الحياة مليئة بلحظات السعادة المؤقتة، أفراح لم تكن في حقيقة الأمر أفراحًا، كل ما في الأمر أن طرفًا من خيط نور ما، ظهر في الأفق؛ نسج خيالنا حوله حكاية مكتملة الأركان، بداية، ثم متنًا، ثم نهاية مثالية. ولأن المؤلف في الأصل كان عقلنا الباطن، ولأن الحكاية لم يكن لها مكان إلا في أحلامنا؛ فتتلاشى أوراق الحكاية حين يأتي الصباح، ويوقظنا الواقع.

يأتيك الوحي على مضض؛ فيُلهمك عنوان قصيدةٍ وبيتان عبقريان، أو هكذا تظن، فتدونهما في مسودتك على أمل أن تستكملها يومًا ما، لكنك لم تفعل؛ لأنه في ذات اليوم وقعت عيناك على قصيدةٍ لتميم البرغوثي، تحمل في طياتها نفس المعنى، مع فارق أدوات التعبير عن الفكرة، والتي لن تكون في صالحك بكل تأكيد؛ فتمزق بيتيك اليتيمين، وتتوقف عن المحاولة، وتستمتع بشعر تميم.

تقع عينيك على فتاة في السوبر ماركت؛ تبتسم فتبتسم – دون تحديد البادئ منكما في الابتسام – تنتظرها في الخارج، لاهثًا خلف كلمات تتطاير، فتحاول الإمساك بها، دون جدوى، وحين تتعلق بأحد تلك الجُمَل الكلاسيكية المناسبة لافتتاح الكلام، تكتشف أنك لست وحدك من كان في انتظارها، كان هناك آخر؛ آخر لن يتكلف عناء البحث عن كلمات رقيقة يستميلها بها؛ لأن هذا الآخر زوجها.

تشتري سيارة جديدة دون أن تهتم بحقيقة ذلك الفعل، هل اشتريتها حقًا؛ لأنك في حاجة ماسة لها؟، هل كان عدم وجودها سببًا في تلك الأشياء التي لم تؤدها بالشكل المطلوب – كما أقنعت نفسك -، أم أن السبب الرئيسي لشرائك إياها؛ هو فقط أنه يجب أن تمتلك سيارة – مثل الجميع -؟

على العموم هذا ما حدث، وفي أسابيع قليلة يتحول ذلك الشيء الذي كان من المفترض أن يجعل حياتك أفضل، ويزيل معاناتك، إلى معاناتك الكبرى. تخشى أن تُخدَش؛ فتُخدش، وتُخدش، وتصطدم بها نصف سيارات المدينة، حتى أن النيران كادت تشتعل بها في صباح يوم العيد، الأمر بات غريبًا، إلى الحد الذي تفكر فيه فعليًا في موافقة أقاربك، على وضع خرزة زرقاء على المرآة الأمامية، داخل السيارة، وحذاء طفل خارجها.

لم تكن أبدًا فاتنًا ولا دنجوانًا، لم تكن ذلك الفتى الذي يسعى خلف الفتيات، كما أنك أيضًا لم تكن من تسعى خلفه الفتيات، شاب متحفظ إلى حد كبير، أعجبه القليل، وأُعجِب به القليل، وأحبه أقل القليل، وأحب واحدة، إلا أنه على ما يبدو اختار أكثر من قابلهم جنونًا، يُعجِبه طموحها، وذكاءها، والطريقة التي تتعامل بها مع الأمور؛ فتكون تلك الأشياء سبب افتراقهما لأعوام؛ أن يصبح ما تحبه في شخص ما، هو ما يَحول بينه وبينك أمرٌ في حد ذاته غريبٌ، ومعقد، لكنك لا زلت تحاول وتحاول بلا كلل، وبلا فائدة.

تحصل علي إجازة قصيرة، فتقرر قضاءها، وللمرة العشرين في تلك المدينة الساحلية الرائعة، المليئة بالسياح، وبين جمال البحر، وهيبة الجبال، وروعة السماء؛ ترى الكثير من الأوروبيات الشقراوات؛ فتعجبك إحداهن، وتحاول التعرف عليها، والتواصل معها دون جدوى؛ لأنك لا تتحدث لغتها، ولا هي بالطبع تتحدث لغتك، فتتساءل؛ هل يمكن لعلاقة ما أن تنجح دون تواصل؟ وتتوقف عن التساؤل حين ترى أحدهم – والذي هو من وجهة نظرك غير جدير بها – يصطحبها للسهر خارج الفندق؛ لمجرد كونه يستطيع مجاراتها في حديث تافه، حول مدى سوء طعام الغداء، ووقاحة ذلك الفتى الذي قام برسم وشم ما لها؛ فتقرر أنك ستتعلم تلك اللغة حين تعود من إجازتك؛ وبالفعل تقوم بتحميل ذلك التطبيق العبقري بالنسبة لمبتدئ، تحفظ جملتين أو ثلاثة؛ ثم تمل، وتتوقف، وتنسى الأمر برمته.

إلى أن تقابل فتاة أخرى في زيارتك الحادية والعشرين لنفس المدينة، وعلى الشاطئ ذاته؛ فتتذكر ذلك التطبيق الذي قمت بمسحه سابقًا؛ لأنه لم يكن مفيدًا على ما تذكر، وتحاول جاهدًا أن تستحضر ولو كلمة واحدة، مما تعلمت دون جدوى، فتعزم مرة أخرى على أن تتعلم تلك اللغة، ولكن حين تعود.

مع حلول عيد ميلادك الثلاثين، جاءتك الفرصة التي طالما تحدث الجميع عنها، والتي لا تأتيك إلا مرة واحدة على حد قولهم. فبعد معاناتك كل تلك السنوات في التنقل من عمل إلى آخر، وما يصاحب ذلك من مشاكل مادية، حيث تضطر إلى البداية من الصفر مرة أخرى، في كل مرة، والقبول براتب أقل، إلا أن ذلك – حسب قولهم – لفترة وجيزة، بعدها ستتهافت عليك الأموال، إلا أن هذا الوقت لا يأتي أبدًا، وذلك إما لأنك لن تتحمل طبيعة ذلك العمل، وإما لأنهم لن يُبقوا عليك، ويستعينوا بوجه جديد، يتحمل ذلك الراتب القليل، لفترة وجيزة لا تنتهي أبدًا.

على العموم ها هي الفرصة قد جاءتك، في الوظيفة التي تحلم بها، بمرتب مجز جدًا، يمكن أن يبدأ به شاب حياته الحقيقية؛ تتقدم للوظيفة، تمر من المقابلة الشخصية الأولى، والثانية، يتم قبولك؛ تتقدم إلى مدير وظيفتك الحالية باستقالتك، وتلعن نصف عائلته، ونصف زملائك في العمل.

تتوجه إلى عملك الجديد فتفاجأ بأنه لا بد من أن تحصل أولًا على فترة تدريب لمدة ثلاثة أشهر، ستتقاضى فيها ربع راتبك، وبعدها إذا نجحت ستحصل على راتبك كاملًا؛ والذي هو نصف الراتب الذي أخبروك به ابتداءً، حيث إن هذا الراتب الكبير لا يمكنك أن تحصل عليه، إلا في حال ما استطعت أن تعمل أيام العطلات الرسمية، وساعات إضافية بشكل يومي، وهو أمر مستحيل قطعًا، إلا إذا كنت آلة؛ تغضب، تتذمر، تضرب الأرض بقدميك، تلعنهم في سرك، تذهب، تجيء، تذهب، تجيء، تقبل وتسلم بالأمر الواقع؛ لأنه لا خيار.

هكذا هي النهايات دائمًا عزيزي القارئ، لن تجد نهاية واحدة تتوافق مع ما خططت له بشكل تام، تحلم، تخطط، تبدأ، تسير الأمور بشكل مثالي، وتحصل على نهاية سعيدة. هذا لا يحدث أبدًا إلا في خيالنا.

أما الواقع فربما يُحدثنا بلسان حال يقول: «يا فتى لا كمال هنا، هنا دار شقاء، لا سعادة هنا، إلا مؤقتة، لحظات معدودة تختلسها، ليس لها وزن إذا ما قورنت بسنوات عمرك، الكمال والسعادة الحقيقية هناك، في دار أخرى، ربما تحصل عليها، وربما لا، أما هنا فلا، فهون عليك، ولا تأمل، وادن بسقف أحلامك قليلًا، واعمل كثيرًا، وكن صبورًا، وارض، فلا مناص من قدرك، ولا مفر».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

النهايات
عرض التعليقات
تحميل المزيد