الأجواء ملتهبة بعصير من الأصوات الصاخبة، أبواق سيارات، وشتائم السائقين، ومواتير السيارات الهالكة، وأصوات الزبائن بسيارة الأجرة، وأصوات هنا وهناك، زحمة كئيبة من الأصوات التي تشكل سحابة تخنق صدري بالبكاء، فأتنهد تنهيدة الحياة مخنوقًا بلحظة عاطفية مؤثرة في نفسي تحفز فيّ البكاء، وتملأ صدري بالصراخ، وما إن أبدأ في إخراج ذلك النفس حتى تسري في عروقي راحة، وهدوء، وسكون وكأن شيئًا ينساب من فوق جلدي بلطف يداعب روحي.

كم هو متشابه الصخب مع السكون؛ فكلاهما ينشئ الآخر، ويحدثان توازنًا في الحياة. أشعر كثيرًا بهذا التوازن، يكاد ينخلع قلبي من مكانه من جمال الازدواج، من شعوري بعدم وجود تضاد، بل يمس قلبي صوت يوحي لي بأنهما شيء واحد.

رائحة صاخبة بالمكان، سحابة من عوادم السيارات ودخان السجائر المصرية في يد السائق، فتبغها ممزوج بأخشاب أو شيء من هذا القبيل، يعطيها رائحة مميزة، عطر مركب رخيص نفَّاذ، له قدرة غير عادية على رسم خط دقيق من الصداع في الرأس، مع رائحة عرق، أعتقد أنه لو كانت هناك رائحة يميز بها الإنسان وطنه فهذه رائحة وطني، مزعجة مليئة بأوصاف دقيقة لما يكابده الوطن، وكأنه يحاول أن يخبرني بشيء ما، رائحة تعبر عن الحالة الاقتصادية عمومًا، والحالة الاجتماعية للأماكن أو الأشخاص، فقط خذ نفسًا عميقًا وستفهم كل شيء.

دعك من كل هذا، دعنا نغوص في الجو الفني بالمكان، لا، لا أقصد الأغاني الشعبية (المهرجانات المصرية)، بل الصوت الضئيل لسماعة الرأس الخاصة بي؛ فهي رخيصة نوعًا ما، فلا تلغي الضوضاء التي بالمكان، ولكني أرضى بالصوت الضئيل الذي يصل إلي من وقت لآخر، أبيات من الشعر على موسيقى شرقية خالصة، نعم، غناء صوفي.

إن الحالة الصوفية تهرب مني في كل مرة أحاول أن أستحضرها، لا أعلم السبب. ربما لجهلي بها، وقد تكون غير صالحة لزخم الحياة؛ فالمعرفة تخون وقت الشدة. لماذا ابتعد الدراويش عن العالم؟ أزهد هذا أم هروب من الواقع؟ كل ما أعرفه أن الحالة الصوفية تهرب مني وقت المواجهة.

لقد لفتت انتباهي تقاسيم وجه وتعبيرات أعرفها جيدًا، إنها لشاب يستمع لنصح شخص آخر كثيف اللحية، التي تُبدي وملابسُه توجهه السلفي. أما عن تعبيرات الشاب فهي تذكرني بنفسي في كثير من الأوقات. إن شعور ذلك الشاب يغمرني؛ فأنا أيضًا أعتقد أن الجحيم بعينه أن تتحدث إلى سلفي قليل العلم، وما أكثرهم. كل معالم احتقار الذات، والشعور بالنقص تنبع من هنا؛ فإنه يقول إن الكمال لله وحده، ولكنها لا تمس قلبه. لا يفهم كيف يخطئ الإنسان، ولا لماذا، وينكر ذلك الجزء البشري من تكوينه. تضيق نفسي كثيرًا من التحدث إلى هؤلاء، وأكاد أقنط من رحمة الله مما يقولون. الحمد لله الذي جعل الحساب عليه.

في زحمة المواصلات يصيب الجسدَ بعض عرق، وخنقة، ورغبة في التعري، والاستحمام. فهذا هو التجسيد المثالي لكل ما يخنق التفكير في تلك اللحظات. طبقات من التفكير غير المكتمل، والجهل بالأمور، والفلسفات الوجودية والعدمية والعبثية، وفيض من الآراء الشخصية وغير الشخصية، والتناقضات بين حب الوطن والسخط عليه، وبين الشجاعة في مواجهة كل شىء من أجل الحياة، والاستسلام للكآبة والموت. أشعر أن روحي تسافر صعودًا وهبوطًا بين السماء والأرض. ومن هنا تنطلق الرغبة الشديدة في التجرد من كل هذا، رغبة في الانصياع والاستسلام، رغبة في تقبل الذات المجردة، في الحياة.

ومن هنا تدرك النفس معنىً جديدًا للصبر، ودورة الذنب والتوبة. وربما نحزن على ذلك التيه، ولكن لن نيأس، أو لن يكبر حجم يأسنا؛ فالله عليم تمامًا بأنفسنا، بمحاولاتنا، وصراعاتنا، وجهلنا، وتواضعنا، ونقصنا.
يقطع الصخب الشديد أبيات الحلاج:
إذا هجرت فمن لي… ومن يجمل كلي
ومن لروحي وراحي… يا أكثري وأقلي
يا كل كلي فكن لي… إن لم تكن لي فمن لي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد