تابعت بقلق بالغ الأيام الماضية أغلب الأحداث، والتي كانت في مجملها مأساوية، ورغم مأساويتها فإنها تشير إلى تساؤل خطير، أين ذهبت إنسانية الشعب المصري ورحمته؟ هل تفاقم الأمر حتى أصبحت غابة تقتل البسطاء كل يوم، وحتى نصل لفهم الأمر بشكل أكبر علينا أن نتذكر عدة حوادث ماضية.
الحادثة الأولى كانت ليلة حالكة على منطقة وسط البلد، انتزعت فيها كل معاني الإنسانية، عندما سرق مشرد زجاجة مياه غازية، وكان رد الفعل المبالغ فيه هو الضرب المبرح حتى الموت، هل تصدق هذا يا عزيزي القارئ، ثمن زجاجة مياه غازية أغلى من حياة إنسان! بالطبع لا أتفق مع السرقة، ولكن يجب أن يكون الجزاء قانونيًّا، أو ربما يكون العفو في هذه المواقف شيئًا جيدًا، ولكن الضرب حتى الموت شئ لا يمكن تصديقه.
وهنا أود أن أذكركم يا سادة بأن من أمن العقوبة أساء الأدب، ويبدو أن القتلة في هذه الحالة كانوا يثقون تمام الثقة في أن لا أحد سيهتم، وهنا أود طرح سؤال مهم، هل مثل هذا الفعل يرقى للبشر في شيء؟ وحتى أساعدك في الإجابة عزيزي القارئ، عليك أن تعلم أن حادثًا مشابهًا حدث منذ عدة سنوات في الولايات المتحدة الأمريكية، وكانت النتيجة هي تقديم المساعدات للسارقة، بالطبع هذا ليس حافزًت للسرقة، ولكن عندما نمر بأزمة اقتصادية طاحنة، علينا أن نتحلى ببعض الإنسانية، وعلينا أن نتذكر أن هناك بعض المواطنين للأسف تعد صناديق القمامة بالنسبة لهم وليمة عشاء.
أما الحادث الثاني كان لشاب تحلى ببعض الشجاعة، للدفاع عن فتاة، وبالطبع كان مصيره القتل، وما تعجبت له أيضًا أن لا أحد تقدم ولو خطوة واحدة للدفاع عن هذا الشاب، أو حتى حاول أن يدفع عنه الأذى، وكأن كل من رأى الحادث يثق تمام الثقة في أن بناته وزوجته وربما أخواته في مأمن من أي اعتداء.
وسؤالي هو من سيدافع عن بناتكم بعد تخاذلكم؟ لا تحزن بعد اليوم سيدي الفاضل إن حدث لك مثل ما حدث لهذا الشاب، أو آثر العامة الصمت ومشاهدة واحدة من بناتك أو حتى زوجتك تغتصب، لا تحزن لأن هذا كان اختيارك وعليك أن تتحمل نتيجة اختيارك.
أما الحادث الثالث والأخير، ربما هذا الحادث على وجه التحديد لن أجيد وصفه، ولن أخفي عليك عزيزي القارئ دموعي التي تنهمر الآن عندما بلغت هذا الحادث، هل تتخيل عزيزي القارئ أن يقف شاب وسط عربة كاملة من الكائنات المحسوبة علينا كبشر، لا يجد ثمن تذكرة، ويقرر شخص أنأى بنفسي عن وصفه بما يستحق، أن يلقيه هو وصديقه من قطار يسير بأقصى سرعته، ولا يتحرك أحد، فأي نوع من البشر هذا الذي لا يدفع الظلم ببضعة جنيهات أو حتى بكلمة حق، في الحقيقة لم أعد أستطيع فهم سيكولوجية هؤلاء، وأعتقد أن الإنسان البدائي كان أكثر إنسانية وربما فهمًا منهم، ولكني على أي حال أكرر يا سادة وسأظل أكررها أن من أمن العقوبة أساء الأدب، ويبدو أن الكثير قد أمنوا العقوبة في وطننا.
ولكن مع الأسف نحن الآن أصبحنا في مفترق طرق، لن تبقى الأمور على هذا النحو لفترة طويلة، ورد الفعل قد يكون أشد قسوة مما حدث، وكلمتي لكل مسئول، علينا الآن الاختيار ما بين دولة قانون قوي ورادع قادر على إعادة الحقوق للمظلومين، وإما دولة ثأر ودولة ظلام لا يعلو فيها صوت سوى صوت السلاح والموت، أصبحت الآن أشم رائحة غريبه تزكم أنفي يا سادة، وكلما انعدمت إنسانيتنا اقتربت الكارثة، يجب أن نرى أحكامًا رادعة في الأيام القادمة، يجب أن تضرب يد العدالة بكل قوة وكل حزم الخارجين عن القانون عديمي الإنسانية والرحمة، ولا يجب أن تأخذنا شفقة أو رحمة بمثل هؤلاء وأرى أن المشنقة أولى برقابهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد