في خطوة من خطوات الرئيس الأمريكي، ترامب، أعلن عن نقل السفارة الأمريكية بفلسطين المحتلة إلى القدس الشريف فى شهر مايو (أيار) عام 2018 معتمدًا في ذلك على الانهيار الذي أصاب المنطقة العربية، وخاصة الدول الرئيسة، وفي مقدمتها مصر وسوريا وليبيا واليمن، والذي أدى إلى هرولة حكام الخليج والمغرب العربى والأنظمة الانقلابية فى شمال أفريقيا للتطبيع والخضوع للهيمنة الأمريكية، ومن قبل للهيمنة الصهيونية على المنطقة، وتمهيدًا لتنفيذ صفقة القرن بإعادة تشكيل المنطقة العربية تحت مسمى الشرق الأوسط الجديد، أو الكبير، أو الموسع، يكون كيان الاحتلال الصهيوني بفلسطين المحتلة مركزة، وذلك ظنًا منهم أنهم طالما ملكوا رقاب الحكام العرب فقد ملكوا المنطقة أنظمة وحكامًا ومحكومين وأرضًا وشعبًا.

مع أن الواقع يكذبهم، فلا الشعب المصري استسلم للانقلاب العسكري، ولا نظام الانقلاب ثبت واستقر، هو الآن (دود على عود)، كما أن الشعب السورى لم يستسلم رغم أنهم جربوا معه أحدث وأخطر وأفتك الأسلحة، فمازال الشعب السوري صامدًا يرفض الاستسلام، بل يلقنهم خسائر بشرية وعسكرية تقض مضاجعهم وتؤرقهم، فمازالت الشعوب حية ترفض الهيمنة وترفض الحكام العملاء، وما حماس وغزة العزة عنا ببعيد، فضلًا عن قيام تركيا بدورها في المحافظة على حيوية المنطقة بالاهتمام لعمقها الاستراتيجي، وقد جاء ذلك ردًا على خضوع معظم دول الخليج للهيمنة الأمريكية الصهيونية، وخاصة السعودية والإمارات.

في خضم ذلك اعتقد الرئيس الأمريكي ترامب بأن الوقت قد حان للتنفيذ العلمي للخطة، حيث أعلن عن نقل السفارة الأمريكية للقدس المحتلة، ظنًا منه أن ذلك يعني اعترافًا قانونيًا يغير الواقع والمركز القانوني لفلسطين المحتلة، باعتبار القدس عاصمة لكيان الاحتلال الصهيوني، ولكن القانون الدولي المعاصر يرفض تلك الفكرة رفضًا تامًا وقاطعًا، وأن هذا التصريح لن يغير من المركز القانوني لمدينة القدس وأرض فلسطين من النهر إلى البحر التي تعد في نظر القانون الدولي أرضًا محتلة. وهذا ما سنوضحه في هذا المقال.

فلسطين من النهر إلى البحر – في القانون الدولي – هي أرض محتلة، رغم صدور العديد من القرارات من مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة والعديد من المنظمات الدولية الإقليمية، فكل تلك القرارات والحروب لم تغير من الوضع القانوني لفلسطين من النهر إلى البحر خطوة نملة، أو كما يقال قيد أنملة؛ لأن وجود يهود في فلسطين جاء عن طريق استخدام القوة، وذلك محظور طبقًا للمادة الثانية الفقرة الرابعة من ميثاق الأمم المتحدة، وهذا مبدأ حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية، وهو مبدأ عام وقاعدة آمرة في القانون الدولي لا يجوز مخالفتها، ولا حتى الاتفاق على مخالفتها، فالقوة تحمي الحق ولا تخلقه، فضلًا عن أن اليهود أعلنوا دولتهم بناء على توصية التقسيم رقم (181) لعام 1947 الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، وقد قام مجلس الأمن والجمعية العامة بإلغاء ووقف تنفيذ تلك التوصية، حيث أصدر مجلس الأمن القرار رقم (27) بتاريخ 19 مارس (آذار) 1948، وقرر المجلس فيه بأنه ليس لديه الاستعداد لتنفيذ توصية التقسيم رقم (181/ لسنة 1947) ويوصي بإعادة القضية الفلسطينية للجمعية العامة، وفرض وصاية مؤقتة على فلسطين تحت وصاية مجلس الأمن، ولكن هذا الإجراء لم ينفذ كليًا أو جزئيًا، إضافة إلى ذلك أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 14 مايو (أيار) 1948 قرارها الثاني المتضمن إعفاء لجنة فلسطين من أية مسئوليات، التي نصت عليها المادة (2) من قرار التقسيم (181/ لسنة 1947) والعمل على إجراء تسوية سلمية لمستقبل الوضع في فلسطين.

ترتيبًا على ما سبق، يعتبر وجود يهود أو دولة لهم فى فلسطين المحتلة من النهر إلى البحر منعدمًا قانونًا، أي عمل مادي لا يرتب عليه القانون الدولي أي آثار قانونية، ولا يصححه رضاء الخصوم، لذلك أرض فلسطين من النهر إلى البحر بما فيها مدينة القدس الشريف تعتبر في نظر القانون الدولي أرضًا محتلة، والاحتلال عمل مادي، ولا ينقل السيادة، بل تظل الأرض ملك أصحابها أهل فلسطين.

وتطبيقًا لذلك فإن كافة المعاهدات والاتفاقات التي عقدت بين الدول العربية وكيان الاحتلال الصهيوني في فلسطين المحتلة في حكم العدم، ولا يرتب عليها القانون الدولي أي آثار قانونيًا طبقًا للمادة (53) من قانون المعاهدات بين الدول لعام 1969، والتي تنص على أن (تكون المعاهدة باطلة، إذا كانت وقت عقدها تتعارض مع قاعدة آمرة من القواعد العامة للقانون الدولي. لأغراض هذه الاتفاقية يقصد بالقاعدة الآمرة من القواعد العامة للقانون الدولي القاعدة المقبولة والمعترف بها من قبل المجتمع الدولي ككل على أنها القاعـدة التي لا يجوز الإخلال بها والتي لا يمكن تعديلها، إلا بقاعدة لاحقة من القواعد العامة للقانون الدولي لها ذات الطابع).

لذلك فتصريح ترامب بنقل السفارة الأمريكية للقدس الشريف لا قيمة قانونية له، ولا يؤثر على الوضع القانوني لمدينة القدس، ولا أي جزء من أرض فلسطين من النهر إلى البحر، ورغم ذلك يجعل الولايات المتحدة – التصريح – مرتكبة لجريمة عدوان لمساندتها الاحتلال طبقًا للمادة الثامنة مكرر من النظام الأساسى للمحكمة الجنائية الدولية، فضلًا عن أن تلك المساعدات الأمريكية للكيان الاحتلال الإسرائيلي بفلسطين المحتلة يجعلها مرتكبة لجرائم حرب طبقًا للمادة الثامنة من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، والتاريخ خير شاهد على ارتكاب الولايات المتحدة لتلك الجرائم، هي وقوات الاحتلال الصهيوني.

وتطبيقًا لقاعدة ما بنى على الباطل فهو باطل، فما بالنا بما بني على عمل مادي منعدم، فتصريح ترامب لا قيمة له، ولا يؤثر على المركز والوضع القانونى لفلسطين أرضًا ودولة أي شيء فما زال وجود يهود في فلسطين بصفتهم قوات احتلال، لا يجوز لهم الحرب على الفلسطينيين بزعم حق الدفاع الشرعي؛ لأنهم لا حق لهم في الدفاع الشرعي تطبيقا لقاعدة: لا دفاع شرعي ضد دفاع شرعي، ولا مقاومة لفعل مباح علمًا بأن من الأركان الضرورية لإعمال حق الدفاع الشرعي ألا يكون من يستخدمه معتديًا، فلا دفاع شرعي لمعتدي، أي ليس لقوات الاحتلال الصهيوني أي حق في الدفاع الشرعي، بل الحق كل الحق للشعب الفلسطيني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة
عرض التعليقات
تحميل المزيد