على عكس المتوقع، فبعد نجاح الانقلاب في مصر واستقراره، وقيام محمد بن زايد باستكمال مخططه بإيصال محمد بن سلمان لولايه العهد ونجاحه في توصيل السيسي إلى رأس السلطة في مصر، في إطار مخططه لاستكمال سيطرته على أكبر دولتين في المنطقة العربية، ومن ثم محاولة حصار قطر لإخضاعها، فالمؤشرات تشير لأفول نجم ولي عهد أبوظبي وتابعيه في مصر والسعودية، بسبب ثبوت تدخله في الانتخابات الأمريكية ومساعدة ترامب في الوصول للرئاسة.

قصة صعود محمد بن زايد لقمة السلطة في بلده تعتبر قصة مشوبة بالمعارك العائلية الخفية مرورًا بتصفية بعض إخوته غير الأشقاء وتحييد رأس السلطة أخيه الأكبر الشيخ خليفة بن زايد، لكن طموح بن زايد لم يقف عند هيمنته على مقاليد الحكم في تلك الدولة الحديثة نسبيًا، وانما امتدت للعب دور أكثر تأثيرًا في الساحة الإقليمية.

إلا أن طموحه اصطدم بالسياسات الأمريكية في المنطقة، حيث تمت إدارة الصراع الأمريكي الروسي في الشرق الأوسط على نحو مغاير لتطلعات بن زايد، حيث يشكل الغاز الطبيعي وخطوط إمداده محور تلك الصراعات.

خلفيات الصراع الأمريكي الروسي في الشرق الأوسط

في بداية 2015 رأت إدارة أوباما أن محور الحل في حصار روسيا هو في تفكيك المعسكر الذي تشكله روسيا ويشمل الصين وباكستان وتركيا وإيران، فحاولت إغراء إيران بالاتفاق النووي الذي وقعته عام 2015 مع أمريكا والدول الأوروبية في مقابل تقليل وتيرة تسارع البرنامج النووي الإيراني، إلا أن الغرض الحقيقي للاتفاق هو فتح المجال لإيران لتزويد السوق العالمية بالغاز ليكون بديلًا عن الغاز الروسي المهيمن على السوق الاوروبية، عن طريق نقل التكنولوجيا الغربية لها، حيث دخلت شركة توتال الفرنسية في عقد ضخم يبلغ قرابة 5 مليارات دولار من أجل تطوير عدة مناطق في حقل الغاز المشترك مع قطر، والذي يعد أكبر حقل غاز في العالم، والذي من شأنه أن يساهم في تقليل احتكار روسيا لسوق الغاز.

 ذلك الاتفاق يشمل غض الطرف عن طموحات إيران في سوريا الطامحة لتثبيت حكم بشار الأسد، مقابل التفاوض على نقل جزء أخر من الغاز الإيراني لأوروبا عبر تركيا، وبذلك تعظم الاستفادة من ثروات إيران النفطية، ويدفعها رويدًا رويدًا إلى الكتلة الغربية كما كان في السابق أيام شاه إيران قبل 1979.

بسبب الميل الأمريكي المفاجئ إلى إيران على حساب حلفائها التقليدين في دول الخليج ومصر دبت الخلافات تدريجيًّا بين أمريكا وأمراء الخليج،خصوصًا في ظل تقارب الرؤي مع الكيان الصهيوني في قضية إيران،كما أن التقارب الأمريكي الإيراني يعتبر ضد المصالح الروسية في المنطقة، وهنا يكمن الحل في التقارب مع روسيا والتوافق على هدف إفشال الاتفاق النووي الأمريكي.

تغيير شكل التحالفات في الشرق الأوسط 

رأى محمد بن زايد وحلفاؤه في الخليج ومصر، أن لعبة التدخل في الشأن السياسي الأمريكي قد تنجح وتأتي بشخص على هوى حكام المنطقة، فتم التواصل مع روسيا عن طريق وسيط تابع لبوتين، حيث تتطابق وجهتا النظر الروسية والإماراتية في تلك النقطة، خصوصًا مع توالي تفكيك أمريكا للتحالف (الروسي الصيني التركي الباكستاني)، حيث حاولت عزل أحد حلفاء الصين وروسيا الجدد عن طريق تسريب وثائق في عام 2015 (والمسماه بوثائق بنما) تسببت في اتهام رئيس الوزراء الباكستاني بالفساد وتسببت في الإطاحة به وسجنه لاحقًا، عقابًا له على التعاون مع الصين في مشروعات طريق الحرير وخط غاز السلام، وعلى نفس المنوال دعمت أمريكا لمحاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا في صيف 2016 ومحاولة تغيير نظام أردوغان بنظام موال لأمريكا.

 كل هذه التحركات كانت ترمي إلى نقل الدول الإقليمية المتحالفة مع روسيا والصين من مربع أعداء أمريكا إلى مربع حلفاء أمريكا، وبذلك يتهاوى الحلف الروسي تدريجيًّا.

بدايات المؤامرة

 يشير التحقيق الذي قام به الصحفي الإنجليزي ديفيد هيرست إلى أن السيسي شارك في تحالف إماراتي سعودي بحريني أردني،حيث عقدت قمة على أحد اليخوت المكلية في البحر الأحمر أواخر عام 2015، وكانت تهدف تلك القمة  إلى عمل حشد إقليمي في المنطقة يمكن للحكومة الأمريكية الاعتماد عليها، وبناء على هذا الاجتماع تم الاتفاق مع جورج نادر مستشار ولي عهد أبوظبي بهدف الترويج لذلك التحالف في واشنطن، ليكون جاهزًا لمواجهة نفوذ إيران وتركيا في المنطقة، وبالتالي تم الانتقال للمرحلة التالية وهي التوسط بين روسيا والفريق الرئاسي لترامب من أجل محاولة التدخل في الانتخابات الأمريكية لصالح ترامب مقابل تنفيذ أجندة الشرق الأويط المتفق عليها.

حيث  كشفت صحيفة نيورك تايمز أن ولي عهد أبوظبي قد التقي مع الابن الأكبر لترامب أغسطس (آب) 2016،وأخبره أن الأمراء الذين يحكمون السعودية والإمارات يرغبون في دعم والده في الانتخابات الأمريكية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016.

 أكما أشارت صحيفة الواشنطن بوست إلى أن الإمارات العربية المتحدة رتبت اجتماعًا سريا في يناير (كانون الثاني) 2017، بين مؤسس بلاك ووتر إيريك برنس وبين مسؤول روسي مقرب من الرئيس فلاديمير بوتين، في إطار جهودها لإقامة خط اتصال خلفي بين موسكو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث كشفت الصحيفة أنه بالرغم من أن جدول الأعمال ليس واضحًا بشكل كبير، إلا أن الإمارات وافقت على التوسط في الاجتماع؛ لاستكشاف مدى قابلية روسيا للتخلي عن تحالفها مع إيران، خصوصًا فيما يخص الشأن السوري وتدخلها هناك، في مقابل تخفيف للعقوبات الأمريكية على روسيا منذ أزمة القرم عام 2014.

منعطف كبير

لكن مع توالي سقوط رفقاء ترامب على يد المحقق مولر الذي عينه الكونجرس لكشف ملابسات التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية،أصدر مولر أوامره بالقبض على جورج نادر مستشار ولي عهد أبوظبي، الذي وصل إلى اتفاق معه بالاعتراف له بكل شيء مقابل عدم الزج به في السجن، الأمر اضطر بعدها محمد بن زايد إلى إلغاء زيارته إلى أمريكا 2018، خصوصًا أنه مجرد ولي للعهد وليس رئيس دولة، ولا يوجد تحصين قضائي له.

ويتوقع عدد كبير من المحللين في أمريكا أن يقوم الكونجرس بإقالة ترامب حال ثبوت تهمة التواصل مع الروس لمساعدته في الوصول للبيت الأبيض، مقابل إلغاء بعض العقوبات الأمريكية على روسيا وتغيير التحالفات الأمريكية في الشرق الأوسط لصالح روسيا.

وما قام به وزير العدل الأمريكي من إلقاء القبض على كريس كولينز (نائب جمهوري من أبرز داعمي ترامب، بتهم فساد متعلقة بتلاعبه في أسهم البورصة) لا يعدو كونه تمهيدًا لإضعاف شعبية ترامب،خصوصًا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الذي يسيطر الجمهوريون على أغلبيته لكن يأمل الديمقراطيون المعارضون في تحقيق ما يسمى بـ«الموجة الزرقاء» التي من شأنها أن تقلب السيطرة على واحد على الأقل من مجلسي الكونجرس، ما يمنحهم المزيد من الصلاحيات للتدقيق في سياسات الرئيس دونالد ترامب.

ومن المقرر أن يتم الإعلان عن نتائج التحقيقات التي يقوم بها مولر في وقت متقارب مع انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، ومن المتوقع أن تؤثر نتائج التحقيقات على اختيارات الناخبين الأمريكان، وربما تؤدي تلك الانتخابات إلى سيطرة الديموقراطيين على مقاليد الأمور في الكونجرس بغرفتيه، مما يسارع بإجراءات اتهام ترامب ومن ثم محاكمته في مجلس الشيوخ وربما عزله لاحقًا.

توابع عزل ترامب

ما يهمنا في تلك النقطة أن عزل ترامب سيخلف ارتدادًا عكسيًّا على كل حلفائه الذين ساهموا في إيصاله إلى الرئاسة سواء الروس أو الأطراف الخليجية، خصوصًا أن ترامب قد دفع فاتورة بتوصيل محمد بن سلمان إلى ولاية العهد مقابل دعم الملك سلمان وابنه لجهود إيصاله للحكم.

كما أن الإدارة الأمريكية لن تغفر لأمراء الخليج تدخلهم في الشأن السياسي الأمريكي الداخلي (إن ثبت) وربما تقوم بتجهيز بدائل متاحة لهم  عقابًا على تدخلهم في الساحة الخلفية للشأن الأمريكي، وذلك لقطع الطريق على أي دولة أو كيان  بالتدخل في الشأن السياسي الأمريكي، وحفاظًا على هيبة الدولة الأمريكية وربما تطيح بابن زايد وتنصب أحد إخوته، ربما يكون أخوه حمدان بن زايد وزير الدولة للشئون الخارجية ونائب رئيس الوزراء السابق، أحد أبرز الوجوه المرشحة لأن يحل محله.

مخاوف السيسي

منذ أن ازداد الوضع سوءًا بالنسبة لموقف ترامب، يعيش نظام السيسي في قلق شديد، بسبب مخاوف أن يعود الديموقراطيون إلى الحكم، وهؤلاء لا يبالون كثيرًا بالضغوط اليهودية، تمامًا مثل ما حدث مع إدارة أوباما الذي كان لا يميل لأن يتولى السيسي رئاسة الجمهورية، ومفضلًا أي شخصية ليبرالية موالية لأمريكا، كما عمل أوباما على تنفيذ الاتفاق النووي مع إيران متجاهلًا أصوات المعارضة من إسرائيل، حيث كان يصر أوباما على رسم سياسة أمريكية خارجية غير معتمدة على الدعم الإسرائيلي، وبالتالي فإن عودة أحد أقطاب الديموقراطيين للحكم، ربما ستوقف صفقة القرن وترجح حلًّا أسهل لتلك المشكلة لا يصطدم برأي النخب الحاكمة للمنطقة ولا يكترث للضغوط اليهودية كثيرًا، الأمر الذي يقلل من حظوظ السيسي لاستكمال حكمة لمصر بعد مرور الثماني سنوات، وربما تعاقبه الإدارة الأمريكية الجديدة برفع الغطاء السياسي عنه ووقف الدعم الاقتصادي من الكيانات الاقتصادية الموالية كلها لأمريكا مثل صندوق النقد والبنك الدولي، وذلك عقابًا على وقوفه مع ابن سلمان وابن زايد مع التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية.

ربما تحمل الأيام القليلة القادمة المزيد من المفاجآت لمنطقة الشرق الأوسط، وربما تأتي الرياح بما تشتهي السفن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد