد وجودها ولم تقف ثقافتهم عائقا أمام التقدم التكنولوجي لديهم.

اليابان.. التقاء الحاضر مع التراث

ومن مظاهر فقدان الهوية

تحول اللغات من تواصل إلى وجاهة اجتماعية ودلالة تحضر وعمق الثقافة ورغم وجود صلة بينهم إلا أنها ليست المؤشر الرئيسي فكم من آباء وأجداد يتمتعون بالثقافة العالية والخبرة الواسعة ولا يجيدون تحدث اللغات وكم من وجهاء المجتمع لا يجيدون تحث اللغات… ولكن يظل أيضا تعلم اللغات أفضل من الجهل بها ولكن ضعها في إطارها الصحيح.

تبدل ثقافة النشء الجديد فكل فئة تبتعد أكثر عن ثقافتها وتزداد الهوة بين الفئات العمرية فكان قديما احترام الكبير وتوقيره شيئا شبه مقدس لدى مجتمعنا ولكن مع مرور الوقت أصبحت أقل أهمية فلربما تجد رجلا كبيرا أو امرأة في عمر أمه تقف في المواصلات العامة ولا يقف أحد إلا عند تنبيهه بدافع الإحراج لا أكثر ولكن لا يزال الخير موجودا أيضا.

الانفتاح الأخلاقي الزائد أو قل الانحلال الزائد فأصبحنا نرى أطفالًا في عمر 12 أو 13 عامًا كل همهم العلاقات العاطفية والصداقات مع الجنس الآخر وقد يكون هذا من مظاهر فترة المراهقة ويمكن احتواؤه ولكن أصبحنا نرى مظاهر جديدة دخيلة على أخلاقنا ومجتمعنا وعاداتنا مثل بعض صور القبلات أو الأحضان وكلام الغراميات وربما جرد هؤلاء من طفولتهم ودخلوا في مراحل ربما ليست مناسبة لسنهم قبل أخلاقهم.

اهتمام البعض بإتقان اللغات الأجنبية وعدم التساهل ولو بخطأ واحد بسيط – ربما لا يلفت انتباه أصحاب اللغة أصلا – واعتباره كارثة تستوجب العمل الجاد أو السخرية من المخطئ وفي نفس الوقت يخطئ في لغتـ(هـ) الأصلية.

وربما لو نظرت إلى غالبية البرامج في الفترة الأخيرة  تجدها مقلدة حرفيا من برامج أجنبية أخرى بدون أي إبداع أو تغيير وكذلك الأفلام المسروقة إما محتوى بل واسمًا أيضًا.

نحن تحدثنا عن المشكلة وظواهرها ولم نتطرق للحلول حتى الآن.

إذا ما هي الحلول؟ 

ينبغي أن ندرك أن الانفتاح الثقافي الناتج عن التقدم التكنولوجي إنجاز حقيقي وأن ننظر إليه بمنظور إيجابي فقد أتاح سهولة التعرف على الثقافات الأخرى وسهولة التعلم عبر جامعات العالم المختلفة في نفس مكانك  وسهلت التواصل وانت  في بيتك فلا حاجة للترحال والسفر  والغربة ونفقاتها للذهاب إلى دول أخرى ولكن باستخدام الإنترنت تتواصل مع زملاء من أقصى الأرض إلى أدناها. وباستيعاب هذا يمكنك أن تعرف الطريق إلى الاستخدام الصحيح للتكنولوجيا واستغلالها في تثبيت هويتك. ونشر ثقافتك.

وسائل الإعلام هي كلمة السر، ينبغي وجود سياسة إعلامية – ربحية أيضا لنكون واقعيين – تهدف لترسيخ ثقافتك ونشرها بين الشباب وللدول والثقافات الأخرى أيضًا.
فعندما تصبح وسائل الإعلام مؤسسات ربحية فقط ولا هدف لديها فإنها تتحول تلقائيا إلى أداة هدم لمجتمعك وثقافتك كما نرى في الأفلام الأخيرة التي تنشر ثقافة العنف والبلطجة تحت ستار الواقعية ونقل الحقيقة في حين أنها تصنع الواقع أو تزيده انتشارا وسوءًا ولا تعالجه.
مثلما ذكرت مثال مسلسلات الأنيمي التي ساهمت في الحفاظ على الثقافة اليابانية بل وانتشارها لدول كثيرة أخرى منها الولايات المتحدة التي حاولت سابقا محوها؛ ومسلسل البحار باباي الأمريكي الذي انتشر بين الأطفال وأدى إلى زيادة شعبية وجبة السبانخ بين أطفالها بمجرد مسلسل كارتوني.

وينبغي أيضا استغلال شبكات التواصل وربط الاجيال القديمة بها من أجل تقليل الفجوة بين ثقافة الأجيال المختلفة حاليا ولكن على أية حال سوف تختفي الفجوة على مدار السنوات القادمة.

أخيرا إفساح المجالات للأفكار الإبداعية فالأهرامات مثلا هي التي حفظت الحضارة المصرية لدى وسائل الإعلام الخارجية في الأفلام والكارتون وغيرها؛ والأهرامات ما هي إلا فكرة من معماري مبدع.

إذن فملخص الكلام أن الهوية لا تتناقض مع التقدم ومواكبة العالم الآن وهناك موضوعات تستحق البحث والحديث والاهتمام للنهوض بدولنا غير المواضيع التي تمس هويتنا كمحاولة إيجاد سبل جديدة لتطوير التعليم والصحة والاقتصاد وليس هناك عذر بفقداننا أخلاقياتنا وعاداتنا بداعي التحضر والتقدم ومسايرة ثقافة القرن 21.

ربما يظن البعض أن الموضوع حجر على تصرفات الآخرين أو محاولة نقدها ولكننا في هذا العالم الكل يفعل ما يريد ولا أحد يستطيع فرض نظرته للعالم أو الدعوة لها ولكن الموضوع مرتبط بقوة المجتمع فمجتمع بلا ثقافة خاصة به أو هوية يحافظ عليها هو مجتمع هش ومتفكك يسهل اختراقه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد