لم يتفاجأ البعض عندما بدأ الحديث لأول مرة عن مبدأ الواقعية السياسية من قبل عرابين المسرح السوري، وزراء الخارجية الأمريكي والروسي، جون كيري وسيرغي لافروف، ومن ورائهم المبعوث الأممي، إستيفان ديمستورا، وصولًا إلى الوصي الشرعي عن بشار الأسد السيد بوتين، وعلى مضض طالبوا السوريين بمن فيهم المعارضة السياسية بتبنبي الواقعية السياسية في سوريا، البعيدة عن  تبني أفكار تحمل في طياتها الغلو والتطرف في طلبات غير منطقية بالأخص العناد والإصرار على رحيل الأسد، إذ إن هذا الطلب بعيد كل البعد عن الواقع السوري.

دفع الغرب بهذه الرؤية نحو الأمام بغية إيصالها لمرحلة الإنضاج السياسي، حتى تم تكريسها على أيدي العملاء والوكلاء من فصائل أستانة ووحدات حماية الشعب وفصائل درع الفرات الذين ساهموا بشكل أو بآخر تعزيز هذا الطرح عبر تسليم المناطق رويدًا رويدًا للنظام المعارضة السياسية، وأصبحت منصتا القاهرة وموسكو المتصدر الرئيس لوفد المعارضة بعد أن نجحت السعودية والإمارت باستبعاد وفد الهيئة العليا للمفاوضات، بعدم دعوتهم لمؤتمر الرياض 2. ومع مزيد من الضغط الدولي على كل من سولت له نفسه بالتمسك بمطلب رحيل الأسد تم تحجميه، ومن بقي داخل الوفد الجديد من المؤكد لن تكون له اليد الطولى أمام شخصيات تحسب نفسها أنها معارضة تقاسمت المقاعد محاصصة فيما بينها، ليخرجوا علينا بوفد منكه ومطعم تشوبه الخلافات من كل جانب، وانشقاقات واختلافات لا تُفضي إلى توافقات، بل صدّرت لنا انطباع السعي الدؤوب وراء شهوة المال والسلطة والتسلط على حساب ثوابت ثورة السوريين بحدها الأدنى رحيل الأسد قبل أي حديث عن أي مفاوضات.

في الأمس القريب خرج علينا وفد المعارضة الجديد بصورته النهائية بوفده التفاوضي برئاسة نصر الحريري على اعتبار أن هذا الوفد سيفاوض النظام بجولة جنيف المزمع عقدها في 28 من الشهر الجاري، كانت كل العيون السورية ساهرة تنتظر لمعرفة إلى ما ستؤول إليه الأمور لتشكيلة الوفد الجديد الذي سيحمل على عاتقه مسؤولية التفاوض مع النظام، ويحقق لهم مطالبهم ويصون كرامتهم ولا يفرط بثوابتهم على رأسها رحيل الأسد، وتحقيق الانتقال السياسي والمرحلة الانتقالية بالاستناد لمرجيعة قرارات مجلس الأمن 2245 للخروج بسوريا من عنق الزجاجة إلى إشراقة شمس الحرية والديمقراطية بدولة مدنية تعددية تسمح للعيش المشترك من جديد.

خرج نصر الحريري عقب تشكيل الوفد المفاوض وعلى يساره نوابه جمال سليمان، وعلى يمينه خالد المحاميد عراب دولة الإمارات يليه علاء عرفات رجل موسكو الثاني بعد قدري جميل. حقيقةً ليس الظهور هو الذي أثار دهشة السوريين كأول مرة نرى وفد موحد من كل المنصات، إنما المهزلة تكمن فيما تفوه به علاء عرفات بكلمات ما أنزل الله بها من سلطان، نطق بكلمات ناقض بها كلام رئيس الوفد، وتحفظ على رحيل الأسد، وأضاف: نحن كمنصة موسكو سنذهب إلى سوتشي، ومدح ومجّد مسار آستانة وكرس المديح والثناء بالجهود الروسية.

وختم كلامه حرفيًا بمقولة: نحن الآن وفد موحّد، وليس وفدًا واحدًا.

وليس هذا فقط فبعد يوم واحد من المؤتمر الصحف لوفد المعارضة، أطل علينا جمال سليمان، وتصدر وسائل الإعلام، وقدم لنا دروسًا في مبدأ الوقعية السياسية وعلم التفاوض وكيفية التعامل مع المجتمع الدولي وقرارت مجلس الأمن، وعندما تعرض لسؤال مباشر عن رحيل الأسد، لم يتهرب من الإجابة، وقال: لا وجود لرحيل الأسد في كل القرارات الدولية، مضيفًا: كل شيء قابل للتفاوض.

إذًا السيد جمال سليمان يستند إلى صدقية مجلس الأمن وقراراته، متناسيًا أن هذا المجلس هو ذاته الذي سمح لروسيا أن تستخدم إحدى عشرة مرة حق النقض الفيتو لمنع محاسبة أو إيقاف الأسد عن جرائمه الكيماوية. مجلس الأمن وقراراته هي أصدق وهي جوهر وينبوع الواقعية السياسية، أما المجازر التي تحدث في سوريا، وتشريد أكثر من نصف الشعب السوري، ومليون شهيد وإعلان احتضار الغوطة الشرقية، واكتظاظ أقبية النظام بآلالف السوريين، هذه أمور أتفه وأسخف وبعيدة كل البعد عن الواقعية السياسية.

ذكرنا أعلاه أننا لم نتفاجأ بطرح الواقعية السياسية من قبل الغرب، لكن أن تتبناها المعارضة بحلتها الجديدة، وتتنازل عن شرط رحيل الأسد بحجة إطلاق دفع العملية السياسية للأمام، هذا ما لا يقبله عاقل، وكأن هذه المعارضة تضع نفسها بطرف ومكان ثالث بين قرارت مجلس الأمن وبين استحقاقات السوريين، وكأنهم هم ليسوا من هذا الشعب.

فيما يبقى أن نوجه سؤال لهم في صلب مبدأ الواقعية، إن بيان الرياض 2 تمسك برحيل الأسد مع بداية المرحلة الانتقالية، وتم التوافق على الذهاب إلى مفاوضات مباشرة مع النظام على أساس الحديث عن المرحلة الانتقالية بالاستناد إلى مرجعية قرارت مجلس الأمن الدولية، هذه جدول الأعمال التي سيذهبون بها إلى جنيف القادم مع استثناء الحديث عن الدستور، الذي هو من حق الشعب السوري أن يصوغ دستوره، لكن ديمستورا وضع جدول أعمال الجولة القادمة وأعرب أن صوغ دستور جديد والانتخابات هي جدول محادثات الجولة الثامنة.

من هذا التناقض، إضافة إلى الخلافات الجّمة داخل الوفد الموحد بتوجيه وإيعاز دولي وقعنا بفخ الواقعية السياسية، فمن نصدق وفد المعارضة الملغوم بشخصيات أميل إلى بقاء الأسد، أم نصدق واقعية ديمستورا وبوتين عندما قال من باب الواقعية أن على الجميع التنازل بما فيهم النظام السوري، وأي حديث عن رحيل الأسد هو مطلب أصبح من ضرب الخيال، على ماذا ستفاوضون النظام، وكيف ستفاوضون على رحليه، ومنكم من يتحفظ على رحيل الأسد، ناهيكم أن النظام في أحسن حالاته بحسب وجهة نظر حلفائه روسيا وإيران، إذًا عن أي واقعية تتحدثون؟ ومن باب الواقعية السياسية أيضًا وبناء على مخرجات الرياض، فإن التفويض لوفد الهيئة يتمثل في مفاوضة النظام على المرحلة الانتقالية لإسقاظ النظام وكافة رموزه وحل كامل للمؤسسات الأمنية والعسكرية التي فتكت بالسوريين، ثم إطلاق ودفع سوريا والنهوض بها بمرحلة انتقالية ريثما يتم تهيئة الأجواء المناسبة لإجراء انتخابات وصياغة دستور من قبل أخصائين سوريين ينتخبون من قبل الشعب ويستمدون مرجعيتهم من الشعب، كي يتماهي الدستور ويلائم تطلعاتهم في الحرية والعدالة، وما عدا ذلك يعتبر تجاوز من قبل نسور المعارضة، ويحق للشعب السوري  أن يتبرأ  منهم ويُطالب بمحاسبتهم.

ونحو مزيد من الواقعية، فإن النظام يتملص مرةً أخرى من المواجهة السياسية، ويُعرقل محادثات جنيف للضغط على المعارضة، لكن ليس من أجل من يطالب برحيليه فحسب، بل من أجل الرضوخ التام والكامل للحل الروسي، والرضا ببعض المقاعد، مقابل التماشي والاكتفاء بإصلاحات دستورية لا غير ذلك، وقد تمثل الضغط باجتياج جوي للغوطة الشرقية، وارتكاب مجرزة في شرق دير الزور، حيث أشارت التقارير أن أكثر من مئة شهيد سقطوا ضحية خلال 24 ساعة.

بلا أدنى أشك فإن مصطلح الواقعية السيايسة، هو منطق ولغة أنظمة الاستبداد المتحكمة بموازين القوة، ويسعون من وراءها لقتل أحلام الشعوب وإجبارهم على توقيع صك واستسلام لدكتاتورية العصر الحديث، فيما يغيب عن زعماء الغرب أن الواقعية السياسية قد تتصدر المشهد اليوم لكن لا يمكن فرضها وتطبيقها على الشعوب، فمن باب الواقعية السياسية لا حل في سوريا من دون السوريين وتبني تطلعاتهم، ولنا في ليبيا والعراق خير مثال ودليل عن الواقعية السياسية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد