اللاجئون السوريون بين سندان القيمة المضافة ومطرقة السياسة

لقد أجبرت الحرب في سوريا أكثر من نصف سكانها، البالغ عددهم 23 مليون نسمة، على اللجوء إلى أماكن أكثر أمانًا، سواء داخل الأراضي السورية أو خارجها. فقد نزح ما يربو على 5.6 مليون سوري إلى الدول المجاورة بصفتهم لاجئين. وتستضيف تركيا والأردن ولبنان الأعداد الأكبر منهم. وقد ألقت هذه الأعداد الهائلة الإضافية من البشر عبئًا ثقيلًا على الاقتصاد الذي يعاني أصلًا من هشاشة. فقد ولّد اللجوء ضغطًا أنتج عدة اضطرابات مسّت بتماسك النسيج الاجتماعي في تلك المجتمعات المضيفة.

إن للخطاب السياسي دورًا محوريًّا في خلق المناخ الملائم لامتصاص آثار الأزمات، لكن ذلك الخطاب يجب أن يستنير بالتحليل الموضوعي والبحث العلمي لتمهيد الطريق أمام حلول تأخذ بعين الاعتبار مصلحة البلاد والعباد. مع تقادم أزمة اللاجئين، وتفاقم المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، أصبحت الحاجة ملحّة لإيجاد وسائل مثبتة علميًّا تحمي الاستقرار الداخلي الهش، وتحدّ من الآثار السلبية التي بدأت تتفشى في المنطقة برمتها.

لقد تزامن تدفُّق السوريين إلى البلدان الثلاثة الرئيسية المُضيفة، مع تباطؤ النمو الناجم عن الركود الاقتصادي، وعدم الاستقرار السياسي الإقليمي، وقطع طرق التجارة بسبب الحروب. فأصبحت معدّلات البطالة مرتفعة في كل من لبنان والأردن وتركيا، سواء بين مواطني البلدان المُستَضيفة، أو بين السوريين. غير أن هذه الأزمة تحمل فرصًا كما تحمل تحديات. ويعتمد ازدهار المنطقة واستقرارها على توفير فرص اقتصاديّة تعود بالنفع على كل من اللاجئين السوريين، والعاملين في البلدان المُضيفة في آن معًا.

تؤكد التجارب الدولية أن توفير فرص للعمل يساهم في الحد من هشاشة الاقتصاد؛ وبالتالي يخفف من التوترات الاجتماعية. ومن هذا المنطلق، وباستعمال أدوات البحث العلمي أجرت مؤسسة (RAND (i دراسة بعنوان: فرصٌ للجميع. تناولت الدراسة سوق العمل في تركيا والأردن ولبنان؛ لتحليل الأزمة من أجل إيجاد حلول علمية تعود بالمنفعة على الاقتصاد المحلي، لتمكين عاملي تلك البلاد، وكذلك اللاجئين، من العمل بكرامة. تم إجراء الدراسة البحثية الشاملة المتنوعة الأساليب في كل من البلدان الثلاثة أعلاه، بإجراء عدة مقابلات مُعمّقة مع أصحاب الاختصاص، ومع مجموعات تركيز من السوريين ومواطني الدول المضيفة، إضافة لعدة دراسات استقصائية. هدفت الدراسة إلى تحسين الفهم الشامل للوضع الاقتصادي العام، واستكشاف الحلول الممكنة. وتم تحليل المهارات المتوفرة لدى العمال وتطابقها مع احتياجات شركات القطاع الخاص، وتم استخلاص الخطوات اللازمة للمواءمة بين العرض، والطلب، وتحديد التغييرات اللازمة لتحسين المناخ الاقتصادي العام، واستراتيجيات تحسين تماسك النسيج الاجتماعي.

وجدت الدراسة أن معظم السوريين أراد العمل، لكن الكثير منهم لم يتمكن من العثور على وظائف تتجاوز الوظائف ذات الأجور المتدنية. إن أغلب اللاجئين السوريين الذين يعملون يشغلون وظائف منخفضة الأجر، خاصة تلك التي تتطلب مهارات منخفضة، وتشكل ما يدعى الوظائف غير الرسمية في البلاد. ترتفع معدلات البطالة بين اللاجئين؛ إذ تحول الكثير من العوامل دون عثور السوريين على فرص عمل، وذلك يشمل: الأطر القانونية المعقدة للحصول على رخص الإقامة والعمل، وبرامج التدريب غير الموجهة للسوق في الغالب، والبيئات التي لا تشجِّع على ريادة السوريين للأعمال. ففي تركيا، يتركز اللاجئون في مناطق ذات فرص عمل محدودة وتنقصهم المهارات اللغوية. وفي الأردن، يجد اللاجئون صعوبة في الانتقال من وإلى المناطق الصناعية التي يتم تحفيز أصحاب العمل على توظيفهم فيها. أما في لبنان، فإن عدم وجود تصريح بالإقامة يشكل عقبة في التنقل من وإلى العمل بسبب الخوف من الاعتقال والترحيل.

من الممكن للاجئين السوريين في تركيا والأردن ولبنان أن يشكلوا قيمة مضافة للاقتصاد، فمن الممكن أن يدعموا بشكل أفضل بناء الاقتصاد المحلي إن تم تدريبهم على وظائف ذات مهارات متوسطة، وكانوا قادرين على الانتقال إلى مناطق تتواجد فيها شركات صناعية تحتاج إلى عمال مدرَّبين. فهناك برامج تدريبية قائمة مسبقًا ومدعومة من المجتمع الدولي، يمكن لهذه البرامج أن تكون أكثر كفاءة إذا ما تمت مواءمتها مع احتياجات أرباب العمل، وكانت متاحة لكل من اللاجئين ومواطني البلد المضيف على السواء. ومن الضروري زيادة خدمات المطابقة الفعّالة بين الوظائف الشاغرة، والباحثين عن عمل لكل من اللاجئين والمواطنين. فإمكانية خلق مناخ اقتصادي قائم على المنفعة المتبادلة بين اللاجئين السوريين، والبلدان المُستضيفة لهم ممكنة. لكن التحديات كبيرة، فللمجتمع الدولي دور بارز في توجيه الاستثمار نحو هذه البلدان. لكن تعزيز قدرة الحكومات المحلية على إدارة تدفق تلك الاستثمارات الدولية والحوكمة، في ظل نظام مراقبة ومساءلة فعّال، يعتبر ضرورة ملحة لإيجاد آليات تنظيمية داخلية مستقلة، تتميز بالشفافية والمصداقية لجذب الاستثمار الأجنبي؛ لخلق فرص عمل للجميع. يتوازى ذلك مع أهمية تذليل القيود في القطاعات التي يمكن للسوريين أن يعملوا فيها؛ لتلبية احتياجات سوق العمل، وخلق بيئة تيسِّر الشراكة لكل من رواد الأعمال المحليين والسوريين.

ومن الأمور التي يجب بحثها في المستقبل: إيجاد وسائل لجذب الاستثمارات والعمّال إلى مدن غير المدن الرئيسية الكبرى التي تشهد اختناقات. دعم المدن الثانوية في كل بلد من هذه البلدان الثلاثة بالاستثمار وإنشاء المشاريع يحقق أمرين مهمين: تشغيل القوى العاملة الموجودة في تلك المدن الثانوية، وتخفيف الضغط على الموارد والبنى التحتية في المدن الرئيسية. كما يجب تقديم تقييم واقعي لعملية إعادة إعمار سوريا، وبيان الدور الذي يمكن أن تؤديه دول المنطقة، بما في ذلك تأهيل اللاجئين السوريين وتدريبهم بالشكل المناسب؛ حتى يتمكنوا يومًا ما من أن يشكلوا قيمة مضافة في بناء بلدهم.

 


[i] مؤسسة RAND هي منظمة بحثية تعمل على تطوير حلولٍ لتحدّيات السياسات العامة، وللمساعدة في جعل المجتمعات في أنحاء العالم أكثر أمنًا وأمانًا، وأكثر صحةً وازدهارًا. مؤسسة RAND هي مؤسسةٌ غير ربحية، وحيادية، وملتزمةٌ بالصالح العام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد