نظرة على الشائعات

في مطلع الألفيّة الثانية من التقويم الميلادي أحضر أحد العباقرة المجهولين زجاجة مياه غازية ومرآة مسطحة وبدأ يتأمل في انعكاس صورة الزجاجة في المرآة ويدوّن ملاحظاته بدقة وعناية، ثم خرج على الناس باكتشاف عظيم لا يخفى على أغلب المعاصرين؛ ألا وهو «لا محمد لا مكة» وفي غضون أيام معدودة انتشر الخبر في أرجاء المعمورة وتداوله الكبار قبل الصغار، وهو ما دفع مفتي الديار آن ذاك (الشيخ نصر فريد واصل) إلى إيقاف هذا الهرج بإصدار فتوى بتبرئة شركة «كوكاكولا» من تهمة الإساءة للإسلام وإدانة مروجي الشائعات. [1]

لم تكن هذه هي المرة الأولى أو الأخيرة التي تصدر فيها شائعة وتنال كل هذا الاهتمام والانتشار، بل إن تاريخنا مع الشائعات والخرافات قديم جدًا، ربما أقدم من «أمّنا الغولة، والسلعوة، وأبو رجل مسلوخة، وحورية البحر» وأقدم من أشياء قد لا نكون سمعنا بها من قبل.

وبغض الطرف عن استخدام الشائعات في بعض الأحيان لأغراض سياسية أو حربية أو اقتصادية أو ثقافية، ولكن منذ قديم الأزل والشائعات جزء لا يتجزأ من حياة المجتمعات، فكثير من الشائعات قد صدرت بفعل المجتمع نفسه متجرّدةً من أي خطط لاستهداف فكر أو توجه معين، وقديمًا كانت تأخذ الشائعات وقتها وزيادة: وقتها في الانتشار، وقتها في التصديق، وقتها في النقد، وقتها في التكذيب، وقتها في الموت. وما أن تموت شائعة أو خرافة حتى تبدأ أخرى رحلتها.. لقد كانت الحياة بطيئة نوعًا ما، أما اليوم مع هذا الكم من التكنولوجيا والمعلومات أصبحت الحياة أسرع ما تكون، إن الشائعات والخرافات التي كانت تأخذ رحلتها لشهور وسنوات وقرون قبل أن تموت، الآن من الممكن أن تولد وتموت في نفس اليوم.

دعونا نتساءل لماذا؟

وفي الحقيقة أنا لا أهتم في هذا المقال بالشائعات ذاتها، ولكن التساؤل الذي بصدد طرحه الآن هو لماذا تنتشر الشائعات؟ أو بمعنى أكثر عَصرية وحداثة: لماذا تعج أيامنا بما يُدعى بالعامية التريندات؟ [2] تلك الفقاعات التي تظهر في الأفق لبرهة، ثم تختفي فجأة، لا تعلم لماذا وكيف ظهرت.. ولماذا وكيف اختفت! ولربما قد بدأت حديثي بذكر الشائعات لأني وجدت التريندات ما هي إلا امتداد لثقافة الشائعات، كلاهما نتيجة الثرثرة والفراغ والببّغائية، وكلاهما سبب – بطريقة أو بأخرى – في رفع قيم الأشياء الوضيعة والحط من قيم الأشياء الرفيعة.

منذ ظهور مواقع التواصل الاجتماعي والحياة هناك عبارة عن تريندات.. إفراط في التكرار والرتابة، حتى فقدت الأشياء التي لها قيمة قيمتها، ويؤسفني أن أشير إلى بعض الأحداث كثورة يناير (كانون الثاني) على أنها كانت لونًا من ألوان التريند، فلا جرم أن نسبة كبيرة من التي شاركت في الثورة لم تكن تفقه ما معنى ثورة، ولم تكن تعرف لماذا تثور، وماذا تريد من الثورة… إلخ. وإلا ما كنا نعيش الواقع الذي نعيشه اليوم! [3]

ثلاثة نماذج دلالية تفسر سلوك الأفراد

في السطور التالية نستعرض سويًا ثلاثة نماذج من الواقع قد تساعد في تفسير سلوك الإنسان في خلق التريندات أو التأثر بها والتعامل معها:

نموذج (1)
من قرابة خمسة أشهر، ظهرت العديد من المنشورات على «فيسبوك» مفادها علموا أولادكم أن مبارك حرامي [4].. إن مبارك تنحى منذ أكثر من ثمانيْ سنوات، أليس شيئًا غريبًا أن يتذكره جموع من الشعب الآن؟ ولكي أكون أكثر وضوحًا فأنا لا أنتقد المحتوى المنشور بقدر ما أنتقد الطريقة التي نتفاعل بها، ففي أغلب المنشورات التي قرأتها وجدت في كاتبيها رغبةً عمياء في إبداء الرأي وإظهار الذات، إن المحتوى واحد في جميع المنشورات وقد كان من الممكن إعادة نشر أول منشور فقط، إذًا فلماذا التجويد والقص واللصق والمزايدة، بل أكاد أجزم أن أغلب الناشرين لا يُعلّمون أولادهم أن مبارك حرامي، ثم ما الفائدة من تعليم أولادنا أن مبارك حرامي إن كنا في الوقت ذاته نهمل تعليمهم الأكاديمي، تمامًا كما نهمل تربيتهم؟ والعجيب أنه في اليوم التالي لهذه الصحوة التاريخية العملاقة، بدأ تريند آخر يدور حول حكم تهنئة المسلمين للمسيحيين في أعيادهم، وما أن انتهى حتى تسلم الدفة أحد المغنيين الهابطين، بالله ما الذي يحدث؟

وفي أبريل (نيسان) الماضي كتبت إحدى السيدات منشور تحكي فيه تجربة لها مع حالة نصب وقعت فيها بهدف توعية الناس تجاه هذا الأمر حتى لا يقعوا هم فيه أيضًا، وكالعادة بدلًا عن الضغط على زر واحد ببساطة لإعادة نشر المنشور؛ قام العديد من الناس بنسخ المنشور والصورة المصاحبة له ونشره على حساباتهم الشخصية، ثم كتابة منقول في بداية أو نهاية المنشور كنوع من أنواع حفظ حقوق النشر. لماذا كل هذا التكلّف؟

نموذج (2)

الأنشطة الطلابية وهو نموذج غير مرتبط بشكل مباشر بمواقع التواصل الاجتماعي، وقد بدأت معظم الأنشطة الطلابية في بعض الكليات بهدف إفادة الطلاب أعضاء النشاط (المنظمين)، ثم إفادة المشاركين في النشاط؛ سواء كانت الإفادة متعلقة بمهارات شخصية أو مهارات تقنية في مجال الدراسة. وكان هذا هو الإطار العام الذي شجع العديد من الطلاب على المشاركة في هذه الأنشطة في بداية انتشارها، ولكن ليس بعد أن تحولت إلى تريند هي الأخرى، ثم بالتدريج فقدت معظمها فائدتها والغرض الذي أنشئت من أجله وتحولت إلى نوادي اجتماعية أو صالات تعارف. وقد تجد بعض أعضاء النشاط لا يقومون بالدور الذي قدَموا في البداية من أجله ولا يعملون إلا قليلًا، ومع ذلك يريدون أن يستمروا أعضاء في النشاط لأنه – على حد قولهم – بمثابة منزلهم ولأنه يمنحهم كذا ويفيدهم بكذا… إلخ.

إذًا من أين يصدر هذا الخلل؟ لعل التفسير الأقرب منطقيًا هو أنه نتيجة لمواكبة الحدث والسير مع التيار والاتباع الأعمى للتريندات. ولعل هذا يطول تفصيله، لكنه واضح جلي في أغلب الأنشطة الطلابية التي أوقفت عملها بعد أن فشلت وأدركت أنها شردت عن طريقها وأنها كانت تتوهم في بعض الأوقات أنها تقوم بعملها وتحقق أهدافها. [5]

نموذج (3)

هذا هو النموذج الأخطر بالنسبة لي، ويمكن إطلاق عليه التريندات الدينية.. إن أكثر ما يثير الاشمئزاز حقًا – أكثر من تدريب الحياة والتنمية البشرية – هو تحول الدين أو الدعوة الدينية إلى تريند والذي بدوره يُفقد الأشياء قيمتها، إن كثيرًا من الآيات والأحاديث التي كانت تقع في القلوب وتنال منها حظها من التدبر والخشوع وتزكية النفس لم تعد تحرك ساكنًا من كثرة تكرارها من غير فقهائها، وفي غير مواضعها، وبدون أية دواعي؛ إن الكلمة تُصبغ بقائلها قبل أن تخرج من فمه، فإذا علمت أن أحدًا يدعوك للزكاة أو الصدقة من أجل أن يأخذ قدرًا منها خلسة، أو آخر يدعوك للصوم مع الصبر لأنه يسرق جزءًا من طعامك كل يوم، أو آخر يدعوك لنشر منشوراته الدينية من أجل أن يزداد شهرة… إلخ. إذا استشعرت شيئًا من هذا لسقطت كل آيات الزكاة والصوم والدعوة في سبيل الله من قلبك، فالكلمة وليدة قائلها.

لا أريد أن أكون سيئًا الظن تجاه الآخرين (رغم أني أحاول جاهدًا أن أسلط الضوء على الأفعال لا على أصحابها)، لكن لا يمكن أبدًا تفسير أن نستمع إلى فيديو قصير للشيخ الشعراوي مثلًا، ثم نجد الشاب (س) أو الدكتور (ص) يصور فيديو لنفسه يعرض فيه نفس المحتوى بحذافيره عوضًا عن نشر الفيديو ذاته (وما أكثرهم)، ناهيك عن سلوك بعض الشيوخ والدعاة – على حسب ما يدعون أنفسهم – الذين يخرجون علينا بأحكام جديدة وآراء مختلفة قد تكون منافية تمامًا لأحكام الدين – المُجمع عليها – من منطلق وجهة نظر أخرى تواكب العصر.. إن الأمثلة كثيرة والنماذج عديدة ولا يزال التساؤل مطروح: لماذا؟

الخاتمة

لا أريد أن أخوض في تفسير الأسباب والدواعي أكثر من ذلك فيكفينا طرح التساؤلات على أنفسنا، وكذلك لا أريد أن أجزم بصحة تفسيري للأمر من عدمه أو اختياري للتساؤلات الصحيحة، ولكن ما أدعو إليه أخيرًا هو التروي وعدم الانسياق وراء التريندات بكل حمق وسذاجة كالببّغاوات التي تردد ما تسع دون فهم وإدراك كافيين، فأحدهم يتربّح من وراء ذلك بينما نحن نخسر هويتنا وثقافتنا وديننا شيئًا فشيئًا، كما ينبغي علينا أن نراقب أفعالنا وأقوالنا؛ فإن من أسوأ ما يمكن أن تبتلى به الشعوب هو داء الثرثرة والتشدق، ويؤسفني ثانية أن أصف مجتمعنا بالثرثار؛ نحن ثرثارون لا نتوقف عن الكلام، ولا نحب شيئًا أكثر من الظهور، وإبداء الرأي، وإدلاء الدلو، ونقد المنقود، وتقديم النصائح، وإجابة الأسئلة التي لا إجابات لها عوضًا عن طرح الأسئلة التي نحن بحاجة ماسة لإجابتها.

فماذا يصير لو ضبطنا تصرفاتنا التي قد تشكل في غضون سنوات قليلة ثقافة جيل.. ماذا لو توقَّفنا عن التَّرديد والتَّقليد والهِتافاتِ الطَّنّانة الرَّنّانة التي لا نفقه منها شيء! ماذا لو سكت من هم أهل للسكوت، وتكلم من هم أهل للكلام، وكتب من هم أهل للكتابة، وتقدّم من هم أهل للقيادة! ماذا لو قام كلٌ منا بالدور الذي يليق به، وفقطْ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الشائعة: هي الشاعة أي الأخبار المنتشرة، وهي جمع شائع، مادة شيع جاء في لسان العرب لابن منظور: شاع الشيب: انتشر، وشاع الخبر: ذاع، والشاعة الأخبار المنتشرة، ورجل شياع: أي مشياع لا يكتم سرًا، وأورد المعجم الوسيط كلمة الشائعة والإشاعة وعرف الإشاعة بأنها الخبر ينتشر غير متثبت منه، أما الشائعة فهي الخبر ينتشر ولا تثبت فيه.

[2] التريند: هي كلمة إنجليزية بالأصل (Trend) وتعني: اتجاه عام حيث يتطور أو يتغير شيء ما.

[3] هذا تفسير لسلوك الثوار أنفسهم أو الشعب عامةً أثناء الثورة وليس تفسير للثورة ككل بما قد تتضمن من سياسات ومسوغات أخرى.

[4] طالع هنا: منشورات علموا أولادكم أن مبارك حرامي على «فيسبوك».

[5] هذا ليس تفسيرًا عامًا لما يحدث في جميع الأنشطة، فهناك بعض الأنشطة ما زالت تعطي وتقدم فائدة حقيقية. (وربما قد يرجع هذا إلى حسن اختيار الأعضاء واستبعاد من جاء جريًا وراء التريند فقط).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد