يعيدنا الروائي جان دوست من خلال روايته كوباني.. الفاجعة والربع إلى زمن الملاحم السردية، لكن في سرده الملحمي لم يكن في حاجة إلى الاستعانة بالأبطال الخارقين كما كان يفعل هوميروس، بل الواقع في حد ذاته كان خارجًا عن المألوف وخارقًا للطبيعة، مأساويًا لدرجة أن المأساة بكل أطوارها وتفاصيلها ومعانيها تبدو تعبيرًا فارغًا لا يمكنه استيعاب حجم الفاجعة.

الفاجعة التي لا تشبه إلا سرطانًا أسود ينهش في جسد الرواية من صفحاتها الأولى وصولًا إلى نقطة النهاية، سرطان لم يشعر بالتخمة فكان يبتلع الأحداث تباعًا، لم يترك إلا وخزة مؤلمة في صدر القارئ تُشعرك تلك الوخزة اللعينة بأن جان دوست كان يعتصر قلبه بقبضة يده ويكتب، فتقف حائرًا أمام جبروت هذا الروائي الذي استطاع أن ينقل لك إحساسه في كل سطر من الرواية وفي كل شبر من خراب كوباني.

من الجنون أن تقارن هذا السرد بغيره، فالرواية تشتلع قلبك من جذوره وتصفعك بقسوة ولا ترحم ذاكرتك، فكل ما خبأته ذاكرة الحرب السورية بين دفتي الكتب في كفة وهذه الرواية في الكفة الموازية، وبعدما كنت أحسب أن القوقعة لمصطفى خليفة هي أقسى ما جاء في الأدب السوري، جاءت كوباني لتنسف مرارة السجون وتضعك أمام سجن أكثر اتساعًا من حيث المساحة، لكنه أقرب ليكون حبل مشنقة من حيث التأثير.

فمن المنطقي أن تدفع ثمن رأيك السياسي أو انطباعك حيال نظام مستبد في زنزانة، لكن أن تتحول هويتك إلى ضريبة تدفع ثمنها سجينًا ومهاجرًا ومقاتلًا ولاجئًا ومنفيًا هذا هو اللامنطق بعينه، وهنا لا أتحدث عن العروبة التي اعتبرها الشاعر العراقي أحمد مطر عقوبة ذات عمر، بل عن الهوية الكوردية التي قدم رجالها ونسائها على مدار سنوات طوال من النضال قرابين ملطخة بالعرق والدم.

يكفي أن تكون إنسانًا فقط لتشعر أن اللغة خائنة، فمهما حاولت أن أكتب عن هذا السرد سيبقى الكثير والكثير بين دفتي الرواية والأكثر من كل ما سبق سيبقى مشاعر دفينة على هيئة أسير في أعماق جان دوست، فلو أعاد كتابة هذه الرواية بكل لغات العالم لم يصل إليك هذا الأسير، فهناك شيء من المشاعر لا يعبر على الورق، بل يدخل إلى القلب الإنساني دون تذاكر ودون كتب.

كوباني.. الفاجعة والربع

للمرة الأولى لا أعتبر أن العنوان جاء خيارًا للروائي، بل هو واجب تعددت دوافعه، فمن زاوية هو دافع شخصي ومن زاوية آخرى هو واجب قومي ولو تعمقت أكثر ستجد أن العنوان جاء إلهامًا على صورة قطرة من الغيث تسعى جاهدة لتطفئ لهيب الحرائق في هذا السرد.

فلو فكرت ألف مرة لتضع عنوانًا آخر بعد قراءة الرواية لن تجد أمامك إلا كوباني.. الفاجعة والربع، لأن اللغة في بعض الأحيان، بالرغم من مرونتها تتصلب تمامًا فكل الصفات خاوية وكل التراكيب تبدو مصطنعة، فيكتفي دوست بكوباني المكان ومسقط الرأس وميدان الطفولة والشباب لتكون بخرابها جزءًا عظيمًا من خرابه الداخلي عندما توقفت عقارب الساعة لتلدغه على الفاجعة والربع تمامًا.

الأحداث

ولأن النزوح هو أكثر وجوه الهجرة سوادًا، لم يكن مهاجر صفة التصقت بحمزراف الهارب من مدينة قارص بعد إخماد ثورة شيخ سعيد، بل لقب تسرب إلى سلالته التي كادت تندثر من قبل أن تأتي أساسًا، فكأننا من خلال هذا المرجع التاريخي لشخصية مسلم ابن حمزراف المهاجر، نستطيع أن ندرك أن الهجرة انتقلت من كونها حالة طارئة إلى متلازمة تفتك بعائلة الحاج مسلم.

فالهجرة في السرد تأخذ أبعادًا أخرى فنرى فيها غربة على المستويين الزماني والمكاني، فالمهاجر لم يعد فردًا بذاته، بل تحول إلى بنية مهيمنة في تركيب الشخصيات، فنرى صورة النازح الذي يعبر الحدود برًا وبحرًا في انعكاس لصورة واقعية ألفناها، ونرى المهاجر مقاتلًا يحمل السلاح دفاعًا عن قضية لم تعد محكومة بجغرافية، ونرى المهاجر روائيًا منفيًا منعته أحكام السياسة العرفية من العودة إلى الديار، فعاد بخياله يتقفى ذكريات محفورة في وجدانه الذي أتعبته الغربة.

وبمقاربة موضوعية نستطيع أن نرى ملامح التاريخ تعود لتدس نفسها في الحاضر، فحين عاد حمزراف إلى قارص عاد غريبًا قارص التي قضى فيها طفولته كلها لم تكن قارص التي عرفها كليًا حتى الشمس التي تشرق فيها لم تعد شمس أيام الطفولة، والليل الذي يخيم على المدينة لم يعد ليل الأيام الخوالي، والنجوم التي تلمع في الليل لم تعد نجوم زمن مضى.

فمن عودة حمزراف إلى قارص، ينتقل بنا جان دوست إلى عودته الروحية إلى كوباني، وبين العودتين قرابة 100 عام، إلا أن المشاعر تكاد تكون مشاعر رجل واحد، فالعدو واحد، ولكن أوزار الحرب مختلفة، فعمل دوست على تصوير المكان من خلال لغة سينمائية إن صح التعبير، فمن خلال المقاطع الوصفية المشبعة بالعاطفة يُشعرك أن حجارة المكان ستنطق وأن الغائبين سيعودون في لحظة ما، فبين جمال الماضي وفاجعة الحاضر تبقى روح الروائي تتأرجح بين السطور.

وبناء على هذه المقاربة الموضوعاتية نتلمس خيطًا زمانيًا رفيعًا اعتمده جان دوست ليربط ويلات الأمس بفاجعة اليوم، وكأن الشقاء مكتوب على الأكراد، فالأرض متغيرة إلا أن الهم واحد، والعدو واحد، إلا أنه مثل الحرباء دائمًا يظهر بحلة مختلفة، فالحرب لا تلبث أن تضع أوزارها حتى تندلع مجددًا.

فالكوردي لم يعرف مذاق الاستقرار، واستطاعت شخصية مسلم في السرد أن تكون نواة كوباني المدينة، فمن الهرب إلى الاستقرار المؤقت يصور لنا دوست نقاط التحول في المدينة، فمع تطور الشخصية في السرد نلاحظ توسع المدينة، فمن القرية إلى المدينة ومن الشباب إلى الشيخوخة، ثم إلى نقطة البداية، فكأنك أمام مرثية، لكن هذه المرة بنمط سردي.

فكما كان أبو البقاء الرندي يرثي المدن الأندلسية شعرًا، جاء دوست ليرثي مدينته سردًا وفي ذات السياق هناك من يعيب على جان دوست لغته الشعرية، لكن حتى نكون منصفين دوست قادر على التحكم باللغة وكأنه يغرف الكلمات غرفًا، فبين اللغة الواقعية القاسية وبين اللغة الشعرية الفلسفية في بعض المواطن نلاحظ مقدرات الروائي، فاللغة تنمو في مناخ الحدث، وخصوصًا في مونولوجات الشخصية نتلمس ألمًا بشريًا ينزف في أعماق الشخصيات، وحين يهرب جان دوست إلى الحواريات نقرأ لغة مألوفة، لغة نستخدمها في يومياتنا فنستطيع أن نقر بأن الرواية منسجمة لغويًا.

الشخصيات

بالرغم من كثافة الشخصيات، إلا أن كل شخصية تؤسس لبناء الحبكة، فلا تقرأ حدثًا عبثيًا أو ترى شخصية زائدة، وهنا لا يجدر بنا الإحاطة بكل الشخصيات، لكن حتى أكون صريحًا في اللحظة التي قرر فيها جان دوست إرسال حمة إلى تونس رأيت أن هذا الحدث حشو غير مبرر، لكن الصدمة جاءت على هيئة صاعقة في فصل وسمه دوست صلاة الداعشي الأخيرة، وليس هذا وحسب، بل عمل دوست استرجاع زمن الثورة التونسية ثورة الياسمين ليؤكد أن مغتصبي الثورات لا حدود تمنعهم، فكأن الحدث الذي اعتبرته حشوًا في البداية لم يكن إلا فتيلًا لقنبلة فجرها جان دوست في السرد.

أسس دوست لكل الشخصيات، فلكل شخصية لونها وأيدلوجيتها وطريقة تفكيرها، لكنه وضعهم أمام امتحان واحد، فالصراع بين الأجيال المتمسكة بالماضي والأجيال التي تتوق للحرية كان تيمة في بناء الشخصيات، فالتمرد على الظلم ليس إلا قرين الشخصية الكوردية، فكأن الثورة التي تندلع ليست إلا شرارة من أرواح الثوار، فالثورة تشتعل بأرواح ثوارها، وليس العكس أبدًا.

وبالرغم من ذلك لم ينكر دوست أن الخيانة لا تعرف عرقًا بعينه أو طائفة أو قومية، فكما أبرز صورة الكوردي الثائر أبرز صورة الكوردي الخائن، وهذا ليس جديدًا على هذا الروائي فالهدف دائمًا هو إظهار الحقيقة فدائمًا يختار الوقوف على مسافة آمنة واحدة من الحدث، لا يكتفي بزاوية بضيقة، بل يعالج القضية من عدة زوايا ويبرز ما يحاول البعض إخفاءه، وهذه المصداقية تحسب للسرد وللروائي وللقضية الكوردية في الوقت ذاته.

بالإضافة لم يغفل الروائي عن إبراز صورة المرأة، فرأينا صورة المرأة الأم، والمرأة الزوجة المضحية والمرأة المقاتلة، في كل طور من أطوار هذه الملحمة السردية كان يعرج الروائي على دور المرأة الذي كان ولا يزال وسيبقى أساسيًا في قوام أي مجتمع يطمح للتحرر، فكأننا نستنتج أن العدالة بين المرأة والرجل هي علاقة تكامل، وليس فضلًا أو منة كما يروج لها البعض.

وعلاوة على ذلك نلاحظ بنية مجتمعية لا تؤمن بالفردانية، فكوباني ليست إلا بيتًا من قصيدة تدعو للتعاضد والتكاتف، فإذا لم ينجح الدين في لم شمل الفرقاء ستنجح القضية، وإن فشلت القضية بتعصبها وتطرفها ستنجح الإنسانية بكل تأكيد، فبالرغم من أن الموت أرخى ظلاله على الجميع، إلا أن الأمل دائمًا يحكم الوجود الإنساني، فليست محنة كوباني إلا ضربة قاسية ستعلم البشرية درسًا بأن الإيمان هو طريق العودة، وأن دوام الحال من المحال فما هو خراب اليوم سيكون أساسًا لبناء عظيم، وكما قال أبو البقاء الرندي ذات خيبة:

لكل شيء إذا ما تم نقصان … فلا يغر بطيب العيش إنسان

هي الأيام كما شاهدتها دول … من سره زمن ساءته أزمان

وهذه الدار لا تبقى على أحد … ولا يدوم على حال لها شان

خلاصة أخيرة

يأخذ هذا السرد جانبًا من التوثيق لمأساة أهالي مدينة كوباني على لسان أبنائها أحداثًا وبقلم ولدها البار جان رواية، واستطاع الروائي بالرغم من تداخل الأحداث أن يجعلنا شهودًا على أدق تفاصيل هذه الجريمة التي ارتكبها جنود تنظيم «داعش» في العلن وكومبارس النظام في الكواليس، كوباني ليست رواية وحسب، بل هو سرد ينزف في صدر أدب الحرب السورية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد