نتوقف يوميا في إشارات المرور لكن ننسى أن نلقي نظرة على من حولنا فقررت أن ألقي تلك النظرة اليوم لعلك تراها فيما بعد. ميكروباص مزدحم، يتحمل فوق طاقته من البشر، يزداد من فيه عمن يقفون في طوابير الخبز يوميا، زحام بالخارج، سيارات تعد بالعشرات في هذه الإشارة المكتظة بالبشر ينتظرون إشارة من جندي لا يتعدى راتبه 400 جنيه، ويملأ الجو دخان من عادم السيارات قادر على قتل طفل لم يبلغ السنة الأولى من عمره، صخب في كل مكان يبدأ من الحوار الممل الذي بدأه السائق مع من بجواره عن النظام يخلطه صوت طفل يبكي ولا تقدر أن تسكته أمه، وبجانبها عجوز تصرخ من عدم قدرتها على تحمل الطريق واقفة، ويصدم هذا الصخب صوت عصا تجلد حمارًا محملًا بمئات البضائع التي كاد أن يقلب بها فيواجه صعوبة في السير إلا أنه يسير ناسيا كل آلامه خوفًا من عصا هذا السجان الذي يتوقع أن فعلته تظهر رجولته أمام تلك الفتاة صاحبه السيارة التي يتعدى ثمنها المليون جنيه.

تنظر تارة في الهاتف وتطعم الكلب تارة، هذا الكلب الذي يرعب هذه المسنة التي تبحث عمن يساندها في عبور هذا الزحام فتطلب العذر من المارة حتى يأخد بيدها أحد ولكن دون جدوى حتى يصدمها الصبي ذو العشرين يمر من جوارها مرور الكرام لديه عذره، فهو يعاكس تلك الفتاة ذات الحجاب والملابس الفضفاضة والتي امتنعت من الخروج ليلا خوفا من هذه النظرات والألفاظ البذيئة والبسبسة، وتصرخ مرأة “حقيبتي”، تحمل فتاة على يدها ويمسك في جلبابها صبي ذو سبع سنين وقد أُمر أن يمسك جلبابها بشدة خوفا من أن تفقده كما فقدت الحقيبة التي استغل سائق الدراجة البخارية انشغالها بأبنائها وسرقها.

وتخظف الأنظار فجأة عربة حاملة أرقام شرطة بها شاب في التاسعة عشر من عمره يجري وكأنه يريد الإطاحة بمن على الأرض ليرمي سلامًا فيقف الجندي فزعا منه وينطلق خارقا كل قواعد المرور التي تعلمناها في المدارس، وهنا تلغى أولوية سيارة الإسعاف التي يرفض الجميع فض الطريق لها حتى تصطف وراءها السيارات متوقعة سرعة السير.

مع الوقت اكتشفت أن إشارة المرور كادت أن تصور لي المجتمع كله من أفقر مواطن به لأغنى من فيه، وهذا الصياح هو صياح من هم تحت خط الفقر، هم من  ينتمون لهذا المجتمع ولكن يخجل المجتمع من الاعتراف بهم أو إظهارهم حتى بدأنا ننساهم، فيصيحون باحثين عمن يسمعهم. شكرا لهذه الإشارة التي كادت أن تصور لي ما لم تره عيني، كادت أن تفضح المجتمع، كادت أن تكشف الغمام عن عينين أصر الزمن أن يجعلها ترى الكون ورديًّا حتى ترضى بالواقع. نعم نحن من ضحك علينا الزمن، نعم نحن الجيل الذي تعود على الزحام فيفتقده إذا غاب ويشعر بالدفء فيه، ولكن لمتى ستظل الإشارة بهذا الشكل؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المواطن, مصر

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد