قرأ التلاميذ السوريون في الصفوف الأولى من تعليمهم أن العرب إخوة، وأن أرضهم من المحيط إلى الخليج، وبعبورهم إلى المرحلة الثانوية تهدأ الشعلة العربية المتقدة داخلهم قليلًا، وعندما يأخذ الطالب شهادته الجامعية تُـنـزع الستارة الوردية بشكل فظ أمام عينيه؛ لتظهر له مأساة الحدود العربية.

تجاوزت الأزمة الإنسانية السورية سنواتها الخمس بكل آلامها؛ لتكشف للشعب السوري صدمة من نوع مختلف، فالمناهج التي سهروا الليالي يحفظون سطورها لاجتياز اختبار أي مرحلة تعليمية، تقدّس العروبة، وتؤكد الوحدة العربية الجغرافية، والمصير المشترك للعرب، فـــلغــة الضّاد تجمعهم، وكل عربي يجب أن يُرحَّب به فهو بين أشقّائه.

ماذا يحصل الآن على الحدود الغـربـية أو الـجنـوبـية لسوريا الجـريـحة؟

تشهير إعلامي بأهل المخيمات، وتحريض ضدهم بشكل سافر في جمهورية لبنان أرض الأرز، وتصريحات من صعاليك الإعلام المحلي بأن حرق المخيمات بمن فيها ضرورة أمنية!

لبنان الخاصرة السورية يُظهر حقدًا دفينًا ضد أهالي المخيمات الهاربين من جحيم الصراع العسكري الدائر فوق أرضهم، فانقطاع الكهرباء والماء، وعدم نزول المطر وخسارة أسهم البورصة، وحتى خروج إيطاليا من بطولة أوروبا أيضًا، كل هذه المصائب سببها وجود لاجئين ضعفاء يحملون الجنسية السورية!

يتسابق «إعلاميون مغمورون»! بإظهار نوع من الازدراء والامتعاض من وجود السوريين، والتحريض على كراهيتهم شعبيًّا؛ بل وعلى قتلهم بدون أي وازع أخلاقي أو حيادية مهنية.

هذا التحريض المشين أيضًا صرّح به وزير في الحكومة الجليدية دون أدنى مسؤولية قانونية، كون لبنان عضوًا في جامعة عربية!

الانقسام السياسي في لبنان الصغير دفع ثمنه لاجئون لا حول لهم ولا قوة، كراهيةً وقتلًا وتهميشًا واضطهادًا نفسيًّا وأذىً شعبيًّا من الجمهور اللبناني في الأماكن العامة، ولا ننكر وقوف الشرفاء والأحرار من الإخوة في لبنان، واستنكارهم التصرفات غير المسئولة سواء على الصعيد الرسمي أو الشعبي، ولكن الهجوم على المخيمات وإرهابهم والتعدي على أمنهم أصبح السمة الأبرز في لبنان؛ بل وصار البعض يظهر عنتريات جوفاء في ظل غياب غير معلن للمؤسسات الحقوقية العالمية والعربية، وتخلي الدولة اللبنانية عن دورها في حماية اللاجئين، مخالفةً بذلك كافة المواثيق والقوانين الدولية بحالة الحروب والكوارث.

الأردن الشقيق الجار الجنوبي جعل «روتين» القوانين العقيمة في الدول الفاشلة كله في وجه الشعب السوري الهارب من الموت، واجتهدت حكومته «مشكورة»! باختراع كل أنواع البيروقراطية المأساوية فلا حقوق ولا علاج، والعمل ممنوع فكل من يتم ضبطه يعمل فهو مخالف للقـانـون! ثُلة من مجرمي النظام الفاشي تقوم بعمل إجرامي عند الساتر الترابي الفاصل بين البـلديـن، يدفع ثمنه خــمـــسـة وثـمانـيـن ألـــف إنـسان! بين طفل وامرأة وشيخ عجوز في صحراءَ حارقة لواحةً للبشر عليها تسعة عشر جهازًا أمنيًّا يمنعون عنهم الماء والدواء إلا قليلًا مما يسمحون. فلا هم تركوهم ولا هم أطعموهم؟!

نحن نتساءل من يقف وراء هذا التحريض ضد هؤلاء اللاجئين؟

لمصلحة مَنْ يتم تعميق الهوة بين شعوب الإقليم الشامي؟ (سورية، لبنان، الأردن، فلسطين)!

أين جامعة الدول العربية من الاستنكار والاستهجان والتنديد لما يحصل عند هذه الحدود العربية، كما عودنا الإعلام العربي منها منذ نشأتها المشبوهة وتاريخها الأسود؟

إن المستفيد الأول من انهيار الأخلاق العامة في المجتمعات العربية، هو النظام الصهيوني العالمي حتى تطمئن إسرائيل على أمن حدودها، فقد سقطت الأنظمة العربية المجاورة لها أخلاقيًّا إلى غير رجعة، ولا حياة لمن فقد أخلاقه، وإن بقي يأكل ويشرب!

يذهب وزير دولة عربية كبيرة ليقدم تهنئة نظامه بتهجير شعب عربي، وتدمير مدنه بدوافع طائفية، فيشد على يد المحتل الغازي ولسان حاله يقول له: ها هي المنطقة العربية لكَ فخذها!

يحق له ذلك فنظامه السياسي أول من ابتكر ضد مواطنيه قانون «انتو شعب وإحنا شعب»، فصار البلد إلى طبقتين، ولم يخفها وزير قضائه حينها بأنهم سادة والباقي عبيد، مع كامل الاحترام لهذا الشعب الشقيق الأصيل.

لو طلب هذا الوزير إعادة المهجرين إلى ركام بيوتهم لكانت زيارته أخف وطأة؟

بينما تبث وكالة أنباء عربية تصريح رئيس دولة أجنبية، وهي قوة اقتصادية إقليميًّا طالما وصفها دعاة القومية العربية أنها سبب تخلفنا للحاق بالركب الحضاري العالمي، عن إمكانية منح جنسية بلاده للاجئين السوريين بينما تُغْلَق باقي الحدود العربية، وحتى البعيدة منها.

لو تملك وزارت التخطيط العربية رؤية بعيدة المدى بالأمن الإستراتيجي لتداعت إلى استقطاب السوريين في مختلف فئاتهم، ذلك أن العرب يدرك مهنية وثقافة هذه الأمواج البشرية التي اعتزلت الحرب، لأن السلام عشقها وحُبّ العلم قبلتها والتخصص من طبعها.

أدركت دول أجنبية مع كل أسف هذه الإمكانيات، وبدأت تضع القوانين التي تسمح بمنحهم ميزات المواطن، وبذلك تحاول سحب كل سوري يستطيع البناء والعطاء، أو إعادة الإعمار مستقبلًا في بلاده لتفريغ سوريا من كفاءاتها العلمية والمهنية، بينما أوصد الأشقاء العرب الأبواب وابتكروا قوانين خاصة ضدهم!

لعل الكثير يبرر تلك الإجراءات والعقاب الجماعي للنازحين بحجة حماية الأمن القومي من الإرهاب المحتمل، وتجيب الوقائع بأن هذا «الغول الإرهابي»، والذي بسببه قُتِلَ البشر، وحُرِقَ الشجر، وانهدم الحجر، تمت صناعته بمختبرات دولية متخصصة بصناعة التخريب والإرهاب، لتمرير أجندات تم الفراغ من رسمها بل وإنجازها، مع ذلك فإننا لم نطلب لهم الإسكان في شقق سكنية، أو فرض رواتب لهم، أو منحهم إقامات دائمة، أو جوازات سفر مؤقتة؛ لينتقلوا فيها كما تفعل الدول الغربية الأجنبية لأن هذا التصرف يعتبر تشبه «الكفار»! وهذا حرام بالإسلام. نطلب فقط من المعابر الحدودية أن تمنحهم حق الحصول على الماء والطعام والعلاج.

هذا السُبَات المفزع للضمير العالمي، لما يجري من انتهاكات إنسانية غير مسبوقة في منطقة الشام والعراق لمجموعة عرقية محددة ينذر بكوارث ماحقة، يجب على العقلاء التنبه لها جيدًا.

تعلمنا من الطبيعة عند سكون الهواء فوق سطح البحر، فإن ذلك نذير شؤم لأنه قـد يــــدفــع بأمــواج عاتـــيــة، قـد تـقـتـلـع حتى الأشــجــار العــنــيــدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الحدود
عرض التعليقات
تحميل المزيد